عفرين في صـدارة المـواقع المنـهوبة..التـ.ـراث الكوردي يــواجه أخـطر مـوجة تدمـير منذ سنوات
تواجه المواقع الأثرية في روج افاية كوردستان تحديات متصاعدة تهدد ما تبقى من إرثها الحضاري، في ظل استمرار أعمال النهب والتخريب التي طالت عشرات المواقع التاريخية خلال السنوات الأخيرة. وبينما تشكل هذه المواقع شاهداً على تعاقب الحضارات التي ازدهرت على ارض كوردستان، تكشف الدراسات الحديثة عن حجم الخسائر التي لحقت بها، وسط تحذيرات من أن جزءاً كبيراً من هذا التراث قد يضيع بصورة نهائية إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لحمايته.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة علمية نشرتها مجلة “هيرتيج” الأمريكية عن تعرض 116 موقعاً أثرياً من أصل 199 موقعاً شملها التقييم في مختلف أنحاء سوريا لأعمال نهب وتخريب، بما يعادل 59 بالمئة من إجمالي المواقع التي خضعت للدراسة. واعتمد الباحثون في نتائجهم على تحليل صور الأقمار الصناعية التي أظهرت تغيرات واسعة في العديد من المواقع الأثرية، ما وفر توثيقاً دقيقاً لحجم الأضرار التي لحقت بها.
وبحسب الدراسة، تصدرت منطقة عفرين قائمة المناطق الأكثر تضرراً، حيث تعرضت مواقع أثرية بارزة لأعمال تدمير ونهب ممنهجة. وشملت الانتهاكات الحفر غير الشرعي بحثاً عن اللقى الأثرية، وتجريف الأراضي باستخدام الآليات الثقيلة، إضافة إلى تحويل بعض المواقع إلى مناطق عسكرية أو إقامة مبانٍ ومخيمات فوقها، الأمر الذي تسبب بأضرار مباشرة للبنية الأثرية التي تعود إلى آلاف السنين.
ومن بين أبرز المواقع التي تعرضت لأضرار جسيمة، موقع “عين دارة” الأثري، الذي يعد من أهم المعابد التاريخية في روح افا كوردستان، إلى جانب موقع “النبي هوري” المعروف بتاريخيه الإغريقي والروماني. وتؤكد صور الأقمار الصناعية حدوث تغييرات كبيرة في هذين الموقعين نتيجة أعمال الحفر والتجريف، الأمر الذي انعكس سلباً على قيمتهما الأثرية والعلمية.
ويرى مختصون في علم الآثار أن عمليات النهب لم تعد تقتصر على الحفر اليدوي كما كان يحدث في السابق، بل تطورت لتشمل استخدام معدات ثقيلة قادرة على إزالة طبقات أثرية كاملة خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يؤدي إلى فقدان معلومات تاريخية لا يمكن تعويضها، حتى وإن جرى لاحقاً استعادة بعض القطع المنهوبة.
وأكد باحثون مشاركون في الدراسة أن حجم الانتهاكات الحالية يتجاوز ما تم تسجيله خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2016، وهي السنوات التي شهدت تصاعداً كبيراً في استهداف المواقع الأثرية بفعل النزاع. ويعكس هذا المؤشر استمرار المخاطر التي تهدد التراث السوري رغم تراجع حدة المعارك في عدد من المناطق، إذ لا تزال أعمال النهب والتخريب مستمرة بوسائل مختلفة.
ويحذر خبراء التراث من أن خسارة المواقع الأثرية لا تعني فقدان الأبنية أو القطع التاريخية فقط، بل تمتد لتشمل ضياع جزء من الهوية الثقافية والذاكرة الجماعية للشعوب التي عاشت على هذه الأرض عبر آلاف السنين. كما أن تدمير المواقع الأثرية يحرم الأجيال القادمة من فرصة دراسة الحضارات القديمة وفهم تطورها، ويؤثر مستقبلاً على قطاع السياحة الثقافية الذي يمكن أن يشكل مورداً اقتصادياً مهماً لسوريا.
ودعت الدراسة إلى تعزيز استخدام تقنيات المراقبة الحديثة، وفي مقدمتها صور الأقمار الصناعية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لرصد أي تغييرات قد تطرأ على المواقع الأثرية بصورة مستمرة، بما يسهم في توثيق الانتهاكات وتحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر. كما أوصى الباحثون بتوسيع التعاون بين المؤسسات المحلية والمنظمات الدولية المختصة بالتراث، من أجل تطوير آليات أكثر فاعلية لحماية المواقع الأثرية واستعادة القطع المنهوبة وملاحقة شبكات الاتجار غير المشروع بالآثار.
وفي ظل استمرار هذه التحديات، يرى مختصون أن حماية التراث السوري تتطلب جهداً دولياً مشتركاً يتجاوز حدود التوثيق، ليشمل إجراءات عملية للحفاظ على المواقع الأثرية ومنع تكرار الاعتداءات عليها، باعتبارها إرثاً إنسانياً لا يخص السوريين وحدهم، بل يمثل جزءاً من تاريخ الحضارة الإنسانية بأكملها.

1. تدمير ونهب المواقع الأثرية في عفرين وروج آفا ليس اعتداءً على الحجارة فحسب، بل على تاريخ وهوية المنطقة وإرثها الحضاري. حماية هذا التراث مسؤولية الجميع.”
2. الآثار ليست ملكًا لجيل أو طرف، بل هي إرث إنساني. كل من ينهب أو يدمر موقعًا أثريًا يسرق جزءًا من تاريخ الأجيال القادمة.”
3. ما تتعرض له المواقع الأثرية في عفرين جريمة بحق التاريخ والثقافة، ويجب محاسبة المسؤولين عنها والعمل على حماية ما تبقى من هذا الإرث.”
4. لا يمكن بناء مستقبل يحترم التاريخ بينما يُسمح بتدمير آثاره ونهبها. حماية التراث واجب أخلاقي وإنساني.