إكتشاف أصول الشعب الكوردي – حضارة حلف
- نور الدين حسين أبو حسين
☆ حضارة تل حلف
لمعرفة الأصول الكوردية؛ يحتاج المرء إلى التعمق في دراسة العصور القديمة و مناقشة مفاهيم متنوعة مثل الأنثروبولوجيا و اللغويات و علم الوراثة و المعتقدات الدينية و الإقتصاد و الديموغرافيا. أقرب دليل متوفر حتى الآن هو وجود روابط ثقافية موحدة و متميزة يتقاسمها سكان جبال كوردستان الكبرى تتعلق بفترة “حضارة تل حلف” التي بدأت منذ حوالي 8000 عام.سُميت بحضارة تل حلف نسبةً إلى إسم تل يقع غرب مدينة قامشلو في غرب كوردستان. تشتهر حضارة تل حلف بأسلوبها الفريد والمميز في صناعة الفخار لدرجة إمكانية تمييزها من بين كل المنتجات الفخارية و الزجاجية في باقي الحضارات لأنها تتميز بتصاميمها الدقيقة و الفريدة من نوعها والمطلية بشكل رائع.تعود هذه الحضارة إلى فترة ما بين 6000 إلى 5400 ق.م .حكم الحثيون ذلك الموقع في العصر البرونزي. و في العاشر ق.م حكمه الآراميون، و في 1899م كانت المنطقة جزءًا من الإمبراطورية العثمانية. ▪︎قصة اكتشاف الموقع:
سافر” ماكس فون أوبنهايم” و هو دبلوماسي ألماني من القاهرة عبر بلاد ما بين النهرين حيث عمل على إنشاء طريق لسكة حديد بغداد و في 19 نوفمبر، اكتشف تل حلف حيث أدلى القرويون المحليون بشهادتهم عن وجود تماثيل حجرية مدفونة تحت الرمال.وفقًا لعالم الآثار الشهير “Ernst Herzfeld” فقد حثَّ أوبنهايم “Oppenheim” في عام 1907 على التنقيب في تل حلف و وضعوا بعض الخطط الأولية لتحقيق هذا الهدف. في ذلك الوقت و في شهر آب 1910م، كتب “هرتزفيلد : Herzfeld” رسالة دعا فيها أوبنهايم لاستكشاف الموقع و قام بتعميمها على العديد من علماء الآثار البارزين مثل ” تيودور نولديك” و ” إغناز غولدزايهر” للتوقيع عليها. خطط أوبنهايم لحملة التنقيب مع فريقه المكون من خمسة علماء آثار في 5 آب 1911م و بمعدات ألمانية بما في ذلك قطار بخاري صغير و بلغت إجمالي التكاليف حوالي 750 ألف مارك و تم تغطيتها من ثروة والد أوبنهايم المصرفية.▪︎في الواقع يقول العديد من علماء الآثار بأن مقارنة تقنية و نوعية الفخار من حضارة تل حلف مع شبيهاتها في النوعية و الجودة في المناطق الأخرى من كوردستان ليس دليلًا كافيًا. لكن هذه المقارنة في غاية الأهمية بالنسبة إلى تصنيف ثقافات ما قبل التاريخ في الشرق الأوسط و مع ذلك فإن نفس نوعية الفخار المشترك بين عدة حضارات يمكن أن تنطوي على ثقافة مشتركة لكنها ليس بالضرورة أن تدل على العرق الواحد. فعلى سبيل المثال؛ تشترك شعوب “قشقاي” التركية و “لوريك ماماساني” و عرب جنوب إيران في تصاميم متشابهة و مشتركة في تقنية إنتاج السجاد و مع ذلك؛ فإن هذه الشعوب لا تشترك بأي مقومات عرقية أو لغوية لذلك يجب أن تكون هذه الحقيقة بمثابة تحذير واضح لأولئك الذين يعتمدون على الأساليب الفنية و الفنون التشكيلية المشتركة كمؤشر على العرق المشترك لذا يجب أن تؤخذ إعتبارات أخرى متممة لتلك الفنون.▪︎ظهرت الآن أدلة قوية تشير إلى أوجه تشابه مذهلة في نوعية الطعام والتقنيات القديمة و الأعمال الهندسية المعمارية و ممارسة الطقوس الدينية و أدوات الزينة كالحلي و غيرها كمقومات علمية موضوعية في تحديد الأصل المشترك. يقول عالم الآثار “جوليان ريد” و هو الآن أمين قسم الآثار الغربية و الآسيوية بالمتحف البريطاني:”في حين أننا لا نعرف سوى القليل عن كيفية تفكير سكان قرية تل حلف ناهيك عن اللغات التي استخدموها في التفكير والتواصل الإجتماعي و ما هي مستويات التعبير عن الرموز لفظيًا يبدو من المحتمل أن لديهم هياكل إجتماعية مماثلة تشترك في العديد من نفس القيم الروحية و حتى أولئك الذين لم يهاجروا بإنتظام قد التقوا من وقت لآخر في مراكز دينية أو إدارية.”