مقالات

القضية الكوردية في سوريا بعد الاندماج: الموقع التفاوضي والتوازنات الإقليميةتركيا وإقليم كوردستان العراق وبغداد وطهران في معادلة التسوية الدستورية

بقلم :مروان فلو

ملخص
تبحث هذه الدراسة في مسار القضية الكوردية في سوريا منذ اتفاق 10 آذار/مارس 2025 حتى إعلان حلّ قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في 25 آب/أغسطس 2026، وتختبر أثر المحيط الإقليمي (تركيا، وإقليم كوردستان العراق، وبغداد، وطهران) في تحديد هامش التسوية. وتنطلق من فرضية مفادها أن الكورد في سوريا فقدوا، بعد الاندماج، أدوات الضغط العسكرية والإدارية التي كانت تدعم موقعهم التفاوضي، وأن الضمانات الدستورية صارت الرافعة الوحيدة المتبقية لتثبيت الحقوق. وتخلص إلى أن نجاح الاندماج المؤسسي لا يعادل نجاح التسوية السياسية، وأن مستقبل الحقوق القومية يتوقف على قدرة القوى الكوردية على ترجمة الرصيد السياسي والدبلوماسي إلى نصوص دستورية، لا على المظلات الإقليمية وحدها.

الكلمات المفتاحية:
القضية الكوردية، سوريا، قوات سوريا الديمقراطية، الاندماج، اللامركزية، تركيا، إقليم كوردستان، الضمانات الدستورية.

مقدمة
لم تعد المسألة الكوردية في سوريا شأناً محلياً يتصل بالتمثيل السياسي والإدارة المحلية فحسب، فقد تداخلت فيها منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 حسابات الأمن القومي التركي، وتنافس النفوذ الإقليمي، وإعادة بناء الدولة السورية. وقد تحوّل السؤال خلال عامين من “هل تُقرّ دمشق بنموذج إدارة ذاتية؟” إلى “ما الذي يبقى للكورد من أدوات حماية الحقوق بعد انتهاء البنية العسكرية والإدارية التي مثّلتها قسد؟”.
تتبنى الدراسة منهجاً تحليلياً تاريخياً يقارن بين النصوص المعلنة للاتفاقات والمواقف الرسمية المسجلة وبين ما أمكن توثيقه من تنفيذها. وقد اعتمدت على مصادر منشورة حتى 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وميّزت بين الوقائع الموثقة (الاتفاقات والمراسيم والتصريحات المعلنة) والتقديرات التحليلية. ويُنبَّه إلى أن بعض بنود الاتفاقات استُقي نصها من تغطيات صحفية ووسائط إعلامية لا من النصوص الرسمية الكاملة، وهو قيد منهجي يُراجَع عند توافر النصوص الأصلية.

أولاً: من اتفاق آذار 2025 إلى حلّ قسد: قراءة زمنية نقدية

  1. اتفاق 10 آذار/مارس 2025 وتعثره
    وقّع الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي في 10 آذار/مارس 2025 اتفاقاً عُدّ أول اعتراف رسمي بالحقوق الكوردية في سوريا الحديثة (1). غير أن التنفيذ لم يتقدم تقدماً يُذكر قبل انقضاء المهلة المحددة نهاية 2025، وهو ما مهّد للتصعيد العسكري الحكومي بحسب ما أوردته “رويترز” (2). وقد أقرّ عبدي لاحقاً بأن عدم تنفيذ اتفاق آذار كان خطأً (17).
  2. كانون الثاني/يناير 2026: الميزان العسكري يتغير
    اندلعت في مطلع كانون الثاني/يناير 2026 مواجهات في حلب ومحيطها بعد تعثر المفاوضات حول الاندماج (5)، وتوسعت السيطرة الحكومية على حساب قسد في الرقة ودير الزور (4). وصدر في 16 كانون الثاني/يناير المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 (6)، ثم أعلن الشرع في 18 كانون الثاني/يناير اتفاقاً لوقف إطلاق النار والاندماج الكامل نصّ على انسحاب قسد إلى شرق الفرات، وتسليم الرقة ودير الزور، ودمج أفرادها في وزارة الدفاع “فردياً” لا كقوة موحدة، ودمج إدارة معتقلات تنظيم الدولة ومخيماته (3). ثم أُعلن في 30 كانون الثاني/يناير اتفاق شامل (يُنسب في بعض المصادر إلى 29 منه) يقوم على اندماج مرحلي، وتشكيل وحدات من مقاتلي قسد ضمن الجيش، وانتشار قوى وزارة الداخلية في مراكز الحسكة والقامشلي (4)(5).
    ويلزم هنا تصحيح قراءة شائعة تعرض اتفاقي كانون الثاني بوصفهما ثمرة تفاوض متكافئ؛ فالوقائع تشير إلى أن الاتفاقين جاءا بعد تحوّل ميداني حاسم، وأن عبدي نفسه وصف اتفاق 29 كانون الثاني بأنه دون مستوى الطموحات وإن أتاح للكورد موضعاً في الدولة (17). وتذهب قراءة تحليلية تركية إلى أن مصير قسد تحدد بتآكل مواردها النفطية وتزايد الانشقاقات وتقدّم القوات الحكومية (20)، وهو تفسير يستحق الفحص لكنه لا يلغي أثر العاملين الأمريكي والإقليمي.
  3. المرسوم رقم 13: اختراق حقوقي بسقف محدود
    منح المرسوم رقم 13 الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصل كوردي المقيمين في سوريا بمن فيهم مكتومو القيد، وأقرّ باللغة الكوردية لغة وطنية يجوز تدريسها في المدارس العامة والخاصة في المناطق ذات الكثافة الكوردية بصفة اختيارية أو ضمن أنشطة ثقافية (6)(7). وتصفه دراسة قانونية بأنه غير مسبوق في تاريخ سوريا، لكنها تنبّه إلى أنه يمنح الحقوق بوصفها منحة تنظيمية قابلة للتعديل، على غرار المرسوم رقم 49 لعام 2011، لا بوصفها حقوقاً أصيلة، وإلى أن التعليم الكوردي المقرّ يقتصر على ساعتين أسبوعياً اختيارية (8). وقد رأت الإدارة الذاتية حينها أن المرسوم لا يكفي لحماية الحقوق الكوردية (9).
    وفي التنفيذ، بلغت طلبات الجنسية حتى أيار/مايو 2026 نحو 2,892 طلباً عائلياً تشمل 10,516 فرداً (10)، وبدأت مرحلة المقابلات الشخصية في الحسكة في 28 حزيران/يونيو 2026 (11). وتكشف هذه الأرقام عن مسار إجرائي جارٍ، غير أنها لا تبتّ في الضمانة الدستورية للحقوق.
  4. 20 و25 آب/أغسطس 2026: نهاية البنية المستقلة
    أعلن عبدي في 20 آب/أغسطس 2026 من القامشلي اكتمال دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية، وأن “المعركة المقبلة سياسية” تتصل بتثبيت الحقوق في الدستور (12). ونقلت “ذا نيو ريجن” أن العملية شابتها توترات متفرقة، من بينها اعتداءات على نازحين كورد عائدين، وانتقادات كوردية للصيغة المعتمدة (13). ثم أعلن في 25 آب/أغسطس 2026 في دمشق حلّ قسد والإدارة الذاتية وجميع التشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لهما (14)(15)(16).
    هذا التطور يُعيد صياغة السؤال البحثي: فالحديث عن “دور الإدارة الذاتية” أو “حماية مكتسباتها” لم يعد موضوعاً راهناً، والمطروح اليوم هو ما إذا كانت الحقوق الكوردية ستحظى بحماية مؤسسية بعد زوال الأداة التي كانت تحميها فعلياً.

