انتهت الوظيفة… ولم تنتهِ القضية
الكاتب: بيوراسب دارا
إعلان عبد الله أوجلان الانتقال إلى مرحلة “الاندماج الديمقراطي” كشف تحولاً عميقاً في مسار الخطاب السياسي، تحوّل يضع القضية الكردية أمام مفترق طرق حساس. الكلمات التي خرجت من إمرالي لم تكن توصيفاً لمرحلة جديدة، وإنما إعلاناً عن رؤية تتناقض مع جوهر النضال الذي حمله الشعب لعقود طويلة. هذا الإعلان يفتح الباب أمام قراءة دقيقة للأخطاء التي تتضمنها هذه الرؤية، أخطاء تمسّ الأساس الذي قامت عليه الحركة التحررية الكردية.
أوجلان قدّم المرحلة الأولى بوصفها مرحلة مكتملة، مرحلة انتهت بحلّ حزب العمال الكردستاني وإيقاف الكفاح المسلح. هذا الطرح يختزل تاريخاً طويلاً من المقاومة في إطار زمني محدود، ويحوّل تضحيات جيل كامل إلى خطوة تمهيدية لمرحلة اندماج سياسي داخل دولة لم تعترف يوماً بالوجود القومي للكرد. هذا الاختزال يضعف الذاكرة الجماعية ويحوّل النضال إلى ملف قابل للإغلاق الإداري، ويجعل من المقاومة مجرد مرحلة انتقالية لا مشروعاً تحررياً متجذراً.
الخطأ الأول يظهر في اعتبار حلّ الحزب خياراً استراتيجياً. الخيار الاستراتيجي يفترض وجود مكاسب ملموسة، وضمانات واضحة، وتحولات سياسية حقيقية. الواقع لم يشهد أي اعتراف بالهوية الكردية، ولم يشهد أي تقدم في الحقوق الثقافية، ولم يشهد أي ضمانات دستورية، ولم يشهد أي تحول في بنية الدولة المركزية. تقديم الحلّ كاستراتيجية في ظل غياب أي مكسب فعلي يضع القرار في خانة التراجع عن الأساسيات، ويحوّل الحركة من فاعل سياسي إلى طرف يقدّم التنازلات دون مقابل.
الخطأ الثاني يتجلى في مفهوم الاندماج نفسه. الاندماج يعني الذوبان داخل بنية سياسية لم تتغير، ويعني التخلي عن الاستقلالية التنظيمية، ويعني التخلي عن القوة الذاتية، ويعني التخلي عن المشروع القومي. الاندماج لا يحمل أي ضمانة للحقوق، ولا يقدم أي حماية للهوية، ولا يفتح أي باب نحو الاعتراف. الاندماج يتحول إلى عملية تفريغ للقضية من مضمونها، ويعيد الشعب إلى موقع التابع داخل دولة ما زالت ترى في الكرد مشكلة أمنية.
الخطأ الثالث يظهر في ترتيب الأولويات. الحديث عن آليات الاندماج قبل الحديث عن الحقوق يعكس انقلاباً في منطق التفاوض. الحقوق تأتي أولاً، والاعتراف يأتي أولاً، والضمانات تأتي أولاً. تقديم الاندماج كمرحلة ثانية بعد حلّ الحزب يضع الشعب أمام معادلة غير متوازنة، ويجعل التخلي عن القوة الذاتية شرطاً مسبقاً للدخول في نقاش سياسي غير مضمون النتائج.
الخطأ الرابع يكمن في تجاهل الإرادة الشعبية. أي مشروع سياسي لا يستند إلى نقاش علني، ولا يمر عبر مؤسسات تمثيلية، ولا يُعرض على الشعب، يتحول إلى مبادرة فردية مهما كانت نواياها. الشعب الكردي لم يمنح تفويضاً لأي جهة لتغيير مسار القضية بهذا الشكل، ولم يطالب بالاندماج، ولم يطالب بالتخلي عن القوة الذاتية، ولم يطالب بإغلاق ملف المقاومة. الشعب هو صاحب القرار، وأي مشروع لا يمر عبره يفقد شرعيته.
الخطأ الخامس يظهر في تجاهل التجارب السابقة. كل مسارات “السلام الداخلي” التي طُرحت خلال العقود الماضية انتهت إلى النتيجة نفسها: وعود مؤجلة، حقوق معلّقة، وعودة إلى نقطة الصفر. التاريخ القريب يثبت أن الدولة لم تقدّم أي خطوة حقيقية نحو الاعتراف، وأن كل مبادرات الاندماج انتهت إلى مزيد من التضييق. إعادة طرح الفكرة نفسها دون قراءة نقدية للتجارب السابقة يضع المشروع في خانة التكرار ويجعل نتائجه متوقعة.
الخطأ السادس يتجلى في تجاهل الواقع القومي. الشعب الكردي اليوم يمتلك قوة سياسية وعسكرية وإدارية في أجزاء واسعة من كردستان، ويعيش لحظة صعود قومي واضحة. الحديث عن الاندماج في لحظة تتشكل فيها هويات سياسية جديدة يعكس انفصالاً عن الواقع، ويضع المشروع في مواجهة الاتجاه التاريخي الذي يسير نحو تثبيت الهوية لا تذويبها.
الأسباب العميقة لحلّ الحزب: انتهاء الوظيفة الإقليمية
حلّ حزب العمال الكردستاني لم يكن خطوة تهدف إلى حلّ القضية الكردية، ولم يكن نتيجة مراجعة فكرية داخلية، ولم يكن استجابة لمتطلبات شعبية. الأسباب الحقيقية ترتبط بتغيّر الخريطة الإقليمية، وتحديداً بتراجع مشروع “الهلال الشيعي” الذي استُخدمت فيه قوى غير دولتية كأدوات نفوذ.
التحولات الإقليمية الأخيرة أدت إلى:
- انهيار دور حزب الله بعد الضربات المتتالية
- تراجع حركة حماس بعد فقدان الغطاء الإقليمي
- خروج النظام السوري من معادلة التأثير
- تضييق الخناق على إيران في ساحات نفوذها
هذه التحولات أنهت الحاجة إلى أذرع عسكرية تعمل خارج الدولة، وأغلقت الباب أمام استخدام التنظيمات المسلحة كأدوات في الصراع الإقليمي. انتهاء وظيفة هذه القوى جعل حلّ الحزب جزءاً من إعادة ترتيب المشهد، لا جزءاً من حلّ القضية الكردية. القرار جاء نتيجة انتهاء الدور، لا نتيجة تحقيق الحقوق. القرار جاء نتيجة تغيّر موازين القوى، لا نتيجة اعتراف سياسي. القرار جاء نتيجة تحولات إقليمية، لا نتيجة مكاسب قومية.
خاتمة
خطاب الاندماج يكشف رؤية جديدة، ويكشف أيضاً سلسلة أخطاء لا يمكن تجاهلها. الشعب الكردي ليس كتلة قابلة للذوبان، وليس مشروعاً يمكن إعادة صياغته داخل غرف مغلقة. الشعب الذي دفع أثماناً هائلة لن يقبل أن يتحول نضاله إلى مرحلة منتهية، ولن يقبل أن يُختزل مستقبله في مشروع اندماج لا يعترف بهويته ولا بحقوقه.
القضية مشروع شعب، والشعب وحده من يقرر الطريق.