.[1] .بمساعدة هذه المعايير الأثرية حدد “ج. ريد” و كذلك “م. رواف: عالم الآثار و المدير السابق للمدرسة البريطانية للآثار في العراق و الآن في جامعة كاليفورنيا، بيركلي” حدود ثقافة تل حلف و هي تتطابق تمامًا مع المنطقة التي لا يزال الكورد يعتبرونها موطنًا لهم: من “كرمانشاه” إلى “أديامان”، و من “عفرين” بالقرب من البحر الأبيض المتوسط إلى المناطق الشمالية من بحيرة “وان”.تنتشر قطع الفخار المتطابقة تمامًا مع فخار تل حلف في جميع أماكن تواجد الشعب الكوردي تقريبًا بإستثناء منطقتي الموصل و تكريت في الأراضي المنخفضة من بلاد ما بين النهرين. [2].”جيمس ميلارت” الذي قام بأعمال التنقيب في “Çatal Hüyü” عثر على العديد من تصاميم الزخارف الموجودة على فخار تل حلف والتي لاتزال تستخدم تلك الزخارف على المنسوجات و التصاميم الزخرفية للكورد المعاصرين الذين يسكنون الآن في المناطق القريبة من تل حلف[3].يُعّرف فخار تل حلف في الأوساط الأثرية بزخارفه الأكثر جمالًا و حيوية و ألوانًا بديعةً مقارنةً مع أي فخار قديم آخر و في أي مكان.▪︎من المستبعد جدًا أن يكون شعب حلف هم مهاجرون وفقًا للعديد من الدراسات الديموغرافية. كانت جبال زاغروس موقعًا للفائض السكاني منذ 12000 و إلى 5000 عام مضى و لا بد أن الفائض السكاني أدى إلى موجات من الهجرات البشرية و لفترات تاريخية متعاقبة[4].كان هذا الضغط السكاني في جبال زاغروس و طوروس سببه إكتشاف الزراعة و تدجين الحيوانات وحياة الإستقرار وبالتالي كثافة سكانية عالية الأمر الذي حدا بمجموعات سكانية إلى القيام بهجرة داخلية واسعة النطاق بحثًا عن الدفء و الأراضي الزراعية الجديدة. يُعتقد أن إنتشار ثقافة حلف بسرعة كبيرة عبر هذه المسافات الكبيرة وعبر جبال كوردستان الوعرة كان نتيجة لتطور نمط حياة جديد و نشاط إقتصادي يستلزم التنقل أي الرعي (حياة البداوة). تم تطوير جميع التقنيات المطلوبة مسبقًا و تم تدجين الحيوانات الضرورية و خاصةً الكلاب من قبل المزارعين المستقرين. تماثيل الكلاب المكتشفة في حلف و تل جارمو في وسط كوردستان هو أول دليل قاطع على تطور أفضل صديق للإنسان “الكلب” و بشكل خاص للراعي الذي استخدمه في حماية قطعان الماشية [5].أصبحت مهنة الرعي منذ ذلك الحين منتشرة في مجتمعات زاغروس و طوروس. ============================
الحواشي:[1] Julian:Reade Mesopotamia (Cambridge: Harvard University Press 1991) 17.[2] Michael Roof, Cultural Atlas Of Mesopotamia and the Ancient Near East (New York, Equinox- Oxford, 1990), 49.[3] James Mellaart, the Neolithic of the Near East (New York, Scribner, 1975.[4] E.g,T.Cuyler Young T.(The Iranian Migration Into the Zagros,). Iran 1967.[5] Charles Reed (A review of the Archeological Evidence on Animal Domestication in the Prehistoric Near East, In R.Braidwood and B. Howe, eds Prehistoric Investigation In Iraqi Kurdistan (Chicago: University of Chicago, 1960) , 128.- Professor: Mehrdad R.Izady.









