أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةمقالات

تجريد الذات وتفتيت القوة: انتقال 1700 مقاتل إلى ريف دمشق كرمز لسقوط الرهانات والتسليم المجاني

بقلم: حسين قاسم ” بيوراسب”
تتكشف المأساة الكوردية في شمال وشرق سوريا اليوم عن واحدة من أكثر صور التراجع الدراماتيكي عمقاً وألماً، حيث لم تعد التنازلات مجرد حبر على ورق في مفاوضات سياسية مغلقة، بل تحولت إلى خطوات عملانية وميدانية تفرغ المنطقة من طاقتها البشرية والعسكرية. إن الخبر القائل بإن أسراباً من المقاتلين الكورد (نحو 1700 مقاتل من أبناء الحسكة وعفرين) يتم نقلهم إلى معسكرات التدريب في “النبك” بريف دمشق لإعادة تأهيلهم ودمجهم تحت مظلة وزارة الدفاع السورية، ليس إلا تجسيداً صارخاً لسياسة التسليم الخاطئة التي تنتهجها القيادات الحالية.

أولاً: نقل مركز الثقل وتفتيت الورقة العسكرية

إن نقل المقاتلين من أرضهم وبيئتهم القومية في الحسكة وعفرين واقتيادهم نحو معسكرات النبك في ريف دمشق، هو إجراء يهدف بالدرجة الأولى إلى اقتلاع هذه القوات من جغرافيتها التاريخية، وتجريدها من حاضنتها الشعبية. بدلاً من الحفاظ على “تكتل عسكري متماسك” يدافع عن حقوق الشعب الكوردي ويفرض شروطه في أي عملية تسوية، يتم توزيع المقاتلين على ألوية محددة رسمتها وزارة الدفاع في دمشق (مثل لواء الحسكة وقامشلو وديرك وكوباني وعفرين)، مما يعني تحويلهم من قوة نضالية تحررية ذات مشروع سياسي وقومي إلى مجرد وحدات تنفذ أوامر مركزية صادرة عن النظام الحاكم.

ثانياً: قرارات قيادية جبانة وتبديد لشبكة التضحيات

لقد قدم الكورد في غرب كوردستان (روج آفا) آلاف الشهداء والجرحى في سبيل بناء نموذج إداري وعسكري يصون كرامتهم ويحميهم من جحيم البعث والاستبداد. إلا أن النتيجة اليوم تصوغها قرارات قيادية تفتقر إلى الصلابة والبعد الاستراتيجي؛ قيادات آثرت الاستسلام التكتيكي بذريعة “الواقعية”، وقبلت بتفكيك بنية “قوات سوريا الديمقراطية” تدريجياً وتقديمها لقمة سائغة لنظام لم يغير جوهره الشمولي، ولم يقدم حتى اللحظة أي ضمانة دستورية أو قانونية تعترف بالوجود القومي للكورد أو بحقوقهم المشروعة.

ثالثاً: الخسارة التدريجية لأوراق التفاوض

إن ما يجري اليوم تحت مسمى “إعادة الهيكلة والدمج” هو في الحقيقة عملية “تجريد سلس للسلاح والقوة”. فحين يفقد الكورد استقلالية قرارهم العسكري، وتصبح تحركات ألوياهم خاضعة لإدارة هيئة أركان دمشق، سيفقدون تلقائياً كل أوراق الضغط السياسي. وبدلاً من التفاوض من موقع الند والشريك القوي، سيجد الكورد أنفسهم مجدداً في موقع “الرعايا” الذين ينتظرون ما يجود به المركز من مرسوم أو عفو، لينتهي بذلك فصل كامل من طموحات الحرية وتقرير المصير.

إن وصول المقاتلين إلى النبك واستكمال إجراءات ضمهم إلى وزارة الدفاع السورية، يشكل علامة فارقة في مسار انحداري خطير. إن التاريخ لن يرحم القيادات التي فرطت بم مكتسبات شعبها وسلمت أوراق قوتها لمحتل يستهدف وجودها الهوياتي والسياسي. فالقوة التي لا تُستثمر في صون كرامة أصحابها، والمقاتل الذي يُنزع من أرضه ليُخدم في ثكنات قمع قديمة، هما الشاهد الأكبر على مرحلة من خيبة الأمل والخذلان القيادي.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *