العلاقة الكردية الآشورية – المملكة الهورية الميتانية نموذجاً

برادوست ميتاني

لازالت حتى الآن حقائق تاريخية مجهولة للشعوب عن التاريخ الحقيقي لوجودها والعلاقة فيما بينها ,بل كتبت بدلاً عنها مفاهيم مغلوطة ,معظمها مقصودة وأصبحت كحقيقة مسلمة بها حتى من قبل الشعوب نفسها وذلك لأن بعض الأنظمة المسيطرة على السلطة القوموية العنصرية عملت على تعزيز سطوتها على الشعوب الاخرى بإظهار اصالة لها وذلك بتزييف التاريخ وهذا ما حصل إزاء العلاقة بين الأمتين الكردية والاشورية بل السريانية على وجه الخصوص.

من يرجع بحيادية إلى التاريخ سيجد وحدة ثقافية بين الكرد والسريان إلى درجة كبيرة يصل به إلى قناعة إلى أن كليهما أريين وأنا من أنصار ذلك وعندما أحلل جذور اسمي سريان وكرد أصل إلى معنى واحد ألا وهو اسم خور أي الشمس.

يقول جرنوت فيلهمم في كتابه : الحوريون وتاريخهم وحضارتهم وذلك في العلاقة بين اللغة الخورية والآشورية و بالمقارنة بين الآثار والرقم الطينية المكتوبة باللغتين الهورية الميتانية والآشورية بأنهما لهجتان بلغة واحدة.

يشترك الكرد الخوريين الميتانيين مع اخوتهم الاشوريين في استخدامهم للعربات قي الحروب وفي الفروسية واللباس وتقديس مهترا وحب الحصان والاسد وكذلك تقديس الشمس أن الكثير من الكرد الإيزيديين والآشوريين السريان وكذلك التاريخيين يقولون أن أصلهما واحد. وحقاً نقول أنهما يحتفلون بعيد رأس السنة بطقوس وزمن مشابه معاً إلى حد بعيد كتلوين البيض في بداية نيسان وكذلك الصوم ثلاثة أيام وغيرها من الثقافة المشتركة بينهما.

من الناحية الدينية أنه كان للآشوريين إله هو آشور, رمزه شمس مجنحة وكذلك للكرد الزردشتيين إله هو آهورامزدا وهو أيضاً شمس مجنحة ومازال اسم الشمس لدى الكرد الصورانيين هو خور وأيضاً ثمة رجل ديني لدى الاخوة السريان المسيحيين لقب خوري إلى جانب رجل ديني لقبه شماس. كما أنه كان الخوريين إله اسمه آسور.

يقول الباحث الكردي وكيل مصطفاييف في كتابه تاريخ كردستان القفقاسية , أن العالم الالماني ايغون فان الكستيد يقول : كانت في البداية تسمى الدولة الكوتية الجودية بالآشورية . أيضاً هذا دليل وحدة الشعبين.

يتردد كثيراً في مصادر عديدة أن البابليين والشعوب الأخرى كانت تطلق على بلاد الآشوريين تسمية سوبارتو أو سوبر . علماً أن السوباريين هم الهوريين – الخوريين أجداد الكرد.

لنعود الآن إلى عنواننا ولنجد كيف كانت العلاقة التشاركية بين الشعبين الكردي الآشوري خلال المملكة الميتانية ”
كان الشعبان على مدار أكثر من قرنين يعيشان ضمن دولة واحدة عاصمتها واشوكاني وآشور الِآشورية إحدى ولاياتها وتنعم بالحكم الذاتي ,بالرغم من أن بعض المصادر تذكر العلاقات السلمية بينهما , من معاهدات ورسائل متبادلة وامور تشاركية إلا أن العديد من مصادر أخرى لغايات ليست نبيلة تضخم سلبيات العلاقة بينهما وخاصة الحروب التي حدثت بينهما كأي شعبين شقيقين :

بقيام الإمبراطورية الخورية الميتانية بسطوا سيطرتهم على المناطق الشرقية وتوجهوا باتجاه آشور الواقعة شرقي نهر دجلة حتى جبال زغروس ومنطقة ارابخا أي كركوك في الشمال وحتى أرمينيا ,بعد أن دخلوا في حرب ضروسة مع الامبراطورية الآشورية في النصف الثاني من الألف الثاني ق.م , بالرغم من قساوة الآشوريين ولكنهم تمكنوا من قهرهم ثم دخلوا العاصمة آشور وجعلوها تابعة لهم وتأكيداً على النصر أحضر الملك ساو شاتر كمية كبيرة من الذهب والفضة من بابل ووضعها في قصره كدليل مادي على النصر الذي حققه وبذلك أصبحت الدولة الآشورية تابعة للهوريين الميتانيين ولكن ليس بالسيطرة المركزية , إذ منحوهم حكم لا مركزي ذاتي.

