المنطقة إلى أين ؟

الكاتب : فيصل يعقوب

منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض هو في حالة الصراع مع الطبيعة و ما يحيط به و مع نفسه و أقارانه من البشر ، الصراع هو المحرك الأساسي الذي يؤدي إلى التطور و التقدم الإنسان و المجتمعات البشرية و هو الذي يخلق الإنسان و الإنسان يخلقه ، الصراع علاقة جدلية مترابطة متبادلة . المجتمعات و الدول ( الوطنية ) التي تم تشكيلها في المنطقة من قبل الدول الإستعمارية آنذاك فرنسا و بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى بقيت متأخرة اجتماعيًا و اقتصاديًا و سياسيًا تحكمها أنظمة سياسية استبدادية و قمعية و رجعية متخلفة مرت و تمر و ستمر بأزمات و صراعات عديدة إلى أن تتحول إلى مجتمعات شبه مستقرة بمعنى أن تتحول الصراعات فيها إلى التنافس السلمي الحضاري على أساس قوانين و دساتير عادلة تضمن حقوق الجميع و تطبق على الجميع بدون التمييز ! قد يبدو هذا ( أمرًا شبه مستحيلا ) من منظار رؤية اليوم للواقع و الأحداث و الصراعات التي تحدث على الأرض .و لكن و لو اطلعنا على تاريخ الدول الديمقراطية في العالم و خصوصًا الدول الأوروبية لنجد أنها مرت بأزمات و صراعات عديدة و استمرت لمئات السنين إلى أن وصلت إلى ما هي عليها اليوم من الأنظمة الديمقراطية التي تعتبر شبه مستقرة تضمن حقوق شعوبها و رفاهيتها و انتقال السلطة سلميًا و بشكل سلمي إلى حد بعيد ،و هذا لا يعني أن هذه الشعوب وصلت إلى عدم الصراع و توقف التطور و التقدم بل الصراع و الأزمات موجودة وبأشكال مختلفة و هذه الشعوب تبحث في كيفية حلها بطرق تحقق لها مطالبها . لنعود إلى دول المنطقة منذ إندلاع ثورات الربيع العربي قبل حوالي عقد من الزمن . من حرق بوعزيزي نفسه في تونس و مرورًا ب ميدان التحرير في القاهرة إلى ساحة التحرير في بغداد حدثت تحولات سياسية و اجتماعية و اقتصادية و ( أزمات) في هذه الدول و لكن هل حققت هذه الثورات أهدافها ؟ النتائج تجيب و تقول لنا كلا ! من المعروف أن الثورات الاجتماعية لا تحقق أهدافها بشكل مباشر و هي تمر بمراحل عديدة متعلقة بعدة عوامل منها التطور الفكري ( الذهني ) لدى المجتمعات و أفرادها أي التحولات في شخصية الإنسان و سلوكه و هذا التحول يتطلب التحول و التطور في أفكار الإنسان في عاداته في قيمه في مبادئه و إلخ و هذ يستغرق وقتًا طويلًا يستمر لأجيال و أجيال. أي التغيير في نمط و أسلوب حياتها الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و إلخ . و الآن لمحة قصيرة عن صراعات الدول المحتلة لكردستان و نضال الأحزاب الكردية. في كل من سوريا و العراق بعد صراعات عديدة وصل حزب البعث إلى الحكم و حكم ما يقارب نصف قرن بحكم استبدادي قمعي دكتاتوري تسبب في أزمات و حروب في المنطقة و مازالت مستمرة برغم من تدخل التحالف الدولي بقيادة أمريكا في العراق و اسقاط حكم البعث فيه و في سوريا إندلعت الاحتجاجات في درعا و شملت كل مناطق و جعلت منها أشلاء و مازالت مستمرة و لم تنتهي في إيران منذ سقوط الشاه و تأسيس الجمهورية الإسلامية فهي في صراعات و أزمات مع محيطها و مع داخلها من أجل فرض ايديولوجيتها المبنية على الفكر الإسلامي الشيعي . تركيا أيضًا مرت بانقلابات و أزمات و عدم الاستقرار إلى أن جاء حزب العدالة و التنمية بقيادة اردوغان للحكم و حاول أن يمارس في البداية سياسة ( معتدلة) و تم دعمه من قبل الغرب لعل و عسى أن يتحول إلى نموذج إسلامي معتدل يطبق معايير النظام الديمقراطي الغربي و يحقق شروط عضوية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، و بدأ بسياسة صفر المشاكل مع الجيران و لكن فشل هذا الحزب في تحقيق ما كان ينتظره الاتحاد الأوروبي منه و لم يستطيع تحقيق شروط الانضمام إليه و بدأ يكشف عن نواياه الحقيقية و نهجه الإسلامي السني الأخواني الذي يحلم بأمجاد العثمانية و مازال مستمرًا و تحول سياسة صفر المشاكل إلى سياسة صفر الأصدقاء . الأحزاب الكردية ، منذ سقوط جمهورية مهاباد الكردية تم تشكيل عشرات الأحزاب الكردية و في كل أجزاء كردستان المحتلة و قامت بعض هذه الأحزاب بالكفاح المسلح ( برغم أنها لم تتحول إلى حركة تحررية وطنية كردستانية في كل جزء من كردستان ،و الكفاح المسلح مشروع فقط في حال تكون حركة تحررية وطنية تهدف فقط إلى تحقيق حق التقرير المصير و تحرير الأرض ) و لكن هذه الأحزاب الكردية لم تعرف القضية الكردية كقضية شعب أرضه محتلة أي لم تعتبر الدول المسيطرة على أرض كردستان ( تركيا و إيران و العراق و سوريا) دول الإحتلال و لم تناضل من أجل حق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه و سيادته على أرضه بل نسبت وطنيتها لوطنية هذه الدول و طالبت ببعض الإصلاحات و ببعض الحقوق البسيطة للشعب الكردي كتعلم ب اللغة الكردية و اللامركزية و الحكم الذاتي ، أي أنها أحزاب اصلاحية تابعة للدول المحتلة لكردستان و هي لم تختلف في بنيتها الفكرية و السياسية عن بنية أنظمة الدول المحتلة لكردستان لذلك فأن هذه الأحزاب هي في نفس الأزمة التي تعيشها الدول المحتلة لكردستان و منقسمة بينها و يتم استخدامها من قبل هذه الدول لتحقيق أهدافها و خاصةً من قبل تركيا و إيران ،و لهذا فأن الأزمة التي يعيشه الشعب الكردي كبيرة جدًا و معقدة و تحتاج إلى جهود كبيرة من قبل جميع أبناء و بنات هذا الشعب لأن يتحركوا للنهوض بأنفسهم لتجاوز هذه الأزمة التي تعصف بهم قبل فوات الأوان . و أخيرًا من يريد أن يتحرك بفاعلية و نشاط من أجل حقه و حق شعبه في تقرير مصيره بنفسه ليس بضرورة أن يكون عضوًا في حزب سياسي و هذا ما أثبتته ثورات الربيع العربي في عصر الإنترنت و مواقع التواصل الاجتماعي .أبدأ من نفسك و تفاعل مع أبناء شعبك لكي تصبح قوة فكرية و منها سيتم خلق الأدوات التي تخدم حريتك على أرضك ، الفكرة هي المحرك الأساسي و الادوات هي وسيلة.