مقالات

من الحماية إلى الاعتراف: الضمانات الدولية وحدود الاعتماد على الخارج في المسألة الكوردية السورية

بقلم : مروان فلو

تمهيد
تطرح التساؤلات المتعلقة بدور الولايات المتحدة وأوروبا والمجتمع الدولي إشكالية مركزية في تجربة كورد سوريا: هل يمكن لطرف محلي، مهما بلغت شرعيته الميدانية، أن يحوّل شراكة أمنية ظرفية إلى حقوق سياسية ومؤسساتية مستدامة؟ وللإجابة عن ذلك لا بدّ من الانطلاق من الوقائع المتبدّلة، لا من افتراضات المرحلة السابقة، فقد تغيّر الإطار الذي صيغت فيه هذه التساؤلات تغيّراً جوهرياً خلال العامين الماضيين.

أن التفاهمات مع دمشق ما زالت قيد التفاوض والتنفيذ. غير أن المصادر المتاحة تفيد بأن مسار الدمج بلغ مرحلة متقدمة جداً؛ ولذلك يعالج هذا المقال الأسئلة بوصفها تقييماً لمدى كفاية الاعتماد على الضمانات الخارجية في ضوء ما جرى فعلاً، لا بوصفها استشرافاً لما قد يجري.

أولاً: السياق الذي تغيّر
بدأ المسار باتفاق العاشر من آذار/مارس 2025 بين مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع، ثم تعثّر تنفيذه طويلاً، وبرز الخلاف حول ما إذا كانت قوات سوريا الديمقراطية ستبقى وحدة متماسكة داخل الجيش أم يُفكَّك بنيانها ويُستوعب أفرادها فرادى (الجزيرة، كانون الثاني/يناير 2026). وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025 أعلن عبدي التوصل إلى اتفاق أولي بحضور المبعوث الأمريكي توم باراك وقائد القيادة المركزية الأمريكية (AFP).
ثم جاء التحوّل الحاسم في كانون الثاني/يناير 2026، حين شنّت الحكومة السورية هجوماً فقدت فيه “قسد” مساحات واسعة من الشمال والشمال الشرقي، وانتهى الأمر بوقف إطلاق نار ثم باتفاق شامل في الثلاثين من الشهر نفسه ينص على دخول القوات الحكومية إلى الحسكة والقامشلي، وتشكيل ثلاثة ألوية من عناصر “قسد”، ودمج الأسايش في مؤسسات الدولة (فرانس 24؛ مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، شباط/فبراير 2026). وفي 20 آب/أغسطس 2026 أعلن عبدي اكتمال الدمج المدني والعسكري، وفي 25 آب/أغسطس أُعلن أن “قسد” لم تعد قوة مستقلة (AFP؛ ua.news).
وتضمنت هذه المرحلة مكاسب حقوقية مهمة، منها مرسوم يمنح الجنسية للكورد عديمي الجنسية ويعترف باللغة الكوردية “لغة وطنية” ويجعل النوروز عطلة رسمية، فضلاً عن تعيين محافظ رشّحته “قسد” في شباط/فبراير 2026، وتولّي سيبان حمو منصب نائب وزير الدفاع في آذار/مارس 2026 (معهد بولاسكي، أيلول/سبتمبر 2026). ويُذكر أن نحو خُمس كورد سوريا كانوا قد حُرموا من الجنسية إثر إحصاء 1962، ما يعطي المرسوم وزناً تاريخياً يتجاوز الرمزية.

ثانياً: طبيعة الضمانات المطلوبة

يمكن تصنيف الضمانات الدولية في ثلاث درجات متصاعدة:

الضمانة الرقابية: الرصد والتوثيق وإصدار التقارير، وهي الأقل كلفة والأضعف أثراً.
الضمانة الدبلوماسية: وساطة دائمة، ولجنة متابعة ثلاثية أو رباعية، وربط الإخلال بإجراءات سياسية محددة سلفاً.
الضمانة الإلزامية: أن يكون الاتفاق موثقاً أمام مجلس الأمن أو مدرجاً في قرار دولي، أو مقترناً بآليات تحكيم.

والدرس المستفاد من الوقائع أن الضمانة الرقابية وحدها لم تمنع انهيار التوازن في كانون الثاني/يناير 2026؛ فقد وصفت قراءات تحليلية ما جرى بأنه استخدام للضغط العسكري لفرض شروط الدمج، وأن اتفاق الثلاثين من كانون الثاني/يناير “جسر” لا تسوية نهائية (مجلس الشرق الأوسط). ولذلك فإن السؤال الأجدى اليوم: ما الذي يمكن أن تضمنه القوى الخارجية فعلياً بعد اكتمال الدمج؟ والجواب الواقعي أنها قادرة على الضغط في ملفات محددة (المساعدات، إعادة الإعمار، الشرعية الدولية للحكومة)، لا على فرض نتائج سياسية داخلية.
ويقتضي تعزيز الضمانات اليوم الانتقال من منطق “حماية الكورد” إلى منطق مؤشرات التنفيذ القابلة للقياس: جداول زمنية للتمثيل في المؤسسات، وتقارير دورية علنية عن إنفاذ مرسوم الجنسية واللغة، وتمثيل كوردي فعلي في صياغة الدستور والقوانين اللامركزية.

ثالثاً: تغيّر الأولويات الأمريكية والاستراتيجية المستقلة
لم يعد تغيّر الأولويات الأمريكية احتمالاً بل واقعاً. فقد رأت قراءات صحفية وتحليلية أن واشنطن باتت تعدّ الشرع شريكها الرئيسي في سوريا، بعد أن كانت “قسد” شريكها الميداني في قتال تنظيم الدولة (الجزيرة، 30 كانون الثاني/يناير 2026)، وأن مبعوثها وصف التطورات بأنها فرصة تنسجم مع سياسة إدارة الملف عبر دمشق. كما يشير معهد بولاسكي إلى انسحاب أمريكي جارٍ من سوريا والعراق.
وهذا يستدعي ثلاث ركائز للاستراتيجية المستقلة:
الركيزة القانونية-الدستورية: تحويل المكاسب من قرارات إدارية قابلة للإلغاء إلى نصوص دستورية وقوانين عضوية. فالمراسيم أسرع صدوراً وأسهل سحباً.
الركيزة المؤسسية: حضور كوردي حقيقي في الوزارات والأجهزة والمجالس المحلية، لا تمثيل شكلي.
الركيزة المجتمعية والتحالفية: بناء تحالفات عابرة للقومية مع قوى سورية أخرى (علويين ودروز وسنّة مدنيين ومسيحيين) حول مطلب الحكم المحلي والمواطنة المتساوية، فالمطلب الذي يتبناه تحالف أوسع أعصى على التجاهل.

رابعاً: ما المطلوب من الاتحاد الأوروبي؟
يطرح تساؤل خيارات: الاعتراف بالحقوق القومية، أو دعم اللامركزية، أو ربط المساعدات بالضمانات. والتقدير هنا أن الخيار الثالث هو الأكثر واقعية، والثاني الأكثر قابلية للتسويق سياسياً، أما الأول فالأقل احتمالاً في ظل حرص الاتحاد وأعضائه على التعامل مع الحكومة السورية الجديدة.
وتُظهر المعطيات أن للاتحاد أدوات فعلية: فرنسا شاركت في جهود الوساطة، ودعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى التنفيذ السريع لاتفاق كانون الثاني/يناير وضمان حقوق الكورد وعودة النازحين الطوعية (الجزيرة؛ فرانس 24). في المقابل، تلاحظ دراسة بولاسكي أن انخراط الاتحاد ودوله في دعم تنفيذ الاتفاق ينبغي أن يكون أكبر، وأن خطة المساعدات الإنسانية لعام 2026 استثنت جزءاً مهماً من الأموال المخصصة لمناطق الإدارة الذاتية السابقة.
ومن ثمّ يُقترح أن يتمحور الطلب الكوردي من أوروبا حول: (أ) ربط إعادة الإعمار بمعايير حقوقية معلنة وقابلة للتحقق؛ (ب) تمويل برامج الحكم المحلي وبناء القدرات الإدارية؛
(ج) دعم التعليم باللغة الكوردية بعد الاعتراف بها لغة وطنية؛ (د) حضور أوروبي في أي آلية متابعة لاحقة. ويُفضَّل تقديم هذه المطالب بلغة “الحكم الرشيد والاستقرار ومنع عودة التطرف” لا بلغة الاعتراف القومي، لأنها أنجع في الخطاب الأوروبي.

خامساً: الكورد في نظر المجتمع الدولي
تميل الوقائع إلى ترجيح أن النظرة الدولية ظلّت في جوهرها أمنية-وظيفية: فقد بُني الدعم على دور “قسد” في مواجهة تنظيم الدولة، وحين تراجعت أهمية هذا الدور (وأعلنت واشنطن أن المعركة ضد التنظيم شبه منتهية بحسب فرانس 24) تراجع معها الغطاء السياسي. وهذا استنتاج مشروع، لكنه لا يخلو من تبسيط؛ إذ إن تحليلات تذكر أن الرغبة التركية في حل “قسد” ومنع امتداد حزب العمال الكوردستاني بقيت ثابتة، وأن أنقرة وافقت على نهج دمشق الجديد، أي أن العامل الإقليمي لا يقل تأثيراً عن الحسابات الأمريكية.
والخلاصة أن الاعتراف الدولي يُمنح للدول لا للأطراف، وأن الحقوق تُنتزع عبر قنوات المؤسسات لا عبر الأدوار العسكرية. وهذا ما يجعل التحول من “القوة العسكرية” إلى “الفاعل السياسي المدني” ضرورة لا خياراً.

سادساً: تحويل العلاقات إلى مصالح مستدامة
تتحول العلاقات من شخصية وظرفية إلى مؤسسية عبر مسارات عملية:
من الأفراد إلى المؤسسات: نقل العلاقات من القادة العسكريين إلى برلمانيين ومجالس محلية ومنظمات مجتمع مدني وجامعات.
من الأمن إلى الاقتصاد والمجتمع: شراكات في الزراعة والطاقة والتعليم والصحة، فهي مصالح أطول عمراً من التحالفات الأمنية.
الحضور في أوروبا: الاستثمار في الجاليات الكوردية في ألمانيا وفرنسا والسويد، وفي مراكز الأبحاث والإعلام والبرلمانات، لأنها تصنع الذاكرة السياسية المستقرة عبر تبدّل الحكومات.
التوثيق والذاكرة القانونية: حفظ الأرشيف الحقوقي والإداري لتجربة الإدارة الذاتية بوصفه رصيداً معرفياً في أي نقاش مستقبلي حول الحكم المحلي.

سابعاً: اعتراضات ينبغي مواجهتها
انسجاماً مع منهج التحليل النقدي، تُسجَّل اعتراضات على الأطروحة السائدة:
هل الاعتماد على الخارج هو سبب التراجع، أم ميزان القوى الداخلي؟ تفيد قراءات بأن دمشق رأت أن ميزان القوى تحول لصالحها، فأعادت تعريف الدمج. أي أن الخلل قد يكون في الحسابات الداخلية والإقليمية لا في الضمانات الغربية وحدها.
هل كان الاتفاق الأول مفرطاً في الغموض؟ يرى بعض المحللين أن اتفاق آذار 2025 افتقر إلى التفاصيل وكان هشاً، فمن الخطأ تحميل الوسطاء وحدهم تبعات ذلك.
هل يُعدّ الدمج هزيمة أم تحولاً؟ وصفه بعض المحللين بأنه نهاية حلم الحكم الذاتي (AFP)، بينما يراه آخرون فرصة لاستقرار سوريا ومكاسب حقوقية لم تتحقق في العهود السابقة (معهد بولاسكي). والتقييم الرصين يقتضي انتظار اختبار التنفيذ.
التباين داخل الصف الكوردي: يُلاحظ قبول حذر للاتفاق إلى جانب أصوات غير راضية، وأي استراتيجية جادة ينبغي أن تستوعب هذا التنوع.

خاتمة وتوصيات
تكشف التجربة أن الضمانات الدولية أداة مساعدة لا بديل عن القوة التفاوضية الداخلية. ويمكن تلخيص التوصيات في الآتي:

تثبيت المكاسب في نصوص دستورية وقانونية لا في مراسيم فقط.
طلب آلية متابعة دولية بمؤشرات معلنة وجداول زمنية.
مخاطبة أوروبا بلغة الاستقرار والحكم الرشيد وربط الدعم بمعايير حقوقية.
بناء تحالفات سورية عابرة للقوميات حول اللامركزية والمواطنة.
مأسسة العلاقات الخارجية عبر البرلمانات والجامعات والجاليات ومراكز الفكر.

إن الدرس الأعمق أن الحقوق لا تصمد بالحماية الخارجية، بل بتحويلها إلى مصلحة مشتركة للدولة والمجتمع.
++++++++++++++++&&&
المراجع المعتمدة

  • فرانس 24، “Syria, Kurdish-led SDF reach integration deal after weeks of clashes”، 30 كانون الثاني/يناير 2026.
  • الجزيرة، “Kurdish-led SDF agrees integration with Syrian government forces”، 30 كانون الثاني/يناير 2026.
  • الجزيرة، “Syrian government and Kurdish-led SDF fail to progress on military merger”، 4 كانون الثاني/يناير 2026.
  • مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، “How Damascus Reclaimed Syria’s Northeast, and What Integration Now Means”، 4 شباط/فبراير 2026.
  • AFP عبر فرانس 24، “Syrian Kurds announce completion of civil, military integration with Damascus”، 20 آب/أغسطس 2026.
  • Türkiye Today، “SDF announce completion of integration with Damascus”، 21 آب/أغسطس 2026.
  • ua.news، “SDF commander announces disbandment of forces and integration into Syrian army”، آب/أغسطس 2026.
  • معهد بولاسكي، “Agreement between the Kurds and Damascus”، 25 أيلول/سبتمبر 2026.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *