الرئيسيةثقافة وفن

التراث الكردي بين الثراء الثقافي وخطر الاستغلال التجاري

بقلم مصمم الأزياء العالمي: الأستاذعامر حسن

يمثل التراث الثقافي أحد أهم عناصر هوية الشعوب وذاكرتها الجماعية. ولا يقتصر التراث على الآثار والمخطوطات، بل يشمل أيضاً الأزياء التقليدية، والحرف اليدوية، والزخارف، والموسيقى، والرقصات، وأساليب صناعة النسيج، والرموز البصرية التي تراكمت عبر أجيال طويلة.
وتبرز هنا إشكالية مهمة في حالة التراث الكردي: كيف يمكن حماية الأزياء والتقنيات والزخارف التقليدية عندما تكون ملكيتها جماعية، ومتوارثة عبر مناطق مختلفة، ولا ترتبط في كثير من الأحيان بمصمم أو مؤسسة تمتلك حقوقاً فردية واضحة؟
أولاً: لماذا يصعب حماية الأزياء التراثية؟
تعمل قوانين الملكية الفكرية الحديثة بصورة أساسية على حماية الأعمال التي يمكن تحديد صاحبها أو تاريخ إنتاجها، مثل التصميم الجديد، أو العلامة التجارية، أو العمل الفني، أو الاختراع.
أما الزي التقليدي الذي تطور عبر قرون داخل مجتمع ما، فقد يكون من الصعب تسجيله باسم شخص واحد. وهنا تظهر فجوة بين الملكية الفكرية الفردية والملكية الثقافية الجماعية.
وهذه المشكلة لا تخص الأكراد وحدهم؛ فهي تواجه شعوباً ومجتمعات عديدة حول العالم عندما تنتقل عناصر من تراثها إلى صناعة الموضة العالمية دون توثيق واضح للمصدر أو مشاركة المجتمع الذي حافظ عليها.
ثانياً: التوثيق هو الخطوة الأولى للحماية
من أهم وسائل حماية التراث الثقافي توثيقه بصورة منهجية.
ويشمل ذلك إنشاء أرشيفات للصور والرسومات والقطع الأصلية، وتوثيق أسماء الأزياء ومناطق انتشارها، وطريقة صناعتها، وأنواع الأقمشة والزخارف، إضافة إلى تسجيل الروايات الشفوية المرتبطة بها.
وهنا تكمن إحدى التحديات المهمة بالنسبة إلى التراث الكردي: فهناك ثروة كبيرة من الأزياء التقليدية الموجودة في الذاكرة العائلية والمجتمعية، لكن توثيقها وحفظها في مؤسسات متخصصة وأرشيفات مفتوحة للبحث لا يزال بحاجة إلى جهود أكبر وأكثر تنظيماً.
غياب التوثيق المؤسسي لا يعني أن التراث بلا قيمة أو بلا أصحاب ثقافيين؛ لكنه يجعل إثبات مصدره وتاريخه واستخدامه التجاري أكثر صعوبة.
ثالثاً: دور اليونسكو والمنظمات الدولية
تعمل UNESCO على حماية التراث الثقافي غير المادي من خلال اتفاقية 2003، التي تهدف إلى صون الممارسات والمعارف والمهارات والتقاليد التي تعتبرها المجتمعات جزءاً من تراثها.
لكن من المهم التمييز بين إدراج عنصر ثقافي ضمن قوائم التراث غير المادي وبين امتلاك حقوق تجارية حصرية عليه. الاعتراف الدولي بالتراث لا يعني تلقائياً أن الآخرين ممنوعون من استخدام كل عناصره في التصميم أو الموضة.
لذلك تحتاج حماية التراث إلى مجموعة من الأدوات القانونية والثقافية المتكاملة، وليس إلى التسجيل وحده.
رابعاً: الملكية الفكرية والمعارف التقليدية
تبحث WIPO منذ سنوات في كيفية التعامل مع المعارف التقليدية وأشكال التعبير الثقافي التقليدي، بما في ذلك قضايا استخدام الرموز والتصميمات والمعارف المتوارثة من المجتمعات المحلية.
وهذا المجال مهم جداً للأزياء التقليدية، لأن المشكلة لا تتعلق دائماً بنسخ قطعة ملابس كاملة؛ فقد يكون الاستغلال في نسخ زخرفة معينة، أو تقنية تطريز، أو رمز ثقافي، ثم إعادة تقديمها في الأسواق العالمية باعتبارها ابتكاراً معاصراً منفصلاً عن أصلها.
خامساً: المؤشرات الجغرافية والعلامات الجماعية
هناك أيضاً أدوات قانونية أخرى يمكن أن تكون مفيدة في بعض الحالات، مثل المؤشرات الجغرافية والعلامات الجماعية وعلامات التصديق.
لكن استخدامها يتطلب تحديد المنتج والمجتمع والمنطقة الجغرافية والقواعد التي تنظّم استعمال الاسم أو العلامة.
ولهذا فإن حماية اسم زي أو نسيج كردي معين قد تحتاج إلى مشروع مؤسسي يقوم أولاً على التوثيق، وتحديد المصدر، وتحديد المجتمع المرتبط به، ثم اختيار الأداة القانونية المناسبة.
