قسم التاريخ

أخبار الميتانأخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةثقافة وفنقسم التاريخمقالات

كتابٌ صدر عام 1947 يوثّق الأسماء الأصلية لقرى وبلدات في غرب كوردستان

يكشف كتاب صدر عام 1947 عن جانبٍ تاريخي يتجاوز توثيق المواقف السياسية من مشروع “سوريا الكبرى”، ليحفظ أيضاً الأسماء الأصلية لعدد من القرى والبلدات في منطقة ديريك المعرّبة إلى (المالكية) وغرب كوردستان، قبل أن تتغير أسماء كثير منها في العقود اللاحقة.  ويحمل الكتاب عنوان “كلمة السوريين والعرب في مشروع سوريا الكبرى”، وقد أصدرته (نخبة من الشباب العرب المثقفين) في طبعته الأولى عام 1947، بهدف توثيق مواقف النواب والوجهاء ورؤساء العشائر والمخاتير في مناطق سورية مختلفة من المشروع الذي دعا إليه الملك عبد الله بن الحسين، عاهل المملكة الأردنية الهاشمية، عام 1946، والقاضي بإقامة دولة تضم الأردن وسوريا ولبنان. وقد قوبل المشروع برفض واسع داخل سوريا، وانتهى المجلس النيابي السوري إلى رفضه في أيلول/سبتمبر 1947. ويلفت عنوان الكتاب، “كلمة السوريين والعرب”، الانتباه إلى الفصل بين مصطلحي “السوريين” و”العرب”، وهو ما يمكن قراءته بوصفه تمييزاً بين الانتماء الوطني والانتماء القومي، في سياق يعكس التعدّد القومي الذي كان يميز المجتمع السوري منذ تأسيس الدولة السورية. ويضم الكتاب عشرات البرقيات التي بعث بها نواب المحافظات ورؤساء العشائر والوجهاء والمخاتير إلى رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي، معلنين رفضهم لمشروع “سوريا الكبرى” وتمسكهم باستقلال سوريا ونظامها الجمهوري. ومن بين تلك الوثائق، برقية صادرة عن اجتماع نواب المحافظات ورؤساء العشائر في مدينة تدمر بتاريخ 8 أيلول/سبتمبر 1947، جاء فيها: “نحن نواب ورؤساء عشائر الجمهورية السورية المجتمعون الآن في تدمر نعلن احتجاجنا الصاخب على ما ورد في البيان الصادر بتاريخ 17 رمضان 1366 هجرية عن جلالة الملك عبد الله بن الحسين بشأن مشروع سوريا الكبرى، ونعدّه طعنة نجلاء في صميم القضية السورية.” وتبرز منطقة ديريك بصورة خاصة في وثائق الكتاب، إذ تضم عدداً من البرقيات التي تحمل أسماء القرى والبلدات الكردية كما كانت متداولة في ذلك الوقت. فقد أرسلت عشيرة الميران، برئاسة نايف المصطفى باشا، برقية أعلنت فيها احتجاجها على بيان الملك عبد الله، مؤكدة استعدادها للدفاع عن الجمهورية السورية. كما بعث سكان دير بك برقية وقّعها مختار طائفة المسلمين في قضاء ديريك، قدري عبد الغني، أعلنوا فيها رفضهم المشروع وتمسكهم بالنظام الجمهوري. وتظهر الوثائق كذلك أسماء عدد من القرى بصيغها الأصلية، ومنها كاني كرك (Kanî Kerk) وسويديك (Siwêdîk) وبورز (Borz)، كما حملت برقية أخرى اسم قرية كري كرا (Girê Kera)، التي وردت أيضاً باسم “كريكرة” في الوثيقة.  وتتضمن البرقيات أيضاً أسماء قرى كنكلو (Kengelo) وموزلان (Mozelan) وكيرك دهام ميرو (Girika Mîro)، في رسالة بعث بها شيوخ عشيرة هسنان، أكدوا فيها رفض مشروع “سوريا الكبرى” ودعمهم للجمهورية السورية ورئيسها شكري القوتلي. ويشير الكتاب كذلك إلى أن مخاتير القرى ذات الغالبية السريانية في المنطقة استخدموا في مراسلاتهم الأسماء الكردية المتداولة لقراهم، ومن بينها كاني كرك وكري كرا، وهو ما يمنح هذه الوثائق أهمية إضافية بوصفها مصدراً لتوثيق أسماء الأماكن كما كانت مستخدمة في أربعينيات القرن الماضي.  وفي حديث لشبكة رووداو الإعلامية، قال تمر عبد الغني، الذي تحتفظ عائلته بنسخة من الكتاب، إن هذه الوثيقة تمثل جزءاً من أرشيف العائلة، موضحاً أن مختار ديريك آنذاك، وهو من عائلة عبد الغني، أرسل إحدى البرقيات باسم ديريك (Dêrik)، وهو الاسم الذي ظل مستخدماً رسمياً حتى عام 1957، قبل أن يُغيَّر إلى المالكية. وأضاف أن الوثائق تُظهر أيضاً أسماء عدد من القرى قبل تغييرها، مشيراً إلى أن قرية كركي حيول (Girkê Hêwil) أصبحت تُعرف لاحقاً باسم الكوفة، وأن قرية كربالات (Girbalat) غُيّر اسمها إلى تل الهوى، فيما تحوّل اسم كري رش (Girê Reş) إلى تل أسود. ويرى عبد الغني أن أهمية الكتاب لا تقتصر على توثيق الرفض السوري لمشروع “سوريا الكبرى”، بل تمتد إلى كونه سجلاً تاريخياً يحفظ أسماء القرى والبلدات كما كانت متداولة قبل موجات تغيير الأسماء التي شهدتها المنطقة في العقود التالية. وتكتسب هذه الوثائق أهميةً إضافية في ظل المطالب التي ترفعها أحزاب ومنظمات وشخصيات كردية بإزالة آثار سياسات التعريب التي طالت مناطق واسعة في غرب كوردستان على مدى عقود، بما في ذلك إعادة الأسماء الأصلية للقرى والبلدات والمدن والمواقع الجغرافية التي جرى تغيير أسمائها بقرارات رسمية. المصدر: روداو

