أول أبجدية في تاريخ البشرية يبتكرها أسلاف الكورد الخوريون (2 – 4)

د.مهدي كاكەيي

قتباس الأبجدية الخورية من قِبل الفينيقيين (Phoenicians)قي الحلقة السابقة تمّ الحديث

عن أنّ أسلاف الكورد الخوريين (XÛRÎ أو HÛRÎ) قاموا بإبتكار الحروف في حوالي سنة 1500

قبل الميلاد والذي كان أول إبتكار للحروف في تاريخ البشرية، لذلك شكّلت الأبجدية الخورية القاعدة

الأساسية في إبتكار وظهور الأبجديات الأخرى. بعد مرور 500 سنة على إبتكار الخوريين للأبجدية،

أي في سنة (1000) قبل الميلاد، قام أسلاف الكورد الفينيقيون بإقتباس الحروف الخورية وأجروا

بعض التغييرات والتعديلات عليها، حيث إختزلوا الحروف الخورية من (30) حرفاً الى (22) حرفاً

ساكناً. إنتشار الأبجدية الخورية من قِبل الفينيقيينكان الفينيقيون ملّاحين وتُجار ماهرين. بِدافع المغامرة

والإستكشاف وحب الإستطلاع والتجارة والربح، إستطاعوا توسيع معرفتهم عن طريق السفر والملاحة

في أنحاء العالم القديم لإشباع فضولهم ولِتسويق ومقايضة سلعهم وبحثاً عن بعض المنتجات وخاصةً

المواد الخام لِحرفهم اليدوية. من خلال سفرهم الى اليونان، نقلوا الأبجدية الخورية الى هناك. نتيجة

نقل الفينيقيين للحروف الخورية الى اليونان وإقتباسها من قِبل اليونانيين، تمّ إطلاق الأبجدية الفينيقية

عالمياً على الأبجدية الخورية ولذلك يستخدم المؤرخون والباحثون الى الوقت الحاضر مصطلح الأبجدية

الفينيقية بدلاً من الأبجدية الخورية بشكل خاطئ. في موسوعته التاريخية العالمية المعنونة (مكتبة التاريخ

Bibliotheca Historica) التي ألّفها خلال ثلاثين عاماً (من سنة 60 الى 30 قبل الميلاد)،

المؤرخ اليوناني (ديودوروس الصقلّي Diodorus Siculus) الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد،

ينقل عن مراجع في جزيرة كريت اليونانية أن الأبجدية المعروفة بالأبجدية الفينيقية ليست من إبتكار الفينيقيين

وإنما هم قاموا فقط بإدخالها إلى اليونان حيث أنها إقترنت بإسمهم وعُرفت بالحروف الفينيقية. عندما إقتبس

اليونانيون الأبجدية الخورية التي نقلها إليهم الفينيقيون، قاموا بجعلها ملائمة للغتهم، فأضافوا سبعة حروف

ناطقة (حروف علّة) الى الحروف التي نقلها الفينيقيون إليهم لتلبية النطق اليوناني. في جزيرة (سانتوران

Santorini) أي جزيرة (تيرا Thera) القديمة، تمّ العثور على أقدم كتابات أبجدية يونانية، التي تكاد لا

تختلف في شيء عن شكل الحروف الفينيقية (الخورية). يعود إنتشار الأبجدية الخورية بشكل كبير إلى

(قدموس) وإسمه باليوناني هو (Kάδμος) وباللغة الإنگليزية (Cadmus). في الأساطير الإغريقية،

كان (قدموس) إبن (أگنور) ملِك صيدا الفينيقي وشقيق كل من(فينيق) و(قيلكس) و (أوروپا). لقد تمّ

إختطاف أُخته (أوروپا) من قِبل كبير الآلهة اليونانية، الإله ( زيوس)، حيث أنه ظهر لها بِشكل ثور أبيض

وخطفها إلى مملكته ومن ثم تزوجها هناك. تكريماً لها، أطلق الإله ( زيوس) إسمها على الأرض التي تقع

غرب اليونان ومن هنا جاء إسم قارة (أوروپا). سافر (قدموس) إلى بلاد اليونان ليبحث عن أخته المخطوفة

(أوروپا). بعد أن وصل إلى (بيوتيه)، أنشأ مدينة (قدميا) في شمالي أثينا، وقام هناك بِتعليم الناس الأبجدية

الخورية، بعد أن فقد اليونانيون القدرة على إستخدام الكتابة مع إختفاء الحضارة المسنية في أوائل القرن

الثاني عشر قبل الميلاد. يذكر (هيرودوت) أنّ الفينيقيين القادمين مع (قدموس) جلبوا إلى الإغريق معارف

كثيرة ومنها الحروف التي لم يكونوا يعرفونها. وكان القدموسيون يستعملونها بادئ الأمر بشكلها الأولي

المألوف وبمرور الوقت أدخلوا عليها بعض التغييرات كما غيّروا أيضاً في لسانهم، وآنئذ كان أكثر الإغريق

الذين يحيطون بالفينيقيين من الأيونيين، فتعلموا منهم الحروف وإستعملوها محرفّة قليلاً ولكنهم استمروا

على تسميتها بالكتابة الفينيقية [1]. كما أنّ الروائي والناقد الفرنسي (أناتول فرانس Anatole France)

في كتابه (حديقة أبيقور) يقول أن (قدموس) أهدى الى اليونان والعالم أثمن هديّة أي الإثنين والعشرين

حرفاً التي يتكوّن منها الألفباء الفينيقي، حيث إشتقت منها الكتابات الإغريقية والرومانية التي انبثقت منها

جميع الكتابات الأوروپية [2]. إقتبستها كذلك جميع الكتابات السامية، (الآرامية والعبرية والسريانية

والعربية) وكذلك أبجديات آسيا الوسطى كالأبجدية الزندية والپهلوية وحتى الألفباء الهندي الذي تولد منه

الدفنجاري وكل حروف آسيا الجنوبية [2]. لقد تمّ العثور على عُملة نقدية برونزية تعود الى عصر الإمبراطور

الروماني (فلاڤيوس كلاوديوس جوليانوس أوگستوس Augustus Flavius Claudius Julianus)

(سنة 361 – 363 م) وتحمل هذه العُملة في أحد وجهَيها صورة (قدموس) يُعلّم أهل طيبة الأحرف الأبجدية

الفينيقة. هذه العُملة النقدية محفوظة حالياً في المكتبة الوطنية في پاريس.في حوالي سنة 900 ميلادية، ظهر

(الأتروسكان) في إيطاليا وقاموا بنقل هذه الأبجدية إلى الرومان الذين قاموا ببعض التعديلات عليها لتُناسب

اللغة الرومانية والتي أصبحت الأبجدية اللاتينية الحالية، حيث أن الشعوب اللاتينية، إكتفوا بخمسة حروف

ناطقة (حروف علّة) في أبجديتهم التي كانت لغتهم بحاجة إليها. إنتشرت الأبجدية اللاتينية في جميع الكتابات

الغربية بعد أن تبنّاها الرومان، حيث بدأ الأوروپيون بإستخدامها بعدئذٍ على نطاق واسع في العالم. إستمرت

هذه الأبجدية مستعملة مع بعض التحوير وثم إستفاد كل من (سانت كيرل St. Cyril) و (سانت ميثوديوس

St. Methodius) من الحروف الرومانية ووضعا أسس الكتابة السلاڤية في القرن التاسع الميلادي.كان

للأحوال السياسية دوراً أساسياً في سرعة إنتشار الأبجدية الخورية، حيث عندما ظهر الإسكندر المكدوني في

النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد، ساعد إحتلاله لممالك كثيرة على نشر الحروف الخورية. ثم

إقتبس الرومان عناصر حضارية كثيرة من اليونان، وفي مقدّمتها الأبجدية. لما سادت سيطرة روما في الغرب

والشرق، إزداد إستعمال الكتابة اللاتينية وأصبح ممكناً خلق عائلة الأبجدية اللاتينية. عندما هاجم البرابرة

الدولة الرومانية بين القرن الرابع والسادس الميلادي، إستفادوا كثيراً من حضارة الرومان، فتحضّروا وسكنوا

أوروپا، فإستعملوا الحروف اللاتينية لكتابة لغاتهم المختلفة. هكذا بعد تطويرها، أصبحت الأبجدية الخورية

الأصل، أبجدية قسم كبير من سكان أفريقيا وقارة أوروپا بأكملها.بعد مضي حوالي أربعة أجيال على ظهور

الديانة المسيحية، أصبحت الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية. ساعد إنتشار الدين المسيحي على

نشر الكتابة اليونانية في دول كثيرة في الشرق والكتابة اللاتينية في الغرب. الكتابة اليونانية واللاتينية

المنبثقتان عن الأبجدية الخورية، تجاوز تأثيرهما حدود الإمبراطورية البيزنطية والرومانية. منذ ذلك

الحين توسّعت تدريجياً آفاق الكتابة اللاتينية، خاصة بإشتقاق بعض اللغات عنها وخلق عائلة اللغات

اللاتينية، ثم بإستعمال أحرفها في كتابة لغات أخرى في بلدان مختلفة. في الوقت الحاضر، أصبحت

الكتابة بالأحرف اللاتينية الأكثر شيوعاً في العالم. هكذا من خلال تجارتهم البحرية، نشر الفينيقيون

الأبجدية الخورية إلى شمال كوردستان وشمال أفريقيا وأوروپا، حيث إعتمدها الإغريق الذين طوروها

لتناسب لغتهم ومنهم إنتقلت الى الرومان ومن ثمّ إنتشرت في كافة أنحاء أوروپا.