ثانياً: تركيا: بين الاعتراف الثقافي ورفض البنية المستقلة

  1. ثوابت الموقف التركي
    تتمحور المقاربة التركية حول ثلاثة اعتبارات: منع قيام كيان كوردي سياسي أو عسكري مستقل على حدودها الجنوبية، ومنع استخدام الأراضي السورية قاعدة لنشاط الجماعات التي تصنفها أنقرة تهديداً، والحفاظ على دولة سورية موحدة ذات سلطة مركزية. وقد أكدت مصادر تركية لـ”رويترز” في 1 أيار/مايو 2025 رفض أنقرة كل خطة تقوّض السلطة المركزية أو تمس السيادة ووحدة الأراضي، وربطت ذلك بما تراه روابط عابرة للحدود بين الكورد السوريين ومسلحين كورد في تركيا (18). ووصف الرئيس إردوغان مطالب اللامركزية بأنها حلم لا مكان له في سوريا (19).
  2. تمييز ضروري: الحقوق الثقافية والبنية المستقلة
    يُظهر مسار 2026 أن أنقرة تفرّق في الممارسة بين الاعتراف بحقوق لغوية وثقافية ومدنية، وبين القبول بإدارة أو قوة مستقلة. فقد رحبت تركيا باتفاق 18 كانون الثاني بوصفه متسقاً إلى حد بعيد مع مواقفها المعلنة منذ سنوات (20)، وعدّت حلّ قسد في آب/أغسطس 2026 خطوة تعزز وحدة سوريا (21). وفي المقابل، فإن أي صيغة لا مركزية سياسية ذات صلاحيات أمنية أو تشريعية ظلت خارج المقبول التركي. ويستدعي ذلك تمييزاً تحليلياً بين الاعتراض على “الفيدرالية” والاعتراض على “اللامركزية الإدارية”؛ وتتحدد مرونة أنقرة بمضمون الصلاحيات المطروحة لا بتسميتها الدستورية، وهي فرضية تحتاج إلى اختبار عبر مواقف تركية معلنة من صيغ إدارة محلية منتخبة، وهو ما لم أعثر على توثيق كافٍ له.
  3. إشكالية الفصل بين المسارين السوري والتركي
    يرتبط الملف السوري بمسار “تركيا خالية من الإرهاب” مع حزب العمال الكوردستاني، الذي أعلن حلّ نفسه ونزع سلاحه في أيار/مايو 2025 (22). وأقرّ البرلمان التركي في آب/أغسطس 2026 قانوناً يؤسس إطاراً قانونياً لحلّ الحزب، بينما يرى سياسيون كورد أن سلاماً دائماً يتطلب إصلاحات ديمقراطية وقانونية أوسع (21). ويحذّر أحد التحليلات من أن تعثر مسار السلام قد يدفع أنقرة إلى تشديد الضغط على القوى السياسية الكوردية في الداخل (20). ومن ثم فإن فصل القضية الكوردية في سوريا عن ملف حزب العمال لا يتحقق بقرار، بل يتوقف على استقلالية القرار السياسي الكوردي في سوريا وعلى وجود قناة تفاوضية سورية خالصة.
    ويقدّم تحليل “أكليد” (ACLED) مؤشراً مهماً: فقسد لم تُحلّ في ذروة نشاطها العسكري، وأغلب الأحداث في مناطق سيطرتها السابقة منذ شباط/فبراير 2026 كانت احتجاجات لعائلات المقاتلين تستفسر عن مصير الأسرى (22)، ما يعني أن المخاطر الأمنية المباشرة تراجعت، وأن الملف الإنساني والسياسي هو ما يتصدر المشهد.

ثالثاً: إقليم كوردستان العراق: الوساطة لا الضمانة

  1. ما يثبته السجل العلني
    تشير المعطيات المنشورة إلى دور وساطة فعلي لأربيل في أزمة كانون الثاني/يناير 2026؛ إذ شكر وزير الخارجية الفرنسي الرئيس نيجيرفان بارزاني علناً على دور وصفه بالحاسم في وقف التصعيد بين دمشق وقسد (25)، وأعلن بارزاني نفسه، خلال زيارته دمشق في 3 آب/أغسطس 2026، وهي الأولى لقيادي كوردي إلى سوريا منذ سقوط الأسد، أن الإقليم أدّى دوراً محورياً في المفاوضات (23)(29). واستضاف بارزاني في منتصف حزيران/يونيو 2026 مظلوم عبدي والمبعوث الأمريكي توم باراك في أربيل (28)، كما استقبل في 18 حزيران/يونيو وفد المجلس الوطني الكوردي في سوريا (ENKS) مؤكداً ضرورة وحدة الصف الكوردي (27). وكان قد حثّ الكورد في سوريا في تشرين الأول/أكتوبر 2025 على التوجه إلى دمشق وافتتاح مكتب والمشاركة في العملية السياسية (26).
  2. حدود الدور وتوصيفه
    تكشف هذه الوقائع أن موقف أربيل العلني هو الدفع نحو الحوار مع دمشق والاندماج في مؤسسات الدولة، لا تبنّي مشروع حكم ذاتي؛ وقد أورد تحليل صحفي تصريحات لمسؤولين في الإقليم تصف الملف بأنه شأن سوري داخلي وتؤكد أن أربيل تؤدي دور الطرف المُيسِّر (24). ويرى تحليل آخر أن الزيارة تمنح أربيل أوراق نفوذ في علاقاتها ببغداد وأنقرة بتموضعها جسراً بين دمشق والكورد في سوريا (29). ويترتب على ذلك أن الإقليم فاعل وساطة وغطاء سياسي، وليس ضامناً مؤسسياً.
  3. مراجعة فكرة “المجلس التنسيقي الكوردي”
    لم أعثر في المصادر العلنية على ما يثبت وجود هيئة كوردية إقليمية مشتركة ذات صلاحيات ملزمة. ومن ثم تُطرح فكرة مجلس تنسيق سياسي بوصفها مقترحاً لا واقعاً قائماً. ولكي يكون المقترح قابلاً للتنفيذ ينبغي أن يتجاوز اعتراضين: الأول أن الموقف الرسمي للإقليم يؤكد الطابع السوري الداخلي للملف، فأي إطار يبدو موازياً لدمشق سيقوّض الدور الذي يحرص عليه؛ والثاني أن حلّ الإدارة الذاتية ونقل الملفات العسكرية والإدارية إلى الدولة يجعل المجلس المقترح إطاراً استشارياً للتنسيق السياسي والثقافي والاقتصادي مع الأحزاب الكوردية في سوريا القائمة، وفي مقدمتها المجلس الوطني الكوردي، لا هيئة تفاوضية بديلة.

رابعاً: بغداد: شريك أمني حذر ووزن تفاوضي محدود
اتسمت علاقة بغداد بدمشق الجديدة بالحذر منذ سقوط الأسد؛ فقد ربطت قراءة لمجلس الأطلسي ذلك بتحالف بغداد السابق مع النظام المخلوع وبنفوذ إيران ووجود فصائل عراقية كانت نشطة في سوريا (1). وفي آذار/مارس 2026 رصدت “عنب بلدي” خطاباً تصعيدياً من قوى في الحشد الشعبي، مع تقدير محللين بأن الأمر لا يبلغ مستوى التصعيد الرسمي بين الدولتين، وأن اتصالات الشرع ببغداد هدفت إلى طمأنتها بأن سوريا لن تكون منطلقاً لاعتداءات عليها وإلى ضبط الحدود (30). وفي أيلول/سبتمبر 2026 عرض الشرع في نيويورك مشروعاً لربط حقول النفط العراقية بالموانئ المتوسطية، ووصف علاقات دمشق بإقليم كوردستان بأنها جيدة جداً (31).
يدعم ذلك استنتاجاً مفاده أن وزن بغداد في الملف الكوردي السوري غير مباشر: فهي معنية بأمن الحدود ومخاطر تنظيم داعش وبالممرات الاقتصادية، أكثر من كونها مرجعية سياسية للتسوية. أما التجربة الدستورية العراقية بعد 2003 فتصلح مرجعاً مقارناً، لا نموذجاً قابلاً للنقل، إذ ارتبطت بسياق وتوازنات مختلفة، وهو تحفظ أراه ضرورياً ضد الاستشهاد المباشر بها.