Read More
أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةقسم التاريخمقالات

رحلة الإنسان الأولى في وجه العصر الجليدي من زاغروس الى امانوس

الكاتب: حسين قاسم (بيوراسب)منطقة ميزوبوتاميا لم تكن مجرد مهدٍ للحضارات المعروفة لاحقًا، بل كانت مسرحًا لأقدم التجمعات البشرية التي خرجت

Read More
أخبار الميتانأخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةقسم التاريخمقالات

وثيقة محمد كرد علي (1931) بين الهجرة الحديثة والوجود التاريخي للكورد في روج أفايه كوردستان ( الجزيرة السورية)

الكاتب : حسين قاسم(بيوراسب).تُستخدم رسالة وزير المعارف السوري محمد كرد علي عام 1931 كدليلٍ عند البعض للقول إن الكورد “دخلاء”

Read More
الرئيسيةقسم التاريخمقالات

صدور كتاب باللغة العربية حول الإبادة الجماعية للكورد الإيزديين

من المقرر أن يصدر اليوم السبت (13 حزيران 2026) في مدينة دهوك، كتاب باللغة العربية يتناول الإبادة الجماعية للكورد الإيزديين وأوضاع الناجين. يشير مؤلف الكتاب إلى أنه ركز على الإجراءات الواجب اتخاذها لضمان عدم تكرار جرائم الإبادة الجماعية مرة أخرى. يحمل الكتاب عنوان (الإبادة الجماعية للإيزديين.. دراسة في الذاكرة والعدالة)، وهو من تأليف الكاتب (حسو هورمي)، وسيتم تقديمه للقراء اليوم السبت خلال مراسم خاصة تقام في مدينة دهوك. وفي تصريح لشبكة رووداو الإعلامية، قال حسو هورمي: “يتناول الكتاب ظروف ظهور تنظيم داعش، وأسباب نشوئه، وتأثيراته”. يتألف الكتاب من 212 صفحة، وكتب مقدمته الباحث العراقي سعد سلوم، وقد طُبع في مدينة دهوك. وأضاف هورمي: “يستعرض الكتاب الجرائم التي ارتكبت بحق الكورد الإيزديين؛ كما يناقش ما إذا كانت هذه الجرائم ترتقي لمستوى الإبادة الجماعية أم لا، بالإضافة إلى تحليل مستويات الدعم والمساندة الدولية للإيزيديين وإلى أين وصلت”. وأشار مؤلف الكتاب إلى أنه تطرق في جانب من مؤلفه إلى قضية حساسة وهي “مصير الأطفال المولودين من آباء ينتمون لتنظيم داعش، حيث تمت دراسة أوضاعهم والبحث في مآلاتهم”. بحسب حسو هورمي، فإن فحوى الكتاب يوضح ما يجب فعله لضمان عدم تكرار الإبادة الجماعية في كوردستان ضد أي مكون من المكونات مرة أخرى. ستقام مراسم التعريف بالكتاب اليوم في تمام الساعة 18:00 في مكتبة بوتاني بمدينة دهوك. ووفقاً لإحصائيات مكتب إنقاذ المختطفين، فإنه خلال هجوم مسلحي داعش على سنجار وضواحيها في 3 آب 2014، تم اختطاف 6417 كوردياً إيزدياً، فيما تعرض الآلاف للقتل الجماعي ولا يزال الكثيرون في عداد المفقودين. وتشير الإحصائيات إلى أنه حتى نهاية أيار من العام الحالي، تم إنقاذ 3595 مختطفاً إيزدياً من قبضة داعش، بينما لايزال مصير نحو 2500 شخص مجهولاً. روداو

Read More
الرئيسيةقسم التاريخمقالات

نجران وعام الفيل.. التقاء الرواية القرآنية بالمصادر السريانية والنقوش اليمنية

الكاتب: فرست مرعي تُعدُّ حادثة نجران وحادثة عام الفيل من أبرز الأحداث التي تربط بين التاريخ الديني والتاريخ السياسي لجنوب الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي، كما تمثلان نموذجاً مهماً للتقاطع بين الرواية القرآنية والمصادر غير الإسلامية والنقوش الأثرية الحديثة. وقد شهدت العقود الأخيرة تطوراً ملحوظاً في دراسة هذه المرحلة بفضل اكتشاف عدد من النقوش اليمنية الجديدة وإعادة قراءة المصادر السريانية والبيزنطية والأرمنية، الأمر الذي أتاح فهماً أعمق للسياق التاريخي الذي سبق ظهور الإسلام. تبدأ القصة بحادثة نجران الشهيرة التي وقعت نحو سنة 523م في عهد الملك الحميري “يوسف أسأر يثأر”، المعروف في المصادر العربية باسم ذو نواس. وتجمع المصادر السريانية، ولا سيما (كتاب الحِمْيَريينBook of the Himyarites،) وتذكر خاتمة المخطوطة الوحيدة الباقية من (كتاب الحِمْيَريين) أن الناسخ استفانوس Stephanos أتم نسخها يوم 10 نيسان 932م في كنيسة القديس توما بمدينة قرياتين السورية، وهو ما يوفر دليلاً مهماً على تداول هذا النص في الأوساط السريانية المشرقية خلال القرن العاشر الميلادي. ولا يدل ذلك على تاريخ تأليف الكتاب نفسه، بل على تاريخ النسخة التي وصلت إلينا، إذ يرجح الباحثون أن أصل الكتاب أقدم بكثير ويعود إلى مرحلة قريبة من أحداث نجران والحكم الحميري في القرن السادس الميلادي.أما (رسالة سمعان بيت أرشام  (The Letter of Simeon of Beth Arsham) ليست كتاباً مستقلاً بالمعنى التقليدي، بل هي رسالة تاريخية سريانية كتبها الأسقف السرياني سمعان بيت أرشام في النصف الأول من القرن السادس الميلادي، وتُعد من أقدم وأهم المصادر غير الإسلامية عن حادثة نجران وملك حمير اليهودي يوسف أسأر يثأر (ذو نواس). وكان سمعان أسقفاً سريانياً من مدينة بيت أرشام الواقعة في بيث عربايى بين سنجار ونصيبين في كوردستان، وعاش في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس الميلادي. اشتهر بنشاطه الديني والدبلوماسي، وكان على اتصال بالدوائر الكنسية والسياسية في الإمبراطورية الساسانية والبيزنطية. وتوفي غالباً نحو سنة 548م. وقد اكتسب (كتاب الحِمْيَريين)  شهرة علمية كبيرة بعد أن قام المستشرق السويدي “أكسل موبرغ” ( (1892–1975) بنشر نصه السرياني وترجمته ودراسته سنة 1924م تحت عنوان “كتاب الحِمْيَريين: أجزاء من مصنَّف سرياني غير معروف سابقاً” The Book of the Himyarites: Fragments of a Hitherto Unknown Syriac Work، وما زالت هذه الطبعة المرجع الأساسي للباحثين حتى اليوم. وتؤكد المخطوطتان السريانيتان على ان الملك الحميري اليهودي (يوسف أسأر يثأر (هو آخر الملوك الأقوياء لمملكة حمير المستقلة في اليمن، ويُعرف في المصادر العربية والإسلامية باسم ذو نواس. حكم في أوائل القرن السادس الميلادي، ويُعد من أبرز الشخصيات في تاريخ جنوب الجزيرة العربية قبل الإسلام بسبب صراعه مع الأحباش وموقفه من المسيحيين في نجران. وتكشف النقوش الحميرية المعاصرة أن اسمه الحقيقي كان يوسف أسأر يثأر، بينما لا يرد لقب “ذو نواس” في النقوش نفسها، بل ظهر في المصادر العربية اللاحقة. ويرى عدد من الباحثين أن لقب “ذو نواس” مرتبط بضفيرتين من الشعر (النواص) كانتا من سمات الملوك الحميريين بحسب بعض الروايات. يُجمع الباحثون على أن “يوسف أسأر يثأر” كان يدين باليهودية أو على الأقل اعتنق شكلاً من أشكال التوحيد اليهودي الذي أصبح دين الدولة الحميرية في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس الميلادي. وتظهر النقوش الحميرية في عهده عبارات توحيدية تشير إلى الإله الواحد «رحمنن» (الرحمن)، مع غياب الرموز الوثنية التقليدية. وتولى الحكم بعد فترة من الاضطرابات السياسية والتدخل الحبشي في اليمن. وكانت مملكة أكسوم الحبشية قد بسطت نفوذها على أجزاء من اليمن بدعم بيزنطي، الأمر الذي أثار مقاومة حميرية قادها يوسف أسأر يثأر، الذي نجح في طرد القوات الحبشية واستعادة استقلال المملكة لفترة قصيرة. أشهر الأحداث المرتبطة به هي حملة نجران سنة 523م تقريباً. وتذكر المصادر السريانية والبيزنطية أن الملك الحميري هاجم مدينة نجران (مدينة تاريخية تقع في جنوب المملكة العربية السعودية بالقرب من الحدود مع اليمن، وتُعد من أقدم مراكز الاستقرار الحضاري في الجزيرة العربية بسبب وفرة المياه والزراعة وموقعها على طرق التجارة القديمة، ومن أبرز المواقع الأثرية فيها الأخدود، حيث عُثر على نقوش وآثار تعود إلى عصور ما قبل الإسلام وإلى الحقبة الحميرية. كما تضم المدينة بقايا قلاع ومبانٍ تاريخية تعكس دورها التجاري والحضاري عبر القرون). التي كانت مركزاً مهماً للمسيحية في جنوب الجزيرة العربية، وقُتل عدد كبير من المسيحيين فيها. وقد أصبحت هذه الحادثة معروفة في الأدب المسيحي باسم استشهاد شهداء نجران. ويرى كثير من الباحثين أن هذه الحادثة تمثل الخلفية التاريخية الأقرب للآيات الواردة في سورة البروج: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. أثارت أحداث نجران رد فعل قوياً من الإمبراطورية البيزنطية ومملكة أكسوم المسيحية في الحبشة. فقاد الملك الحبشي كالب الأكسومي حملة عسكرية كبيرة ضد اليمن سنة 525م تقريباً. وتمكنت القوات الحبشية من إسقاط الدولة الحميرية وإزاحة يوسف أسأر يثأر عن الحكم. لا يُعرف مصير الملك الحميري او تاريخ وفاته بدقة، لكن معظم الدراسات الحديثة ترجح أنه توفي أو قُتل سنة 525م أثناء الغزو الحبشي لليمن، وتورد المصادر عدة روايات عن نهايته. والرواية الأشهر تقول إنه فضّل الانتحار على الأسر، فألقى بنفسه على صهوة جواده في البحر الأحمر بعد هزيمته. وهناك روايات أخرى تشير إلى مقتله في المعارك ضد القوات الحبشية. ولا توجد نقوش حميرية معاصرة تصف نهايته بشكل مباشر، لذلك تبقى تفاصيل وفاته غير مؤكدة تاريخياً. ولهذا يذكر المؤرخون عادة تاريخ وفاته. وعلى أية حال “يوسف أسأر يثأر (ذو نواس)” حكم سنة (517–525م)، وتوفي أو قُتل سنة 525م تقريباً. شن حملة ضد المسيحيين في نجران انتهت بمقتل عدد كبير منهم وإحراق بعضهم في أخاديد أُضرمت فيها النيران. وقد انتشرت أخبار هذه الحادثة سريعاً في العالم المسيحي الشرقي ووصلت إلى البلاط البيزنطي والحبشي، وأصبحت رمزاً للشهادة الدينية في الأدب السرياني. ويرى عدد من الباحثين أن هذه الحادثة تمثل الخلفية التاريخية الأقرب للآيات القرآنية الواردة في سورة البروج: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾، إذ تتوافق أوصاف الأخدود والحرق الجماعي مع ما ورد في المصادر السريانية المبكرة، رغم أن القرآن الكريم لا يذكر نجران أو ذا نواس بالاسم، بل يعرض الحدث في إطار أخلاقي وعقائدي عام يركز على اضطهاد المؤمنين وثباتهم على عقيدتهم. بعد هذه الحادثة مباشرة تقريباً، تدخلت مملكة أكسوم المسيحية بقيادة الملك كالب في حوالي 525م، حيث قاد حملة عسكرية أنهت حكم ذو نواس في اليمن وأعادت تثبيت النفوذ الحبشي في جنوب الجزيرة العربية. ويُعد هذا التدخل نقطة تحول رئيسية في تاريخ المنطقة، إذ انتقل الحكم في اليمن إلى مرحلة النفوذ الحبشي المباشر أو شبه المباشر، ما فتح المجال لظهور قادة محليين تابعين أو مستقلين نسبياً عن أكسوم في فترات لاحقة. وفي منتصف القرن السادس الميلادي يظهر أبرهة الحبشي بوصفه أبرز شخصية سياسية في اليمن، وقد وثقته النقوش اليمنية المكتوبة بالخط المسندي، مثل نقش مأرب الكبير (CIH 541)، ونقوش زبيد، ونقوش سد مأرب المتأخرة. وتبين هذه النقوش أن أبرهة بدأ كقائد عسكري ثم أصبح حاكماً فعلياً لليمن، حيث عزز سلطته الداخلية، وقاد حملات عسكرية داخلية وخارجية، وعمل على دعم البنية الدينية المسيحية في المنطقة، ضمن سياق الصراع بين النفوذ الأكسومي والكيانات المحلية في الجزيرة العربية. وتمتد فترة حكمه تقريباً بين 540م و570م أو بعدها بقليل حتى عام575م، مع اختلاف في تحديد سنة وفاته بين الباحثين. وتؤكد النقوش اليمنية المعاصرة لأبرهة، مثل نقش مريغان الشهير (Ry 506) وغيره من النقوش الملكية، أن أبرهة قاد بالفعل حملات عسكرية واسعة نحو شمال الجزيرة العربية لإخضاع القبائل المتمردة وتأمين طرق التجارة والنفوذ السياسي. وتصف هذه النقوش تحركات عسكرية وصلت إلى مناطق بعيدة عن اليمن، وهو ما يدل على أن النشاط العسكري الحبشي لم يكن مقتصراً على جنوب الجزيرة العربية. وقد كشفت هذه النقوش لأول مرة عن تفاصيل مباشرة من عهد أبرهة نفسه، بعيداً عن الروايات اللاحقة التي وصلت إلينا عبر المصادر الإسلامية. وفي السنوات الأخيرة ازداد الاهتمام العلمي بموضوع الفيلة في جيش أبرهة بعد اكتشاف ودراسة نقش ناعط في شمال صنعاء (Nāʿiṭ)، الذي قام بدراسته الباحث اليمني طاهرعاطف البارقي Zahir Atif al-Bāriqī بالتعاون مع الباحث الفرنسي كريستيان جوليان روبان Christian Julien Robin. وقد نشر الباحثان سنة 2025م دراستهما في مجلة Semitica et Classica (المجلة الدولية للدراسات الشرقية والمتوسطية) تحت عنوان Fragment of a Ḥimyarite inscription commissioned by King Abraha, with the hypothetical mention of elephants، “قطعة من نقشٍ حِمْيَري أمر الملك أبرهة بكتابته، مع افتراض وجود إشارة إلى الفيلة فيه”. وقد تناولت الدراسة قطعةً كتابيةً حِمْيَرية عُثر عليها في ناعط شمال صنعاء، وتكتسب أهميتها من كونها تذكر الملك أبرهة صراحةً، كما اقترح الباحثان أن الكلمة السبئية (ʾlfl) الواردة في النص قد تكون إشارةً إلى «الفيل»، وهو ما جعل النقش يحظى باهتمام خاص في النقاش الأكاديمي المتعلق بخلفية رواية عام الفيل وإمكانية وجود شواهد معاصرة لعهد أبرهة تشير إلى استخدام الفيلة في جنوب الجزيرة العربية. غير أن الباحثين قدّما هذا التفسير بوصفه احتمالًا لغويًا يحتاج إلى مزيد من الدراسة. ورغم أن القراءة ما زالت موضع نقاش أكاديمي، فإن أهميتها تكمن في أنها تمثل أول محاولة للعثور على شاهد نقشـي معاصر قد يرتبط بالتقليد التاريخي الذي حفظته الروايات الإسلامية عن استخدام الفيلة في الحملات الحبشية. ومع أن النص لا يذكر مكة أو الكعبة صراحة، فإن مجرد ظهور مصطلح يرتبط بالفيلة في سياق ملكي يعود إلى عهد أبرهة يمنح قصة الفيل أساساً تاريخياً أكثر صلابة مما كان متاحاً سابقاً. ومن المهم التأكيد على أن النقوش اليمنية المكتشفة حتى الآن لم تقدم دليلاً مباشراً على حملة ضد مكة نفسها، لكنها أكدت أموراً كانت موضع جدل طويل بين الباحثين، منها الوجود التاريخي لأبرهة، واتساع نشاطه العسكري شمالاً، ووجود حملات حبشية خارج اليمن. ولهذا يرى كريستيان روبن أن الاكتشافات الجديدة لا تثبت الرواية الإسلامية بحذافيرها، لكنها تجعل من الصعب التشكيك في الخلفية التاريخية العامة التي نشأت فيها قصة عام الفيل. وفي هذا السياق تبدو العلاقة بين سورتي البروج والفيل ذات دلالة تاريخية لافتة. فسورة البروج تشير إلى حادثة اضطهاد ديني ارتبطت تاريخياً بنجران وذي نواس سنة525م، وهي الحادثة التي أدت إلى التدخل الحبشي في اليمن. أما سورة الفيل فتشير إلى حدث لاحق ارتبط بأبرهة الذي كان أحد أبرز نتائج ذلك التدخل الحبشي. وبذلك يمكن النظر إلى السورتين باعتبارهما تمثلان حلقتين متعاقبتين من سلسلة تاريخية واحدة: اضطهاد نجران– ثم التدخل الحبشي– ثم صعود أبرهة — ثم الحملة التي ارتبطت في الذاكرة الإسلامية بعام الفيل.

Read More