حين تتكرر الأخطاء، لا يبقى سوى الثورة طريقاً
.
.الكاتب بيوراسب دارا
يشير عدد كبير من المتابعين إلى أن المرسوم الأخير الصادر عن أحمد الشرع يحمل ملامح تشبه التجربة العراقية في سبعينيات القرن الماضي، حين وُقّعت اتفاقية الحكم الذاتي عام 1974–1975 بين الحكومة العراقية والقيادة الكوردية. تلك الاتفاقية رُوّج لها حينها كخطوة تاريخية، إلا أنها تحولت سريعاً إلى ورقة سياسية استخدمتها بغداد لشراء الوقت قبل أن تنقضها وتشن حملة عسكرية واسعة أنهت أي إمكانية للحكم الذاتي. هذا التشابه يثير مخاوف حقيقية من أن المرسوم الحالي قد يكون وثيقة قابلة للتعطيل في أي لحظة، خصوصاً في ظل غياب ضمانات دولية أو آليات تنفيذ واضحة، ما يجعل التجربة الكوردية مهددة بتكرار سيناريو سبق أن دفع الشعب الكوردي ثمنه غالياً.
تذهب تحليلات عديدة إلى أن الهدف غير المعلن للمرسوم هو منح الوقت الكافي لإعادة ترتيب بنية السلطة السورية، وتهيئة الظروف لحلّ قوات سوريا الديمقراطية أو دمجها قسرياً ضمن الجيش السوري. هذا الدمج يُنظر إليه كخطوة قد تنهي فعلياً أي مشروع وطني كوردي في روجافا، سواء على مستوى الإدارة الذاتية أو على مستوى حماية المكاسب التي تحققت خلال سنوات الحرب. فالقوة العسكرية كانت دائماً أحد أعمدة الوجود السياسي الكوردي في سوريا، وأي محاولة لتفكيكها أو سحب استقلاليتها تعني عملياً إضعاف المشروع السياسي برمّته.
يتساءل كثير من المثقفين الكورد عن سبب تكرار القيادات الكوردية للأخطاء ذاتها في كل مرحلة مفصلية. فالشعب الكوردي أثبت عبر تاريخه الحديث أنه شعب مقاوم، قادر على الصمود في أصعب الظروف، إلا أن القيادات غالباً ما تدخل في مفاوضات غير متوازنة أو تراهن على وعود غير مضمونة أو تنقسم فيما بينها بطريقة تضعف الموقف الكوردي العام. هذا التكرار يجعل أي اتفاق جديد يبدو وكأنه إعادة إنتاج لسيناريوهات سابقة انتهت دائماً بخسارة الكورد لجزء من حقوقهم أو أراضيهم أو قوتهم السياسية.
قدّم الكورد آلاف الشهداء في كوباني وشنكال وعفرين والحسكة والرقة. واجهوا تنظيمات إرهابية قاتلتهم بوحشية، وتعرضوا لهجمات من قوى إقليمية شاركت في تهجيرهم أو قصفهم أو احتلال مناطقهم. لذلك يطرح كثيرون سؤالاً مؤلماً: كيف يمكن للكورد أن يضعوا أيديهم اليوم في يد أطراف كانت جزءاً من تلك الهجمات بالأمس؟ وكيف يمكن عقد صفقات سلام مع جهات شاركت في قتل المدنيين الكورد أو تهجيرهم؟ هذا السؤال لا يهدف إلى رفض السلام، وإنما إلى التأكيد على أن السلام الحقيقي يحتاج إلى اعتراف بالجرائم وضمانات وعدالة انتقالية، وليس إلى اتفاقات شكلية تُفرض تحت الضغط.
التاريخ الكوردي مليء بالدروس التي لم تُستثمر كما يجب. اتفاقات نُقضت، ووعود لم تُنفّذ، وتحالفات انتهت بمجرد تغيّر الظروف الإقليمية. لذلك يتساءل كثيرون اليوم إن كانت القيادات الكوردية قد تعلّمت من تلك التجارب، أم أن المشهد يعيد إنتاج نفسه في مواجهة مستمرة مع القوى التي تعادي تطلعات الشعب الكوردي. غياب استراتيجية موحدة وغياب جبهة سياسية جامعة يجعل الكورد عرضة للتلاعب الإقليمي والدولي، ويجعل أي مكسب قابل للانهيار عند أول منعطف.
ورغم ما يجري في إيران من احتجاجات واسعة شارك فيها الكرد بقوة، ورغم القمع الذي تعرضوا له، إلا أن التضامن الكوردي من باقي أجزاء كردستان كان محدوداً. يتساءل كثيرون عن سبب غياب حركة تضامن حقيقية مع كورد روجهلات، ولماذا لا تُوجَّه الجماهير ولا تُبنى حملات إعلامية وسياسية لدعمهم. إن غياب هذا التضامن يضعف القضية الكردية ككل، ويجعل كل جزء من كوردستان يقاتل وحده بينما القوى الإقليمية تتحرك ككتلة واحدة.
ختاماً: نداء إلى الشعب الكزردي
في ظل هذا المشهد المعقد، يرى عدد كبير من المثقفين والناشطين أن الحل الحقيقي يبدأ من الشعب نفسه. آن الأوان لتشكيل جبهة أو حركة تحررية كوردية جديدة، موحدة، مستقلة، تعيد القضية الكردية إلى مسارها الصحيح، وتستعيد القرار من أيدي القوى التي أثبتت فشلها. جبهة تعتمد على وعي الشعب وتضحيات الشهداء ووحدة المصير بين أجزاء كوردستان، وتعيد الاعتبار للقضية الكوردية كقضية تحرر وكرامة وحقوق لا يمكن التنازل عنها.