التراث الكردي: ثروة من الأزياء والتقنيات
لا يختصر الزي الكردي في نموذج واحد. فالاختلاف الجغرافي والتاريخي والاجتماعي أدى إلى ظهور أشكال متعددة من الملابس النسائية والرجالية، تختلف في القصّات والأقمشة والألوان والتطريز وطريقة ارتدائها.
وتحمل هذه الأزياء معلومات تتجاوز الجانب الجمالي؛ فهي يمكن أن تعكس المنطقة، والمناسبة الاجتماعية، والعمر، والحالة الاقتصادية، والذوق المحلي، والمهارة الحرفية.
الزي النسائي
تتميز الأزياء النسائية التقليدية في مناطق كردية مختلفة بالفستان الطويل، والأقمشة الملونة، والتطريز والزخارف، إضافة إلى الإكسسوارات والأحزمة وقطع الرأس.
وتختلف التفاصيل من منطقة إلى أخرى، ولذلك من الأفضل التعامل معها باعتبارها مجموعة من التقاليد المحلية وليس باعتبارها زياً كردياً واحداً ثابتاً.
الزي الرجالي
تظهر في الأزياء الرجالية التقليدية أيضاً عناصر مميزة، مثل السروال الواسع، والسترة، والقميص، والحزام العريض، وأغطية الرأس.
وقد ارتبطت بعض هذه القطع تاريخياً بالبيئة الجبلية وطبيعة الحياة اليومية والعمل، قبل أن تتحول لاحقاً إلى رموز ثقافية تُرتدى في المناسبات والاحتفالات.
المشكلة الأكبر: عندما ينتقل التراث من المجتمع إلى السوق
المشكلة ليست في أن يستلهم المصمم المعاصر ثقافة مختلفة. الاستلهام الثقافي يمكن أن يكون جزءاً طبيعياً من تاريخ الفن والموضة.
المشكلة تبدأ عندما يحدث أحد الأمور التالية:
يتم استخدام عنصر تراثي دون الإشارة إلى مصدره.
يُقدَّم التصميم وكأنه ابتكار جديد بالكامل رغم اعتماده بصورة واضحة على تقليد قديم.
تُستخدم رموز ذات أهمية ثقافية في منتجات تجارية دون فهم سياقها.
يستفيد طرف تجاري من التراث بينما لا يحصل المجتمع الذي حافظ عليه على أي اعتراف أو منفعة.
تضيع المعلومات المتعلقة بأصل التصميم بسبب ضعف التوثيق.
وهنا يصبح التوثيق الثقافي مهماً ليس فقط لحماية الماضي، بل أيضاً لحماية قدرة الأجيال القادمة على إثبات مصدر تراثها.
هل يحتاج التراث الكردي إلى متحف فقط؟
المتحف يمكن أن يكون جزءاً من الحل، لكنه ليس الحل الوحيد.
ما يحتاجه التراث الكردي هو منظومة متكاملة تشمل:
متحفاً أو مركزاً وطنياً للتراث والأزياء الكردية + أرشيفاً رقمياً مفتوحاً + توثيقاً أكاديمياً + حماية قانونية مناسبة + دعم الحرفيين + تعاوناً مع مصممي الأزياء المعاصرين.
ويمكن أن يضم هذا المشروع صوراً للقطع القديمة، والقطع الأصلية، والباترونات، وتقنيات الخياطة والتطريز، وأسماء المناطق، وتسجيلات للحرفيين، بالإضافة إلى قاعدة بيانات رقمية يمكن للباحثين والمصممين الرجوع إليها.
من الذاكرة إلى الملكية الثقافية
إن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده في المتاحف ومنع تطويره. على العكس، يمكن للمصمم الكردي المعاصر أن يأخذ عناصر من هذا الإرث ويعيد صياغتها في Haute Couture والموضة الحديثة، مع الحفاظ على المصدر والهوية والسياق الثقافي.
وهنا يتحول التراث من مادة يمكن للآخرين أخذها واستخدامها دون سياق، إلى مرجع موثق يمكن للمجتمع نفسه أن يطوره ويستثمره ويقدمه للعالم.
الخلاصة
التراث الكردي يمتلك ثراءً كبيراً في الأزياء والأقمشة والتطريز والزخارف وأساليب الحياكة. والتحدي اليوم ليس فقط الحفاظ على هذه القطع القديمة، وإنما تسجيل تاريخها ومصادرها وحمايتها وتقديمها للأجيال الجديدة بطريقة مؤسسية.
فحين يكون التراث موثقاً، يصبح من الأسهل إثبات أصله. وحين يكون له أرشيف ومتحف ومؤسسات متخصصة، يصبح من الصعب فصل التصميم عن سياقه الثقافي. وحين يشارك المصممون والحرفيون والمجتمع في تطويره، يمكن للتراث أن يدخل عالم الموضة العالمية بوصفه ثقافة حية، لا مجرد مصدر مجهول للإلهام التجاري.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *