وعيٌ ينهض… ومصيرٌ يُنتزع

الكاتب: بيوراسب دارا

الانتفاضة لا تولد من فراغ، ولا تستمر بالصدفة. هي لحظة وعي تتشكّل عندما يكتشف الناس أن الصمت أثقل من الخسارة، وأن الوقوف في الشارع أصدق من انتظار وعود لا تأتي. لكن هذه اللحظة، مهما كانت مشتعلة، تبقى عُرضة للانطفاء إن لم تجد من يحمي جذوتها ويحوّلها من ردّ فعل إلى مسار تاريخي.

المظاهرة ليست صرخة عابرة، بل اختبار لقدرة المجتمع على تنظيم نفسه. فإذا بقيت الحركة أسيرة الانفعال، تذوب مع أول تعب. أما إذا وُضعت في إطار واضح، تُصبح مدرسة سياسية تُعيد تشكيل وعي الناس وتمنحهم لغة مشتركة. هنا تبدأ أهمية الرعاية: ليس بمعنى الوصاية، بل بمعنى توفير شروط البقاء—الوضوح، الانضباط، والقدرة على تحويل الغضب إلى مشروع.

ولا يمكن لأي حركة أن تتقدّم خطوة واحدة دون جيل يعرف كيف يقرأ الواقع، ويميز بين الشعارات والحقائق، ويحوّل العاطفة إلى خطة. الشباب المثقّف والأكاديمي ليس زينة للمشهد، بل عموده الفقري. هم الذين يملكون القدرة على تحليل البنية السياسية، فهم التجارب العالمية، وتطوير أدوات العمل المدني. إنهم الجسر بين الشارع والمؤسسة، بين اللحظة والهدف، بين الاحتجاج والرؤية.

تقرير المصير لا يتحقق بالصوت العالي وحده، بل بالقدرة على تحويل المطالب إلى برنامج، والبرنامج إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قوة تفاوضية. وهذا لا يحدث إلا عندما يُمنح الشباب مساحة للتعلّم، والتجريب، وتحمل المسؤولية. فالثورة التي لا تُخرّج جيلاً جديداً، تبقى أسيرة اللحظة. أما الثورة التي تُعيد بناء الإنسان، فهي التي تكتب مستقبلها بيدها.

إن رعاية الانتفاضات السلمية ليست دعماً للاضطراب، بل حماية لحق المجتمع في أن يطالب، يناقش، ويعيد تعريف مصيره. وعندما يُصاغ هذا المسار بعقل الشباب ووعيهم، يتحوّل الاحتجاج إلى مشروع، والمشروع إلى طريق، والطريق إلى استقلال يصنعه الناس لا يُمنح لهم.