أسباب إنهيار الإمبراطورية الساسانية

د. مهدي كاكەيي

من أهم أسباب إنهيار الإمبراطورية الساسانية هي ما يلي: 1. الحرب الساسانية – البيزنطية: إستمرت الحرب بين الساسانيين والبيزنطيين (الرومان) لمدة (15) خمسة عشر سنة، فأضعفت القوة العسكرية الساسانية وأنهكت الاقتصاد الساساني. هذا الضعف العسكري والتدهور الاقتصادي فتح المجال أمام غزوات المسلمين العرب والتي إنتهت بإختفاء الإمبراطورية الساسانية. مع ذلك قاوم الساسانيون الغزاة العرب المسلمين مقاومة عنيفة في البداية وإنتصروا إنتصاراً ساحقاً على العرب المسلمين في معركة الجسر في سنة (634) ميلادية، حينذاك قام الخليفة عمر بن الخطاب بإختيار (سعد بن ابي وقاص) لقيادة جيش المسلمين الذين إستفادوا من الخبرات العسكرية الساسانية ومن ضعفهم، فإستطاعوا هزيمة الجيش الساساني الذي كان تحت قيادة (رستم فروخ زاد) في معركة القادسية في سنة (637) ميلادية وبذلك إنهارت الإمبراطورية الساسانية.خلال الحرب الساسانية – البيزنطية، أرسل الملِك البيزنطي (هرقل) رسالةً إلى الإمبراطور الساساني (كَيْخَسْرَو الثاني) يطلب منه إيقاف الحرب مع تعهده بِدفع جزية سنوية كبيرة للإمبراطورية الساسانية واعتراف الدولة البيزنطية بِعائدية مصر وفلسطين وسوريا والأناضول للإمبراطورية الساسانية، لكن (كَيْخَسْرَو الثاني) رفض عرض الإمبراطور البيزنطي وطالبه فوراً بِتسليم مدينة القسطنطينية وإبداء فروض الطاعة والولاء له وأنْ يسجد عند قدميه، مما أغضب الحاكم البيزنطي وقرر أن يستمر في حربه ضد الساسانيين. لو وافق الإمبراطور (كَيْخَسْرَو الثاني) على إقتراح الإمبراطور البيزنطي، لكانت الإمبراطورية الساسانية تبقى قوية ولم يكن العرب المسلمون يتجرؤون التحرش بالساسانيين وإذا كانوا يتحرشون بهم، كان بمقدور الساسانيين الإستيلاء على الجزيرة العربية وجعلها منطقة تابعة للإمبراطورية الساسانية، إلا أنّ الإمبراطور الساساني (كَيْخَسْرَو الثاني) لم يفعل ذلك، حيث أنّ الكورد معروفون بالعِناد والرأس اليابس وجهل التكتيك والدبلوماسية. 2. الحرب الأهلية الساسانية: بعد اغتيال الملِك (كيخسرو الثاني)، سادت الإمبراطورية الساسانية الفوضى والحرب الأهلية التي إستمرت لمدة (14) أربعة عشر سنة وخلال هذه الفترة، إعتلى (12) اثنا عشر ملِكًا عرش الإمبراطورية الساسانية بشكل متتالي، وكانت من ضمن هؤلاء الملوك إبنتا الملِك (كيخسرو الثاني). هذه الحرب الأهلية والفوضى التي عمّت في الإمبراطورية الساسانية، أضعفتْ هذه الإمبراطورية بشكلٍ كبير، حيث انتقلت سلطة الحكومة المركزية إلى أيدي جنرالات الجيش. إستمرت هذه الحالة الفوضوية والانقلابات العسكرية الى أن ظهر ملِك قوي وهو (يزدكورد الثالث) الذي كان حفيد الملِك (كَيخسرو الثاني)، الذي اعتلى العرش في ربيع سنة 632، الا أنه لم يتوفر الوقت الكافي للساسانيين للتعافي من تلك الانقلابات والاضطرابات لإستعادة قوة الإمبراطورية واستقرارها، حيث أنه في نفس هذه السنة، قامت أولى أسراب عربية إسلامية بِغاراتها على الأراضي الساسانية. لو لم تضعف الحكومة المركزية الساسانية في وقت الغزوات العربية الإسلامية وقامت بإستدعاء طبقة فُرسان (أزاتان) الساسانية، لَكان من المحتمل أن تستطيع هذه القوات أن تهزم الغزاة العرب المسلمين. من الجدير بالذكر أن الكلمة الپهلوية (أزاتان Azatan) تعني (شجعان) والتي هي نفسها في اللغة الكوردية (ئازایان Azayan)، حيث أنّ اللاحقة (ان an) هي لاحقة الجمع في كلتا اللغتَين.3. الأزمة الاقتصادية: بالإضافة الى تكاليف الحرب الباهضة التي كان الساسانيون يتحملونها في حربهم الطويلة مع البيزنطيين، فأنّه بعد احتلال العرب المسلمون للعاصمة الساسانية (ماديان “المدائن” “تيسفون”) وإضطرار الساسانيين أن يهربوا منها، ترك الساسانيون وراءهم معظم الخزينة الضخمة للإمبراطورية الساسانية وبذلك أفلست، فإستولى العرب عليها، فإكتسبوا موردًا ماليًا ضخماً، الذي إستغلوه لصالحهم، حيث احتوت الخزينة على أموال طائلة، مكّنتهم من بناء قوة عسكرية ضخمة و تمويل حملاتهم نحو روما و ما تبقى من الإمبراطورية الساسانية، بينما أصبحت الحكومة الساسانية تعاني من ضائقة مالية. كما أنه بسبب التكاليف الباهظة للحروب التي قام بها الساسانيون، أرهقوا الشعب بِفرض ضرائب كبيرة عليه والذي قاد الى تذمر الناس وتدهور ظروفهم المعيشية وهذا أيضاً ساهم جزئياً في سقوط الإمبراطورية الساسانية. 4. الحرب الإعلامية البيزنطية: لعبت الحرب الإعلامية البيزنطية دوراً بارزاً في إضعاف الامبراطورية الساسانية، حيث قام وكلاء البيزنطيين في زمن الامبراطور (هرقل) بتسريب رسائل مُضللة للجنرال الساساني (شهر باراز)، مُدّعين فيها أنّ الملِك (كيخسرو الثاني) كان يُخطط لإعدامه وذلك لزرع الشك والفتنة بين الملِك الساساني وقادة جيشه، فخاف الجنرال (شهر باراز) على حياته ولذلك لم يشترك هو وجيشه في الحرب ضد البيزنطيين أثناء هجوم البيزنطيين في أشد الفترات الحرجة التي كانت تمر بها الإمبراطورية الساسانية، وبذلك حُرّمت الإمبراطورية الساسانية من خدمات أحد أكبر جيوشها وأحد أفضل جنرالاتها.5. صغر عُمر الملِك (يزدكورد الثالث): عندما أصبح (يزدكورد الثالث) ملِكاً للإمبراطورية الساسانية، كان عمره (16) ستة عشر سنة فقط، حيث كان يفتقر الى الخبرة السياسية والإدارية وبذلك وقع تحت رحمة مُستشاريه، فأصبح غير قادر على توحيد بلاده الشاسعة التي إنقسمت إلى ممالك إقطاعية صغيرة.6. الوفاة المفاجئ للقائدَين العسكريَين (شاهين) و(ساهبود) العظيمَين: كان هذان القائدان يقودان الجيش الساساني الذي كان تحت سيطرته (القوقاز والاناضول). وفاتهما المفاجئ تسبّب في إصابة الملِك (كَيْخَسْرَوْ الثاني) بالكآبة، وبذلك انتصر الملِك البيزنطي (هرقل) على الجيش الساساني في معركة نينوى. لقد تمّ اغتيال الملِك الساساني (كيخسرو الثاني)، وعندما وصل نبأ إغتياله الى (هرقل)، غزا الجيش البيزنطي بلاد ما بين النهرين و(تخت سليمان) وقصر (ده ستو كورد) في مناطق كوردستان، واحتلها.7. الصراعات الدينية: نشبت صراعات دينية بين الزردشتيين واليارسانيين والمسيحيين وغيرهم من الطوائف الدينية. هذا الصراع ساهم أيضاً في إضعاف الإمبراطورية الساسانية. 