الثورة تبدأ حين نصحو
الكاتب: بيوراسب دارا
.
في زمنٍ تتكاثر فيه الوعود وتتساقط فيه المبادئ عند أول اختبار، تقف الشعوب الديمقراطية لتسأل نفسها عن الأخوّة التي تحدّثوا عنها، وعن العدالة التي بشّروا بها، وعن الديمقراطية التي رفعوها رايةً فوق المنابر. الأسئلة تتزاحم، والحقوق تُدفع إلى الخلف، والناس يدركون أن الطريق نحو الحرية لا يُفتح بالكلام، وإنما بإرادة الشعوب التي تعرف قيمتها.
الكورد يعرفون هذا المشهد جيداً. يعرفونه من تاريخٍ طويل حاولت فيه القوى أن تطفئ هويتهم، وأن تفرّق أرضهم، وأن تحاصر لغتهم، وأن تكسر إرادتهم. ومع ذلك، ظلّت الهوية الكوردية واقفة، تتنفس من صدور الناس، وتكبر في الأغاني، وتشتعل في العيون، وتعود كلما ظنّوا أنها انتهت. هويةٌ لا تنحني، لأنها وُلدت من صمود شعبٍ لا يقبل أن يُمحى.
وفي قلب هذا الطريق، سقطت منظومات كثيرة كانت تدّعي الثورة، ومنها منظومة بكك التي انهارت بأفكارها الانهزامية التي لا تحمل روحاً ثورية ولا رؤية وطنية. سقطت لأنها لم تفهم أن الثورة ليست شعارات، وأن الوطنية ليست ادعاءً، وأن الشعوب لا تتبع من يجرّها إلى العزلة والضياع. سقطت لأنها لم تستطع أن تكون صوتاً حقيقياً للناس، ولم تقدّم مشروعاً يليق بتضحياتهم.
والعدالة التي انتظرها الناس لم تصل. تأخرت حتى صار الانتظار نفسه ثورة. تأخرت حتى صار الظلم وقوداً يغذي الوعي. تأخرت حتى فهم الجميع أن العدالة التي لا تأتي من فوق تُصنع من تحت، وأن الشعوب حين تُداس، تنهض، وحين تُخنق، تصرخ، وحين تُحاصر، تكسر الحصار.
والديمقراطية التي تحدّثوا عنها لم تُفتح أبوابها للجميع. بقيت محاطة بالأسلاك، تُفتح حين تشاء القوى، وتُغلق حين يطالب بها شعبٌ يريد أن يكون سيد قراره. الديمقراطية التي تُستخدم كزينة سياسية لا تخدع شعباً يعرف معنى الحرية، ولا توقف خطوات أمةٍ تعلّمت أن الطريق يُشقّ بالإصرار.
والاستقلال… ذلك الحلم الذي لم يهرم. حلمٌ يمشي مع الكورد جيلاً بعد جيل، ينام في قلوبهم ويستيقظ معهم، يشتعل حين تُرفع الراية، ويكبر حين تُغنّى الأغاني القديمة. الاستقلال حقّ ينتظر لحظته، وحقّ يعرف أصحابه كيف يحافظون عليه حتى يأتي موعده.
والمساواة التي يتغنون بها لم تتحقق. بقيت ناقصة، مترددة، محاطة بالقيود. والمساواة الناقصة ليست مساواة، إنها إعلانٌ واضح بأن الطريق لم يكتمل، وأن النضال لم ينتهِ، وأن الشعوب التي تريد كرامتها لا تتراجع خطوة واحدة.
وهكذا، تتجمع الأسئلة كلها في صدر شعبٍ واحد:
إلى متى؟
والجواب يخرج من الحناجر قبل العقول:
إلى أن تتحقق الحرية كاملة، وإلى أن تُسمع أصواتنا، وإلى أن تُكتب حقوقنا بيدنا، وإلى أن يصبح المستقبل ملكاً لنا.
هذه ليست كلمات… هذه إرادة شعب يعرف أن الثورة طريقٌ لا يعود منه أحد.
إ