مرسوم لا يشبهنا… ولا يشبه تضحياتنا
الكاتب: بيوراسب دارا
في اللحظة التي كان ينتظر فيها الشعب الكوردي خطوات تعزّز حضوره السياسي وترسّخ حقوقه، خرج هذا المرسوم كغيمة ثقيلة تحجب الضوء، لا يحمل بشائر الإصلاح ولا ملامح المستقبل، بل يضيف طبقة جديدة من الغموض والارتباك إلى مشهدٍ أنهكته التنازلات. بدا المرسوم وكأنه محاولة لإدارة أزمة لا لمعالجتها، ولتسكين جرح لا لشفائه، ولتثبيت واقع هشّ بدلاً من بناء مشروع راسخ يستند إلى إرادة الناس.
فالمرسوم، بكل ما يحمله من ثغرات، لا يقدّم رؤية ولا يفتح أفقاً، بل يكرّس مركزية القرار في مؤسسات ضيقة، ويُضعف المشاركة الشعبية التي كانت يوماً جوهر فكرة الدولة. إنه نصّ قابل للتأويل، قابل للاستخدام السياسي، قابل لأن يتحوّل إلى أداة بيد من يملك السلطة، لا إلى قاعدة قانونية تحمي المجتمع. والأسوأ من ذلك، أن البعض يلوّح بإمكانية تحويله إلى مادة دستورية، وكأن الدستور يُكتب بقرار فوقي، أو كأن إرادة الشعب يمكن اختصارها في مرسوم واحد. فالدستور الذي لا ينبع من الإجماع يتحوّل إلى قيد، والدستور الذي يُفرض يتحوّل إلى عبء، والدستور الذي لا يعكس نبض الناس يصبح مجرد ورقة تُستخدم لتبرير السلطة لا لتنظيمها.
ولعلّ السؤال الأعمق: كيف مرّ هذا المرسوم دون نقاش شعبي واسع، رغم أنه لم يصدر عن مؤسسات الإدارة الذاتية، بل عن رئاسة الجمهورية نفسها، وبصياغة أحمد الشرع؟ هذا وحده يكشف حجم التعقيد في المشهد، ويطرح أسئلة حول موقع الإدارة الذاتية في عملية اتخاذ القرار، وحول مدى استقلاليتها الفعلية في القضايا المصيرية. فالمسألة لم تعد مجرد مرسوم إداري، بل أصبحت دليلاً إضافياً على أن القرارات الكبرى تُكتب خارج المؤسسات التي يُفترض أنها تمثل الناس، ثم تُرسل إليهم كأمر واقع لا يملكون فيه رأياً ولا مشاركة.
والانكسارات التي نراها اليوم ليست وليدة هذا المرسوم وحده، بل نتيجة مسار طويل من غياب المشروع القومي الواضح، وتشتت القرار السياسي، والاعتماد المفرط على التحالفات الخارجية، وضعف المؤسسات المدنية التي كان يفترض أن تكون صمام الأمان. لقد تحوّل القرار الكوردي إلى ردّ فعل، لا إلى مبادرة. وإلى محاولة للبقاء، لا إلى مشروع للنهضة. وإلى سلسلة تنازلات تُقدَّم باسم “الواقعية”، بينما الواقع الحقيقي هو أن الشعب يُستبعد من كل ما يُتخذ باسمه.
وما يزيد الجرح عمقاً هو غياب الشفافية حول الاتفاقات المبرمة. مع من؟ على ماذا؟ ولماذا في الظل؟ الناس لا تعرف. والقيادات لا تشرح. والاتفاقات تُصاغ في غرف مغلقة، بينما الشعب الذي قدّم آلاف الشهداء يُترك خارج الباب. كيف يمكن أن تُعقد تفاهمات حول مستقبل أرضٍ وشعبٍ دون مشاركة أصحاب الأرض؟ كيف يمكن أن يُتخذ القرار بعيداً عن الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وبيوتهم وحياتهم؟ إن تغييب الشعب ليس خطأً سياسياً فحسب، بل جرح أخلاقي لا يندمل.
والأدهى من ذلك أن الدولة ما زالت تصرّ على أنها تمثل الشعب، بينما تتجاهل صوته، وتستبعد قواه، وتُقصي من يخالفها. التمثيل ليس شعاراً، ولا يُكتسب بالقوة، ولا يُفرض بالمرسوم. التمثيل يُنتزع من الناس، من ثقتهم، من مشاركتهم، من قدرتهم على محاسبة من يحكم باسمهم. وكلما اتسعت الفجوة بين القيادة والشعب، كلما فقدت الإدارة شرعيتها الحقيقية مهما رفعت من شعارات.
ولذلك، فإن توجيه النقد للقيادات الكوردية ليس تجنّياً، بل واجباً. فالقرارات المرتبكة، والتنازلات المتكررة، وغياب الشفافية، كلها عوامل ساهمت في إضعاف الموقف الكوردي. التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والمسؤولية لا يمكن الهروب منها. إن القائد الذي لا يسمع شعبه يفقد بوصلته، والقضية التي تُدار بغير أهلها تفقد روحها.
ومع كل ذلك، يبقى الحق الكوردي في تقرير المصير حقيقة لا يمكن لأي مرسوم أن يلغيها، ولا لأي اتفاق أن يطمسها، ولا لأي قوة أن تصادرها. هذا الحق ليس منّة من أحد، ولا هدية من قوة دولية، ولا نتيجة ظرف سياسي. إنه حق يولد مع كل كوردي، ويكبر مع كل تضحية، ويتجذر مع كل معركة دفاع عن الوجود. وما دام هذا الشعب قائماً، فإن حقه في تقرير مصيره سيبقى قائماً، مهما حاولت المراسيم أن تقيّده، ومهما حاولت الاتفاقات أن تلتف عليه.