8. إقتصار المقاومة الساسانية الفعّالة على الكورد: كانت مقاومة الغزو العربي الإسلامي ضعيفاً مِنْ قِبل الفُرس، بينما المُدن الكوردية قاومتْ وقاتلتْ ببسالة ضدّ العرب المسلمين في مُدن مثل أصفهان والري وهمدان وجلولاء وغيرها من المدن الكوردية. بعد الاحتلال العربي الإسلامي، إستمر الكورد في ثوراتهم وانتفاضاتهم التي تمّ قمعها من قِبل المحتلين.هكذا خلال (5) خمس سنوات، إكتمل السقوط المفاجئ للإمبراطورية الساسانية. قسم من سُكان هذه الإمبراطورية الكوردية دخلوا الإسلام للتخلص من القيود المختلفة التي كانت مفروضة على غير المسلمين، مثل دفع الجزية، وقسم آخر تمّ إجبارهم على اعتناق الإسلام من قِبل الجيوش الغازية. قسم ثالث من الناس رفضوا إعتناق الدين الإسلامي واحتفظوا بأديانهم ودفعوا الجزية وتعرضوا للقتل والإرهاب. الرافضون لاعتناق الدين الاسلامي هم اليارسانيون والايزديون والزردشتيون والهلاويون والشبك الذين نراهم اليوم. قام الغزاة العرب المسلمون بِتدمير الأكاديمية الساسانية (گوندیشاپور Gundishapur) وحرق مكتبتها الضخمة، وحرقوا أكوامًا كبيرة من الكُتب. كما تمّ تدمير معظم السجلات والأعمال الأدبية الساسانية. عدد قليل من الكُتب الساسانية التي نجت من الحرق، تمّت ترجمتها لاحقًا إلى اللغة العربية وأيضاً إلى اللغة الفارسية الحديثة. خلال الغزو الإسلامي، تمّ تدمير العديد من المدن الساسانية أو هجرها، ودُمّرت القصور والجسور وأُحرقت الكثير من الحدائق الجميلة للإمبراطورية الساسانية. يقول الشاعر الإيراني (فردوسي) عن سقوط الإمبراطورية الساسانية ما يلي: کجا آن بزرگان ساسانیان؟زبهرامیان تا بسامانیان؟المعنىإلى أين ذهب الساسانيون العظماء؟ما الذي حدث للبهراميين والسامانيين؟ ** البهراميون والسامانيون هم نبلاء الساسانيين الذين هربوا الى وسط آسيا بعد الاحتلال العربي الإسلامي لبلادهم، فإستقروا هناك وساهموا كثيراً في ازدهار اللغة والثقافة الساسانية ونشروها في تلك المناطق. كما أنهم أسسوا سلالة السامانيين، تلك السلالة التي أرادتْ إنْعاش التقاليد الساسانية التي قيّدها المسلمون بعد غزو الإمبراطورية الساسانية. رغم سقوط الإمبراطورية الساسانية التي أسسها الكورد، ظلت الحضارة الساسانية ونظامها قائمتَين لِقرون عديدة بعد سقوطها، حيث أنّ خلفاء وحُكام العرب قلّدوا الملوك الساسانيين في أساليب حُكمهم وعيشهم وبَذخهم. كما إستمرّت الدواوين باللغة الپهلوية الكوردية إلى أن قام الأمويون بتعريبها. العُملة العربية الأولى كذلك إستمرتْ بِطبع صور الملوك الساسانيين وشاراتهم الملِكية والدينية. كما تأثر الدين الإسلامي كثيراً بالدين الزردشتي، حيث أنه أخذ منه الكثير من مبادئه. تأثر الأدب العربي أيضاً بالأدب الساساني تأثراً كبيراً، بالإضافة الى تأثّر العرب بِفنون العِمارة وطرق وفنون الحرب الساسانية.