فارس القانون والكرامة.. محيي الدين لالا وسيرة نضال لا تُنسى
رحل عن دنيانا فجر الخميس، السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، في العاصمة السويدية ستوكهولم، قامة حقوقية وسياسية وطنية شامخة، المحامي والناشط القدير محيي الدين لالا، بعد وعكة صحية ألمّت به، لينتهي بوفاته فصلٌ زاخرٌ بالنضال الصلب والدفاع المستميت عن قضايا العدالة والكرامة في سوريا.
لم يكن الراحل الكبير مجرد محامٍ يمارس مهنة القانون بين أروقة المحاكم، وإنما كان يرى في المحاماة رسالة أخلاقية وواسطة عقد في مواجهة الاستبداد والظلم. برز صوته مدوياً منذ البدايات الأولى للثورة السورية، مواكباً للحراك الشعبي في مدينة اللاذقية، حيث سخّر جهده وفكره ليكون درعاً حامياً للمعتقلين والمظلومين، وصوتاً لا يتردد في المطالبة بالحقوق والحريات العامة.
ولأن انشغاله بقضايا وطنه كان شاملاً، تجاوز نطاق الدفاع الحقوقي اليومي ليرتقي إلى العمل السياسي والمدني المؤسسي؛ فكان من القادة البارزين الذين ساهموا في إرساء دعائم “المسار الديمقراطي السوري” في بروكسل، وشغل موقعاً فاعلاً في أمانته العامة، متقدماً بمبادرات ورؤى سياسية رصينة تهدف إلى بناء مشروع وطني جامع يتسامى فوق المحاصصات والإقصاء.
حمل المحامي محيي الدين لالا رؤية عميقة لسوريا المستقبل؛ سوريا الديمقراطية والتعددية واللامركزية، المرتكزة على الشراكة الحقيقية والمواطنة المتساوية التي تصون حقوق جميع المكونات. وفي هذا السياق، كان من أشد المدافعين عن القضية الكُردية، مستميتاً في الطرح السياسي والحقوقي لضرورة إنصاف الشعب الكُردي كركيزة أساسية لا تستقيم عدالة الدولة من دونها. واعتبر الدفاع عن الخصوصية الثقافية والسياسية للكُرد والاعتراف الكامل بتنوعهم القومي واجباً وطنياً وأخلاقياً يضمن إرساء سوريا على أسس متينة من العدالة والعيش المشترك.
ولم يتوانَ فقيدنا عن تشخيص الداء ومواجهة كل أشكال التسلط، إذ امتلك الشجاعة الأخلاقية في النقد السياسي الصريح، رافضاً إعادة إنتاج أدوات الاستبداد بأي لبوس كان، ومؤكداً أن الفكر القمعي والإجرامي واحد مهما اختلفت مسمياته. وفي أطروحاته الهامة، لا سيما دراسته المعنونة «سوريا.. العدالة المفقودة»، وضع يده على الجرح السوري، مؤكداً أن الإفلات من العقاب هو مصدر المأساة، وأن العدالة الانتقالية والمحاسبة الدولية هما حجر الزاوية لبناء أي سلام دائم ومستقر.
إننا إذ ننعي هذا الرجل النبيل والصوت الحقوقي الأصيل، نعلم أن الساحة الوطنية والحقوقية فقدت شخصية فذة جمعت بين رصانة المعرفة القانونية والشجاعة في الشأن العام. غاب محيي الدين لالا جسداً، وستظل أفكاره ونضاله في الدفاع عن القضية الكُردية وقضايا العدالة والشراكة والكرامة حية في وجدان كل من آمن بسوريا حرة وتعددية.
