تحوّلات إيران ودور الكورد الصاعد


الكاتب: بيوراسب دارا
يمثّل اختيار المرشد الجديد في إيران محطة حساسة تعيد ترتيب مراكز القوة داخل النظام. فالموقع الذي يشغله المرشد هو المحرك الأساسي للسياسة الخارجية والملفات الأمنية، وأي تغيير فيه يفتح الباب أمام إعادة ضبط داخلية قد تنعكس على علاقة إيران بجوارها والعالم. ومع الضغوط الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي وتزايد التوتر الإقليمي، سيجد المرشد الجديد نفسه أمام تحدي تثبيت شرعيته وإظهار قدرته على إدارة مرحلة معقدة تتطلب قرارات حاسمة في الداخل والخارج.

في ظل هذا المشهد الداخلي المتوتر، يبرز ملف مضيق هرمز كأحد أخطر أوراق الضغط التي قد تستخدمها طهران. فالمضيق الذي يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط العالمية ليس مجرد ممر مائي، بل شريان اقتصادي يربط الشرق بالغرب. وأي تهديد بإغلاقه سيقود إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ما يعني تضخمًا عالميًا يضرب الدول الفقيرة أولًا، ثم يمتد إلى الاقتصادات الكبرى. فارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع أسعار المواد الأساسية، لأن تكلفة النقل والإنتاج تعتمد على النفط بشكل مباشر. وهكذا قد يجد العالم نفسه أمام موجة فقر جديدة، أشد من تلك التي رافقت جائحة كورونا.

هذا السيناريو سيضع أوروبا أمام معادلة صعبة. فالقارة التي تعتمد على استقرار أسواق الطاقة وعلى حرية الملاحة لن تستطيع الوقوف متفرجة أمام تهديد بهذا الحجم. ورغم أن الأوروبيين يتجنبون الانخراط في صراعات الشرق الأوسط، إلا أن إغلاق هرمز سيجبرهم على التحرك دفاعًا عن مصالحهم الاقتصادية. وقد يشمل ذلك تشكيل قوة بحرية مشتركة لحماية الملاحة، أو ممارسة ضغوط دبلوماسية مكثفة، أو حتى تدخلًا عسكريًا محدودًا إذا وصل التهديد إلى مستوى يمس الأمن الأوروبي مباشرة. وهنا المفارقة: قد تجد أوروبا نفسها منخرطة في صراع لم تكن ترغب به، ليس استجابة لإلحاح أمريكي، بل نتيجة مباشرة لتهديد مصالحها الحيوية.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز الدور المحتمل للكرد داخل إيران، وخاصة حزب الحياة الحرة (PJAK). فالتوتر الداخلي، وتغيّر موازين القوى، وانشغال المركز بصراعات خارجية، كلها عوامل قد تفتح أمام الكرد نافذة تاريخية. ليس من المستبعد أن تتكرر تجربة مشابهة لما حدث في روج آفا، حيث أدى الفراغ الأمني والسياسي إلى نشوء إدارة محلية قوية. الظروف ليست متطابقة، لكن التشابه في البنية الجغرافية والاجتماعية والسياسية يجعل هذا الاحتمال قائمًا، خصوصًا إذا دخلت إيران مرحلة انتقالية طويلة أو صراعًا داخليًا متعدد الأطراف.

في المحصلة، تقف إيران والمنطقة أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم الخرائط السياسية والاقتصادية. اختيار المرشد الجديد، واحتمالات التصعيد في مضيق هرمز، وتداعيات ذلك على أوروبا، والدور الكردي المحتمل… كلها حلقات مترابطة في سلسلة واحدة. بعضها يحمل مخاطر كارثية، وبعضها قد يفتح فرصًا تاريخية لشعوب طال انتظارها.
” بيوراسب”