خصائص الشخصية الكردية
كل شعب بقي محافظا على خصائصه التي تميزه عن غيره، كما كان للبيئة تأثير كبير في التميز الحاصل بين كل شعب وشعب.
والناظر للشعب الكوردي يرى أنه تاريخيا من الشعوب التي قطنت الجبال وتأثر بها في أغلب خصائصه الشخصية، ومن أبرز الخصائص التي تميزت بها هذه الشخصية الكردية عدة أمور أهمها:
أولا: الطبيعة الحماسية أو الانفعالية: كتب المستشرق الروسي باسيلي نيكيتين: “يّتصف الكوردي بطبعه الحادّ، وفَوَرانِه المفاجئ، ملتهِبًا بالحماس، وتلك صفةٌ ناتجة عن حياته المضطربة المَلأى بالمفاجآت، ولكنه في الوقت نفسه يتمتّـع بروح المَرَح والدُّعـابة إلى أقصى الحدود”.
وهذه الصفات اكتسبها الكوردي من الجبال إذ أن الجبل يفرض على المرء توقعا و استعدادا للمشاكل والمفاجآت التي تظهر في بيئة الجبل المليئة بالمخاطر والصعوبات والتي تفرض روحا من الدعابة والتحدي للظروف والمشاكل.
ثانيا: الاستقامة: وكتب باسيلي نيكيتين أيضا تحت عنوان (انطباعات عدد من المستشرقين عن الكرد: سون، بيندر، لوك، ويگرام، مينورسكي) ما يلي: “يمتاز الكردي باستقامته التي لا تتزعزع، وبحِفاظه على العهد الذي يقطعه، وعطفِه النبيل على أقاربه، وسلوكِه الإنساني بصورة- وبخاصة الكورد الجنـوب والوسط- تجاهَ المرأة، أكثر من المسلمين الآخرين، وإحساسِه الشاعري، وحبِّه للأدب والشعر، ومسارعتِه إلى التضحية من أجل عشيرته، واعتزازِه العميق ببلاده وقوميته” وما من شك في أن هذه الخصائص مستفادة من طبيعة العيش في الجبال والتي تعطي الإنسان هذه الميزات.
ثالثا: روح الفروسية والتوق الدائم للحرية: قالت مسز ستوارث إرسْكين: ” والكرد شعب شجاع، يحبّ الحرية ويَتوق إليها، ولهم تقاليدهم ولهم لغتهم، ولهم من الحق في الحرية مثلُ ما لغيرهم، ولكن كان ينقصهم الاتفاق فيما بينهم، والإنكليز الذين خدموا مع الكورد، وعملوا على تدريبهم في الحرب العامّة، كانوا يُجمعون على الإشادة ببطولتهم وجرأتهم وقوّتهم”.
رابعا: احترام المرأة: و هي من الخصائص التي تتميز بها الشخصية الكوردية حيث أن للمرأة مكانة مرموقة ومميزة و تعد من الأشخاص المساهمين في الأسرة وهي الأم التي تربي الأولاد على الأخلاق الحميدة والفروسية.
قال الباحث الروسي باسيلي نيكيتين: “إن النساء الكُورديات لا يعرفن الحِجاب على الإطلاق، ولا يُخفين وجوههن أبدا” والمقصود بالحجاب هو غطاء الوجه أو النقاب, وكانت المرأة الكوردية هي التي لا تتوانى في استقبال الضيوف وإكرامهم إن كان زوجها غائبا حتى يعود، وكانت تتمتع بروح عالية من العزة والشرف وهذا الذي أدى بها في كثير من الأحيان إلى أن تقتل نفسها حفاظا على شرفها وطهرها.
في سنة 1608م حاصرت القوّات الصَّفَوية قلعة دُمْدُم في شرقي كُوردستان، وبعد قتال شديد وصمود بطولي، نَفِد الطعام والشراب، وفتك الجوع والمرض بالمدافعين، فمات بعضهم وعجز الباقون عن حمل السلاح، فتمكّن الجنود الفرس من دخول القلعة، ورمت النساء الكُورديات أنفسهن من فوق أسوار القلعة، وفضّلن الموت على أن يقعن في أيدي القوّات الفارسية.
خامسا: روح القومية والاعتداد بالقبيلة: و هذه من السلبيات التي تلاحظ بقوة في الشخصية الكوردية وظهرت كثيرا في التحالفات المبرمة بين شيوخ القبائل وباقي القوى المهيمنة في منطقتهم.
إن الصراعات القبلية في كوردستان، قوية إلى درجة أنه في حال انضمام زعيم إحدى القبائل إلى الحركة القومية، فإن زعيم القبيلة المنافسة قد يقف على الحياد، أو قد يأخذ أموالا وأسلحة من الحكومة للقتال إلى جانب قواتها ولم تقتصر الصراعات على القبائل، بل شملت أيضا العشائر”.
وهذا ما يؤكده جوناثان راندل في كتابه المهم “أمة في شقاق” دروب كوردستان كما سلكتها 1997.
و هذه من السلبيات القوية في الشخصية والتي نرى أثرها جليا في التفرق والانقسام الذي يعيشه الكورد في كل مجتمعاتهم .
جاء في تقرير لجنة التحقيق الدولية التابعة لعُصبة الأمم حول رسم الحدود بين تركيا والعراق سنة 1924م: “الكورد قوم محاربون أشدّاء، لا يُخفِضون جَناح الذُّل لأحد، متفرّقو الكلمة، لا وحدةَ تجمعهم، ومع ذلك استطاعوا أن يتعايشوا بوئام وحُسن جوار مع الأقوام الأخرى التي تقطن بلادهم”.
خامسا: الغيرة والحساسية المفرطة لبني جلدتهم من الكورد حتى أصبح ذلك مفهوما سائدا عند الشعوب المجاورة، بغض النظر عن وجهة نظرنا في ذلك.
ذكر جلال الدين السُّيوطي ت 911 هـ في معرض حديثه عن خصال الشعوب أن “الله جعل الغَيْرةَ عشرةِ أجزاء، فتسعةٌ منها في الكورد، وواحدٌ في سائر الناس”.
سادسا: الحفاظ على الصفاء والطهر والعادات الأصيلة: وهذه من الميزات التي استقاها الكورد من طبيعة العيش في الجبال وهي التي دفعتهم إلى الصدق والوفاء وعدم الخيانة والغدر والغش مع الآخرين، وهذه الصفة التي دفعتهم إلى تحمل الكثير من الأعباء والمحن في تاريخهم الطويل.
قال الباحث المصري الدكتور فَهْمي الشِّنّاوي في كتابه “الكورد يتامى المسلمين “طوال تاريخهم لم يتلوّثوا بالتهاون ولا التحالف ولا التفاوض مع العدوّ، ولا اتُّهموا بإخفاء تمسّكهم بالإسلام، ولا رضوا لأنفسهم مغانمَ الحكم والقصور والسفارات، ولم يعرفوا المساكنةَ والمداهنة. إنهم يسمّون بلدهم بلاد الشجعان، هكذا يُطلق عليهم المؤلفون الغربيون، ولو أنصفنا لقلنا: كوردستان بلاد الشهداء، فهم على مدى التاريخ شهداء الإسلام” .
و في جميع الحروب والفتوحات التي كانوا فيها هم، كانوا عدة الجيوش وقوتها الضاربة الفاعلة في أرض المعارك.
سابعا: البعد عن روح المشاركة: وهذه من الخصائص التي فرضتها البيئة على الكورد ، فالبيئة الجبلية تفرض على القبيلة أو الشخص روح البعد والعزلة عن الآخرين، فعندما يسكن المرء ومن جوانبه الأربعة الجبال يشعر بروح الاستغناء والبعد عن باقي المجتمعات ولا تهمه الصراعات التي تدور بين شريحة وأخرى حول المنصب أو الكرسي، وعندما يحوز المرء في الجبل على صيده ويبذر بذره ليأكل منه ويعيش منه هو وأسرته يستغني بذلك عن كل ذوي السلطان والجاه وما يتطلب ذلك من حروب ومعارك.
لا ندعي من سرد هذه المعلومات أن الكورد لا يعانون من بعض الأمراض الخطيرة التي تفتك في جسمهم والتي إن لم يتنبه لها المعنيون والخبراء ستكون عواقبها وخيمة على الجميع.
وبالنظر والتدقيق إلى هذه الخصائص التي تتحلى بها الشخصية الكوردية يرى مدى توافقها وتناسبها مع مبادئ الإسلام العظيمة.
فالإسلام يحث على الصدق ونرى هذه الصفة واضحة في شخصية الكوردي الذي يقول الصدق ويعمل به حتى ولو كلفه ذلك الكثير من العناء والمشقة.
ونرى الشجاعة والإقدام في شخصية الكوردي احترام وتقدير المرأة وهذا يبدو جليا وواضحا في المجتمعات الكوردية التي لا تجعل من المرأة سلعة يتاجر بها كما يفعل غيرهم، ولا أن تدفن المرأة في البيت (مع أهمية دورها فيه) دون أن يكون لها أي دور ووجود في المجتمع.
و بما أن اللباس يدل على شخصية الإنسان نرى في المجتمعات الكوردية أن المرأة تتزيا بزي يظهرها بمظهر الحشمة والأدب, فنراها بثوبها الطويل الواسع أو ما يسمى (الفستان) وغطاء للرأس يستر فيها الشعر والرقبة ولا يظهر منها إلا الوجه بحدوده المعروفة، وتحظى المرأة باحترام زوجها ومجتمعها فلا شطط ولا غلو في استقبال ضيوف البيت والعمل أو ما شابه من أمور الحياة العادية.
ولكن الشخصية الكوردية كما غيرها في محيطها تعرضت لكثير من حملات التشويه والتحريض وكانت ضحية الكثير من الحروب في العصر الحديث التي لا يقل ضراوتها عن باقي الحروب المادية.
ولا يخفى دور هذه التحريضات في التأثير على الشخصية وتغييرها من منحاها الرئيسي إلى مناح مختلفة وغير حميدة.
فالناظر في الوضع العام عموما وخصوصا في الوضع السوري يرى ما تمارس من مؤامرات ودسائس لفك هذه اللحمة الطبيعية بين الأكراد والإسلام .
حيث أننا نرى نسبة التوافق الكبيرة بين الشخصية الكوردية ومبادئ الإسلام العظيمة من صدق ووفاء وعدم غدر وخيانة واحترام للمرأة وتقدير لدورها.
وعبر التاريخ الإسلامي نرى الكثير من الأمثلة الكوردية التي كانت لها بصماتها فيه، ومنها: العديد من العلماء كابن خلكان وسعيد النورسي وغيرهما الكثير، والعديد من القادة كصلاح الدين الأيوبي وعمه شيركو وفي العصر الحديث كيوسف العظمة وغيرهم الكثير الذي لا يسع المقال لذكرهم.
و ختاما أقول : يجب على المرء العاقل والواعي لما تؤول إليه الأمور العمل بجد ونشاط لكسب الكوردي إلى جنبه وفي صفه وعدم الانجرار وراء الفتن التي تهدف إلى فصل هذا الغصن عن شجرته الباسقة المثمرة، وإلى القضاء على القوة المحركة والضاربة المتمثلة بالشعب الكوردي السمح الوسطي المعتدل.