خامساً: إيران: نفوذ مُستنزَف وأثر غير مباشر
فقدت طهران بسقوط الأسد ركيزة نفوذها السورية، وتقدّر قراءة منشورة في “كارنيغي” (مقابلة مع خضر خدّور، آذار/مارس 2026) أن اهتمامها بات أكثر تواضعاً: منع تحوّل الخسارة إلى نهائية والإبقاء على ما تبقى من قنوات النفوذ، في وقت تسعى دمشق إلى تثبيت السلطة وضبط الحدود واحتواء الملف الكوردي ضمن إطار الدولة (32). وجاء ذلك في سياق حرب إقليمية اندلعت في 2026 ردّت فيها إيران عسكرياً على ضربات، وتزامن مع هجمات لفصائل موالية لها في العراق (30)، وأوردت “عنب بلدي” تهديدات إيرانية استهدفت دمشق، رأى أحد المحللين أنها موجهة أساساً لرفع معنويات حلفاء طهران في العراق ولبنان (33).
ويجدر التمييز تحليلياً بين ما هو موثق وما هو تقدير: الموثق هو تراجع الموقع الإيراني وتوتر العلاقة بين طهران ودمشق؛ أما القول بأن موقف إيران من اللامركزية يتحدد بحسابات التوازن مع تركيا والولايات المتحدة فهو استنتاج تحليلي لا تسنده وثائق علنية. وتشير قراءة لمركز “رووداو” للأبحاث إلى أن سيطرة دمشق على الحدود مع العراق تتسق مع مسعى أمريكي أوسع لاحتواء النفوذ الإيراني (34)، وهو رأي تحليلي يُستشهد به لا بوصفه حقيقة مثبتة. وخلاصة ما سبق أن الأثر الإيراني في المسألة الكوردية السورية غير مباشر، ويمرّ عبر العراق وعبر الصراع الإقليمي الأوسع، ولا يمثل عاملاً مباشراً في صياغة الحقوق الكوردية.

سادساً: السيناريوهات المحتملة بعد حلّ قسد
يستبدل هذا القسم صيغة السيناريوهات السابقة التي افترضت بقاء مؤسسات كوردية مستقلة. وتُعرَّف السيناريوهات أدناه بمؤشرات قابلة للرصد:
السيناريو الأول: التثبيت الدستوري. تُترجم مضامين المرسوم رقم 13 إلى نصوص دستورية أو تشريعية دائمة تشمل الاعتراف باللغة والهوية والمواطنة، مع إدارة محلية منتخبة وتمثيل فعلي في المؤسسات. مؤشراته: مشاركة ممثلين كورد في أي عملية صياغة دستورية، وإنجاز ملف الجنسية، وتشريعات محلية تمنح صلاحيات حقيقية.
السيناريو الثاني: اندماج إداري مع مركزية سياسية. تُستكمل الإجراءات المؤسسية وتبقى الحقوق قائمة بمراسيم رئاسية قابلة للتعديل، بما يعيد إنتاج ما نبّهت إليه الدراسة القانونية حول طابع المنحة التنظيمية (8). مؤشراته: غياب مسار دستوري واضح، واستمرار الصيغة الاختيارية الضيقة للتعليم الكوردي، وتأجيل الإدارة المحلية المنتخبة. ويبدو هذا السيناريو الأقرب إلى المسار الراهن بحسب المتاح من الأدلة، وهو تقدير تحليلي مشروط بتطورات لاحقة.
السيناريو الثالث: توتر محلي وتصعيد إقليمي. تتعثر التفاهمات بسبب قضايا العائدين والمعتقلين ومظاهر عدم الثقة (13)(22)، أو ينهار مسار السلام التركي مع حزب العمال الكوردستاني فيعاد توظيف الملف الكوردي السوري في الضغط السياسي والأمني (20). مؤشراته: تكرار الاعتداءات على العائدين، واحتجاجات ذوي المقاتلين، وانتكاسة مسار “تركيا خالية من الإرهاب”.

سابعاً: نحو استراتيجية ما بعد الاندماج: أدوات النفوذ المتبقية
بعد انتقال الأدوات العسكرية والإدارية إلى الدولة، تنحصر أدوات التأثير الكوردي في أربع مسارات:

  1. المسار الدستوري-القانوني: المطالبة بتحويل الحقوق من مراسيم إلى نصوص دستورية، وتوثيق المشاركة في أي لجنة صياغة، وهو ما أعلنه عبدي أولوية المرحلة المقبلة (12).
  2. المسار الكوردي الداخلي: توحيد الموقف بين القوى الكوردية السورية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الكوردي، بتيسير من أربيل ضمن حدود دورها (27)(24).
  3. المسار الإقليمي: إدارة علاقات متوازنة مع أنقرة وبغداد وأربيل، والتمييز بين ملف حزب العمال الكوردستاني والملف السوري (21).
    4.المسار الدولي: استثمار المواقف الداعمة لتسوية دستورية، ومنها الموقف الفرنسي المعلن الداعي إلى معالجة الملف دستورياً على غرار العراق (25)، مع مراقبة تنفيذ الاتفاقات.

خاتمة
تخلص الدراسة إلى أن مسار 2025-2026 غيّر طبيعة السؤال الكوردي في سوريا: فبعد حلّ قسد والإدارة الذاتية لم يعد النفوذ الميداني ورقة تفاوض، وصار الرهان على قدرة القوى الكوردية على إنتاج ضمانات قانونية ودستورية عبر أدوات سياسية ودبلوماسية. وتبقى الضمانة الأكثر ثباتاً هي النص الدستوري الذي يتجاوز المراسيم القابلة للتعديل، وهو ما لا يزال مفتوحاً. أما الأطراف الإقليمية فتحدّد هامش الحركة ولا تستطيع، منفردة أو مجتمعة، أن تحلّ محل تسوية سورية داخلية تقوم على المواطنة المتساوية والاعتراف بالتعدد.
++++++++++++++&&&
المراجع

  1. Atlantic Council, “Why the United States must bridge the Iraq-Syria divide”. https://www.atlanticcouncil.org/?p=833916
  2. Reuters (via Algemeiner), “Syrian Government, Kurds Agree to Integration Deal”, 30 Jan 2026. https://www.algemeiner.com/?p=764152
  3. Rudaw, “Damascus, SDF sign second integration agreement, halt fighting”, 18 Jan 2026. https://www.rudaw.net/english/middleeast/syria/180120267
  4. Enab Baladi, “Comprehensive ceasefire agreement reached between Syrian government and SDF”, 30 Jan 2026. https://english.enabbaladi.net/archives/2026/01/comprehensive-ceasefire-agreement-reached-between-syrian-government-and-sdf/
  5. The New Arab, “Kurdish-led SDF agrees to integrate with Syrian gov’t forces”, 30 Jan 2026. https://www.newarab.com/news/kurdish-led-sdf-agrees-integrate-syrian-govt-forces
  6. Enab Baladi, “Presidential decree grants Syrian nationality to Kurds”, Jan 2026. https://english.enabbaladi.net/archives/2026/01/presidential-decree-grants-syrian-nationality-to-kurds/
  7. NoonPost, “Presidential Decree on Syrian Kurds”, 19 Jan 2026. https://www.noonpost.com/en/363185/
  8. GlobalCit, “Interim Syrian Government and the Legacy of Kurdish Statelessness”. https://globalcit.eu/interim-syrian-government-and-the-legacy-of-kurdish-statelessness-finally-resolution-and-justice/
  9. Enab Baladi, “The Autonomous Administration: al-Sharaa’s decree is insufficient”, 17 Jan 2026. https://english.enabbaladi.net/?p=92562
  10. Enab Baladi, “Citizenship Requests Cover Over 10,000 Syrian Kurds”, 24 May 2026. https://english.enabbaladi.net/archives/2026/05/citizenship-requests-cover-over-10000-syrian-kurds/
  11. Enab Baladi, “Citizenship Interviews for Kurds Launch at Four Centers in al-Hasakah”, Jun 2026. https://english.enabbaladi.net/archives/2026/06/citizenship-interviews-for-kurds-launch-at-four-centers-in-al-hasakah/
  12. Enab Baladi, “Mazloum Abdi Says SDF Integration Into State Is Complete”, 20 Aug 2026. https://english.enabbaladi.net/archives/2026/08/mazloum-abdi-says-sdf-integration-into-state-is-complete/
  13. The New Region, “SDF chief says Syrian integration process ‘complete'”, 20 Aug 2026. https://thenewregion.com/posts/6281
  14. Enab Baladi, “Abdi Announces SDF Dissolution, State Integration”, 25 Aug 2026. https://english.enabbaladi.net/archives/2026/08/abdi-announces-sdf-dissolution-state-integration/
  15. The National, “Syria’s Kurdish-led SDF dissolves as fighters join state forces”, 25 Aug 2026. https://www.thenationalnews.com/news/us/2026/08/25/syrias-kurdish-led-sdf-dissolves-as-fighters-join-state-forces/
  16. Peregraf, “SDF Commander Mazloum Abdi Announces Dissolution…”, 25 Aug 2026. https://peregraf.com/en/news/12337
  17. Enab Baladi, “Abdi Says SDF Integration to Finish This Month”, 23 Aug 2026. https://english.enabbaladi.net/archives/2026/08/abdi-says-sdf-integration-to-finish-this-month/
  18. Reuters (via Yahoo), “Turkey stresses opposition to decentralisation in Syria”, 1 May 2025. https://www.yahoo.com/news/turkey-stresses-opposition-decentralisation-syria-092358172.html
  19. Reuters (via Yahoo), “Turkey’s Erdogan dismisses Kurdish calls for Syria decentralisation as a ‘dream'”, Apr 2025. https://www.yahoo.com/news/turkeys-erdogan-dismisses-kurdish-calls-130244476.html
  20. Mustafa Enes Esen, “What the SDF’s Miscalculations Meant for Turkey and Syria”, 19 Jan 2026. https://www.institude.org/opinion/what-the-sdfs-miscalculations-meant-for-turkey-and-syria
  21. Reuters (via Al-Monitor), “Turkey says SDF dissolution will help with Syrian unity”, 26 Aug 2026. https://al-monitor.com/originals/2026/08/turkey-says-sdf-dissolution-will-help-syrian-unity
  22. ACLED, “What does the SDF’s dissolution mean for security in northeastern Syria?”, 27 Aug 2026. https://acleddata.com/expert-comment/what-does-sdfs-dissolution-mean-security-northeastern-syria
  23. Al Jazeera, “Iraqi Kurdish regional leader meets Syrian president in Damascus”, 3 Aug 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/8/3/iraqi-kurdish-regional-leader-meets-syrian-president-in-damascus
  24. Enab Baladi, “Barzani in Damascus: Regional Shifts, Geographic Pressure”, 9 Aug 2026. https://english.enabbaladi.net/archives/2026/08/barzani-in-damascus-regional-shifts-geographic-pressure/
  25. Rudaw, “French FM thanks President Barzani for ‘decisive’ role in SDF-Damascus deal”, 5 Feb 2026. https://www.rudaw.net/english/kurdistan/050220262
  26. Shafaq News, “President Barzani urges Kurds to open dialogue with Damascus”, 8 Oct 2025. https://www.shafaq.com/en/Kurdistan/President-Barzani-urges-Kurds-to-open-dialogue-with-Damascus-last-chance-for-a-new-phase
  27. Presidency of the Kurdistan Region of Iraq, “President Nechirvan Barzani receives the Kurdish National Council in Syria”, 18 Jun 2026. https://presidency.gov.krd/en/president-nechirvan-barzani-receives-the-kurdish-national-council-in-syria
  28. The New Region, “Kurdistan Region president to meet Syria’s Sharaa in Damascus”, 3 Aug 2026. https://thenewregion.com/posts/6082
  29. The National, “Barzani meets Al Shara on first Damascus visit by Kurdish leader since Assad’s fall”, 3 Aug 2026. https://www.thenationalnews.com/news/mena/2026/08/03/barzani-meets-al-shara-on-first-damascus-visit-by-kurdish-leader-since-assads-fall/
  30. Enab Baladi, “Damascus-Baghdad relations under threat from ‘Popular Mobilization’ rhetoric”, 23 Mar 2026. https://english.enabbaladi.net/archives/2026/03/damascus-baghdad-relations-under-threat-from-popular-mobilization-rhetoric/
  31. Shafaq News, “Syria’s Al-Sharaa talks Iraq oil route, Iranian influence”, 23 Sep 2026. https://shafaq.com/en/World/Syria-s-Al-Sharaa-talks-Iraq-oil-route-Iranian-influence
  32. Carnegie Endowment (Diwan), Michael Young, interview with Kheder Khaddour, 16 Mar 2026. https://list.ceip.org/middle-east/diwan/2026/03/syria-skirts-the-conflict-with-iran
  33. Enab Baladi, “On the Front Lines, Why Is Tehran Threatening Damascus?”, 27 Mar 2026. https://english.enabbaladi.net/archives/2026/03/on-the-front-lines-why-is-tehran-threatening-damascus/
  34. Rudaw Research Center, Ziryan Rojhelati, “Rojava and the New Regional Security Architecture”, 30 Jan 2026. https://rudawrc.net/en/pdf/article/rojava-and-the-new-regional-architecture-the-end-of-syrias-great-game-2026-01-30

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *