روج آفا بين الحقيقة والتضليل
الكاتب: بيوراسب دارا
انسحاب القوات الكوردية من بعض النقاط في روج آفا جاء نتيجة اتفاقات مسبقة مع أطراف دولية وإقليمية وبالتنسيق مع الحكومة السورية، في إطار ترتيبات ميدانية تهدف إلى منع التصعيد وإعادة توزيع القوى. ورغم أن الانسحاب كان منظماً ومتفقاً عليه، قدّم الإعلام العربي المشهد على أنه انتصار عسكري للقوات السورية، في محاولة لصناعة رواية دعائية تخدم النظام وتغطي على ملفات أكثر حساسية.
في الوقت نفسه، كانت مناطق الجنوب السوري تُسلَّم لإسرائيل ضمن تفاهمات دولية واضحة، دون مقاومة أو صدام، ودون أن يُقدَّم ذلك للرأي العام كـ«هزيمة». جرى تصويره على أنه «اتفاق سياسي»، بينما صُوّر انسحاب الكورد المتفق عليه على أنه «تحرير». هذا التناقض يكشف ازدواجية المعايير التي تُمارس بحق الكورد، ويعكس رغبة الأنظمة العربية في تحويل الأنظار عن الجنوب عبر افتعال «انتصارات» في الشمال.
الشعب السوري، الذي يعيش تحت ضغط إعلامي مستمر، أصبح يرى الأمور بمنطق مشوّه: تحرير مدينة من ابن البلد يُعتبر انتصاراً، وتسليم أرض للغرباء يُعتبر اتفاقاً مشروعاً. هذا الوعي ليس خطأ الناس، بل نتيجة سنوات من الدعاية التي صاغت صورة الواقع بما يخدم السلطة لا الحقيقة.
القادة الكورد لم يشرحوا ما يجري بشكل علني لأسباب متعددة. التفاهمات الدولية حساسة، وكشف تفاصيلها قد يعرّض القوات على الأرض للخطر أو يفسد المفاوضات. أي تصريح كوردي يمكن أن يُستغل فوراً من الإعلام العربي والتركي لتشويه الصورة أو خلق انقسام داخلي. إضافة إلى ذلك، لا توجد منصة إعلامية كوردية قوية قادرة على مخاطبة العالم بلغته، كما أن الانقسام السياسي بين الأحزاب يجعل إصدار خطاب موحد أمراً صعباً.
الإعلام الكوردي يعاني من ضعف التمويل، وغياب المؤسسات الكبرى، وغياب استراتيجية إعلامية موحدة. في المقابل، الإعلام العربي والتركي يمتلك أدوات ضخمة وخطاباً موحداً وقدرة على التأثير في الرأي العام. وهكذا، رغم عدالة القضية الكوردية، يبقى الصوت الكوردي ضعيفاً في ساحة إعلامية تسيطر عليها القوى الإقليمية.
أما في باكور (شمالي كوردستان)، فالوضع أكثر تعقيداً. الدولة التركية تفرض قيوداً شديدة على أي نشاط سياسي كوردي، وتعتقل القيادات، وتسحب البلديات المنتخبة، وتتعامل مع أي تحرك جماهيري باعتباره تهديداً أمنياً. ومع ذلك، هناك حاجة ملحّة لأن تتحرك الأحزاب الكوردية في باكور نحو تفعيل العمل الجماهيري، وخلق ضغط سياسي داخلي، ودفع تركيا إلى التعامل مع القضية الكوردية كملف سياسي لا أمني. وجود تركيا في قلب المشكلة، لا على هامشها، قد يغيّر الكثير من المعادلات.
الوطنية الكوردية اليوم مسؤولية جماعية. حق تقرير المصير حق إنساني أصيل، يستند إلى تاريخ طويل وهوية واضحة وشعب موحد رغم التقسيم. إعلان دولة كوردستان ليس حلماً بعيداً، بل مشروع سياسي طبيعي لشعب قدّم تضحيات هائلة. روج آفا وباقي الأجزاء يمكن أن تشكّل نواة لهذا المشروع، إذا توفرت الإرادة السياسية، وتوحّد الخطاب، وامتلك الكورد أدوات إعلامية وسياسية تليق بقضيتهم.