يقول جورجرو: تتوفر براهين كافية لأن تحملنا على الاعتقاد بأن كافة ملوك آشور الذين حكموا بين أعوام 1500 – 1360 ق.م كانوا خاضعين بالفعل لنفوذ المملكة الميتانية , حيث يعلمنا شاوشتار بأنه غزا آشور عندما تجرأ أحد ملوكها على إعلان عصيانه ,ونقل منها باباً إلى عاصمته واشوكاني صنع من ذهب وفضة ..
تفيد المصادر أن في الفترة الواقعة بين 1450-1375 ق م كان الحكم الآشوري اسمياً في دولتهم ,لأنهم كانوا يحكمون فعلياً من قبل الملوك الميتايين, إذ أن آشور رابي وآشور نيراري الثالث وآشور بيلينشيشو آشور ريمينشيشو كانوا أتباعاً لملوك ميتاني..

يقول المؤرخ المصري محمد بيومي مهران في حديثه عن ذلك : كانت بلاد آشور من المناطق التي وقعت تحت نفوذ الميتانيين وسيطرتهم المباشرة , ومع ذلك ذكرت قائمة الملوك الآشوريين أسماء عدد من الملوك الذين حكموا في بلاد آشور في فترة السيطرة الميتانية ,وربما كانوا ملوكاً محليين تابعين للملوك الميتانيين المحتلين .

بدأت محاولات السلطويين في ولاية آشور التخلص من السيطرة الميتانية في عهد الملك آريبا آدد الاول 1390-1364 ق م الذي عاصر الملك الحثي شوبليو ليوما و الفرعون المصري أمنحوتب الرابع أخناتون , الذي استغل الصراع الميتاني الحثي واغتيال الملك الميتاني توشراتا, وقد أكمل ذلك ابنه وخليفته آشور اوباليت 1364 -1328 ق م وكذلك فعل مع الكاشيين ,عندما وحد البلاد وقواها منفصلاً عن الميتانيين .

يظهر في نقش للملك أدد نيراري الأول في مطلع 1300 ق م اسم ملك خاني جلبات الهوري وهو شاتوارا الاول وكذلك اسم مدينة واشوكاني بصيغة اشوكاني بعد أن دمرها عدة مرات على حد زعمه( علما أن دياكونوف ينفي ذلك ويقول أن ذلك فقط من باب إظهار شجاعته )بالإضافة إلى اسم مدينة تئيد القريبة من واشوكاني ,والتي اصبحت مركزاً لحليفهم الميتاني شوتارنا الثالث خصم ماتي وازا . ورداً على تهديدات الآشوريين المستمرة للملك الميتاني وازا شتا اضطر هذا إلى الاستنجاد بالحثيين الذين لانشغالهم مع المصريين لم يلبوا نجدته ,في معركة قادش 1275 ق م.

كما عبرآدد نيراري الاول وبصورة مبالغة جداً عن انتصاراته على الميتانيين في سرد ورد في نقش له عن بناء قصر له بمدينة تئيد عندما يقول : قبضت على آشتورا ملك خاني جلبت واحضرته إلى مدينة آشور واقسم بين يدي على أن يرسل لي الهدايا ثم تركته أن يذهب ,وكذلك هرب مني وازا شتا إلى الملك الحثي طالباً منه المساعدة ولكنه لم يلب له ,وقد انتصرت عليه بفضل الأسلحة الجبارة للإله آشور وبحماية الآلهة آن وأنليل وإيا وسين وشمش وآدد وعشتار ونركال, احتلت تئيد وأمسكو وكخت وشورو ونبلو وخرو وشدخو وآشوكانو حتى مقاطعة آريد ومقاطعة كشياري (طور عابدين الحالية ) وشود وحران ,واخرجت نساء وازا شتا وأبناءه وبناته وقواته من مدينة آريد واحضرتهم أسرى مقيدين إلى مدينة آشور واحرقت وخربت آريدو وقراها.

هكذا كان يتباهى الملك الآشوري بالقتل والحرق وبرعاية الآلهة ,علماً أن تقريره مشكوك به وخاصة أن المصادرالتاريخية تؤكد أن وازاشتا لم يقع في يده وظل محتفظاً بسيادته وأن معاهدة السلام الحثية المصرية جعلتهما يقفان في وجه الحملات الآشورية ,وأن شتوارا الثاني خليفة وازا شتا اثبت وجوده في وجه الملك الآشوري شلمانسر الاول 1263 -1234 ق م وذلك بفضل دعم الحثيين وقبائل أخلامو الآرامية له.

يروي لنا توكولتي نينورتا 1233-1197 ق م وهو أبن شلمانسر الاول وخليفته ,كيف أن أباه كان قد انتقم من السوباريين الهوريين الذين لم يدفعوا الجزية له , فقام بحملة على التحالف الهوري في بلاد آلز (آلش) وبلاد آمدنو وبلاد برلمزي وغيرها.

بانهيار الامبراطورية الهورية الميتاتنية في نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد في عهد امبراطورها الضعيف ماتي وازا على يد بني جلدتهم الهيتيين , جاءت الفرصة الملائمة لانفصال الولاية الآشورية عنها لتقيم فيما بعد امبراطورية ضخمة في المنطقة.

برادوست ميتاني