أخوّة الشعوب تتفكك… والكرد يستعيدون بوصلتهم الوطنية


.
الكاتب: بيوراسب دارا
فكرة “أخوّة الشعوب” قُدّمت كطريق بديل للنضال الوطني الكردي، لكنها تحوّلت إلى مشروع نظري منفصل عن الواقع، لا ينسجم مع طبيعة الصراع في المنطقة ولا مع تطلعات الشعب الكردي. عبد الله أوجلان استند في صياغة هذا المشروع إلى أفكار موري بوكشين، أحد أبرز منظّري اللاسلطوية، وإلى تراث فكري تبنّاه مفكرون مثل كروبوتكين وباكونين وإما غولدمان وتشومسكي. ورغم انتشار هذه الأسماء في الأدبيات السياسية، فإن التجربة العالمية أثبتت أن اللاسلطوية لم تنجح في بناء دولة، ولم تحرر أرضاً، ولم تصمد أمام تعقيدات السلطة والحدود والهوية، وظلت تنظيراً نخبوياً لا يصلح كأساس لحركة تحرر قومي.

حزب العمال الكردستاني، الذي كان يُفترض أن يكون طليعة النضال الكردي، انحرف عن مساره الوطني وتحول إلى حزب يساري تركي يبحث عن موقع داخل تركيا، متخلياً عن الهدف القومي ومبتعداً عن جوهر القضية. هذا التحول كشف غياب المشروع الوطني الحقيقي داخل الحزب، وابتعاده عن مطلب الشعب في التحرر وبناء كيان سياسي مستقل.

النظريات التي نقلها أوجلان من بوكشين، مثل الرئاسة المشتركة والإدارة اللامركزية، بقيت شعارات للاستهلاك الإعلامي ولم تُطبّق بجدية، ولم تغيّر الواقع، ولم تنتج نموذجاً ناجحاً. حتى الشعارات المتعلقة بالمساواة والقيادة المشتركة لم تُؤخذ بجدية داخل البنية التنظيمية، وظلت مجرد عناوين تُستخدم لتجميل الصورة أمام الغرب.

الشعب الكردي اليوم بحاجة إلى ثورة حقيقية تستند إلى الأرض والهوية والتاريخ، لا إلى نظريات مستوردة. المطلوب تشكيل جبهة وطنية كردية تضم جميع الأحزاب والقوى دون إقصاء، وتوحّد الهدف نحو التحرير وبناء كيان سياسي مستقل. الاعتماد على الغرب أثبت أنه وهم، فالغرب لا يمنح الأوطان ولا يتحرك إلا وفق مصالحه، ولن يحصل الكرد على شيء ما لم يكونوا أصحاب القوة على الأرض.

تجربة روج آفا كشفت خطورة تطبيق نظريات غير واقعية على مجتمع يعيش صراعاً وجودياً. النتيجة كانت انقساماً داخلياً وتراجعاً في الحاضنة الشعبية وتضييقاً على القوى الوطنية. ومع ذلك، أثبت الشعب الكردي في العالم أنه لا يترك أهله، وخرجت مظاهرات تضامن واسعة في أوروبا وأميركا دعماً لروج آفا، لأن الكرد يقفون مع بعضهم مهما كانت الظروف.

المرحلة القادمة تتطلب الإسراع في تشكيل جبهة وطنية كردية حقيقية والاستعداد لمواجهة الإرهاب، فالقوى المعادية ستتجه إلى صراع داخلي فيما بينها، وستحاول جرّ الكرد إلى معارك لا تخصهم. الجبهة الوطنية الموحّدة وحدها القادرة على حماية الشعب وصون الأرض وتحقيق حلم الحرية والكرامة.