الرئيسيةمقالات

إقليم كوردستان بين الطموح الحضاري وحافة الانقسام السياسي

الكاتب: حسين قاسم”بيوراسب”

أثبت إقليم كوردستان خلال السنوات الماضية قدرة استثنائية على صناعة تحول حضاري ومؤسسي لافت؛ حيث غدت مدنه نموذجاً يُحتذى به في البنية التحتية، وتحديث الخدمات، واستقطاب الاستثمارات، والتنمية العمرانية الشاملة. غير أن هذا التقدم الملموس، الذي بُني بتضحيات أبناء شعبنا، يواجه اليوم تهديداً حقيقياً بسبب ارتهان المصلحة الوطنية العليا للصراعات الحزبية الضيقة وتجاذبات النفوذ بين القوتين الرئيسيتين.

تتجسد الأزمة الراهنة في تعمق الانقسام بين هولير والسليمانية عقب إعلان رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني، بافل طالباني، انسحاب حزبه من حكومة الإقليم ورفضه الاعتراف بمخرجات جلسة برلمان كوردستان؛ وهو تصعيد يُخشى أن يعيد الإقليم إلى مربع الانقسام الإداري والسياسي المشؤوم، ويهدم سنوات من التنمية والجهود الوطنية لتوحيد المؤسسات.

تتلخص الأبعاد الحقيقية لهذا الخلاف وتداعياته على النحو التالي:

  • آلية الحكم وجوهر الشراكة: لا يقتصر الخلاف الراهن على المحاصصة وتوزيع الحقائب الوزارية، بل يمتد إلى الأزمة البنيوية في آلية الحكم ومفهوم الشراكة السياسية. ففي الوقت الذي يتجه فيه الحزب الديمقراطي الكوردستاني (الحائز على 39 مقعداً) نحو استخدام الأغلبية البرلمانية لإنهاء حالة التعطيل واستكمال المسار المؤسسي، يرى الاتحاد الوطني (الحائز على 23 مقعداً) أن هذا المسار يمثل تجاوزاً لمبدأ التوافق السياسي وشراكة إدارة القرار.
  • مخرجات البرلمان وموقف بافل طالباني: جاء رفض بافل طالباني لمخرجات الجلسة النيابية – التي شهدت انتخاب رئيسة للبرلمان بحضور 52 نائباً ومقاطعة قوى أخرى – مستنداً إلى معارضة آلية استئناف العمل وتوزيع الصلاحيات وتشكيل الكابينة الحكومية العاشرة. وتأتي الانتقادات الموجهة للإدارة الحكومية بشأن الملفات الاقتصادية والخدمية وتأخر الرواتب كغطاء سياسي لتبرير التهديد بتأسيس إدارة موازية في السليمانية، وهو ما يلوح بخطر تقسيم الموارد المالية والأجهزة الأمنية.
  • التأثير السلبي على مكتسبات الشعب: إن تغليب الأجندات الحزبية وتهديد وحدة المؤسسات يخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني؛ الأمر الذي ينعكس مباشرة على تجفيف الحركة الاقتصادية، وتعطيل المشروعات الخدمية، وتفتيت وحدة قوات البيشمركة، مما يضعف موقف الإقليم أمام التحديات الإقليمية ويصادر حلم المواطن في عيش كريم واستقرار دائم.

إن المخرج الوحيد من هذه الأزمة لا يكون بالانسحابات الأحادية أو التهديد بإنشاء سلطات موازية، بل بالتسامي فوق الخلافات الشخوصية والحزبية، والعودة إلى طاولة الحوار الوطني لترسيخ حكم المؤسسات والتوافق، ضماناً لصون التجربة الحضارية لإقليم كوردستان وحماية مستقبله من التشرذم.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *