ما بعد سايكس بيكو: تفكك الحدود المصطنعة وإعادة رسم خرائط الجغرافيا السياسية
الكاتب:حسين قاسم”بيوراسب”
يشهد العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط منذ سنوات مخاضاً عسيراً يعيد تشكيل بنية الدول والكيانات التي أُسست على أنقاض الحرب العالمية الأولى. وفي هذا السياق، تكتسب التصريحات والمواقف التي تتحدث عن نهاية حقبة “سايكس بيكو” أهمية استثنائية، لا سيما عندما تتجاوز حدود التوصيف السياسي وتلامس الجوهر الجيوسياسي والديمغرافي للمنطقة؛ فما يعنيه سقوط هذه الاتفاقية المصطنعة هو عودة الأمور إلى جذورها التاريخية والطبيعية، وتجاوز الحدود الوهمية التي رُسمت بالمسطرة والقلم لفصل الشعوب وتجزئة المجتمعات.
1. سقوط الخرائط المصطنعة والعودة إلى الجغرافيا التاريخية
إن انهيار مفاعيل “سايكس بيكو” يعني بوضوح انتهاء الصلاحية التاريخية لتلك الحدود الهشة التي فرضتها القوى الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا) لتقسيم المنطقة وإخضاعها لمصالحها. التاريخ الحقيقي لجغرافية المنطقة لا يعترف بتلك الخطوط المصطنعة التي قطعت التواصل العضوي بين الحواضر والمجتمعات. فعلى سبيل المثال، تعود سوريا التاريخية والجغرافية إلى نطاقها وأبعادها الأساسية الأصيلة (التي تمتد كولايات تاريخية مركزية مثل حماة ودمشق ودرعا)، بينما تعود مناطق الجزيرة السورية والممتدة جغرافياً وديمغرافياً عبر دير الزور والحسكة والقامشلي لتتصل بطبيعتها الحيوية والتاريخية والاقتصادية مع امتداداتها في الموصل وعموم جغرافية الإقليم. وبالمثل، تعود حلب وإدلب والرقة إلى فضاء حلب التاريخي الذي طالما شكّل حلقة وصل كبرى بين بلاد الشام وما بين النهرين.
2. روج آفا وكردستان الكبرى: تحرر المجتمعات من القيود المفروضة
ضمن هذا المخاض الجيوسياسي الكبير، يبرز الحضور القومي والتاريخي الكردي في “روج آفا” (غرب كردستان) وعموم مناطق الشمال والشرق السوري كحقيقة لا يمكن تجاوزها أو طمسها بحدود وهمية. إن سقوط سايكس بيكو يعني سقوط حالة الحصار والاستعمار الداخلي التي فُرِضت على الكرد عبر تجزئة أجزاء كردستان بين عدة دول. إن عودة هذه المناطق وتكاملها ضمن سياقها الجغرافي الطبيعي وصولاً إلى امتداداتها في كوردستان الكبرى، يمثل تصحيحاً تاريخياً ظلم الشعوب لعقود طويلة. فالتخلص من الحدود المصطنعة يفتح الباب أمام حرية تنقل الهويات، وينهي سياسات الإلغاء القسري، ويعيد ربط الأجزاء المقطوعة ببعضها وفق روابط التاريخ، والجغرافيا، والمصير المشترك.
3. نحو نظام إقليمي جديد قائم على الشراكة والواقعية
إن التمسك بالحدود القديمة والدفاع عن “مقدسات سايكس بيكو” من قبل بعض الأنظمة أو القوى المركزية لم يعد سوى هروب إلى الأمام ومحاولة عبثية لإحياء موات. إن الواقع يفرض نفسه بقوة الميدان والتغيرات البنيوية:
- انتهاء المركزية الإقصائية: لا يمكن للدول أن تستمر عبر قسر مكوناتها ضمن قوالب أمنية وشوفينية مركزية انتهى أوانها.
- إعادة الاعتبار للهويات التاريخية: إن إعادة رسم الخرائط وفق الأبعاد الطبيعية (سواء في العمق السوري أو الكردي أو العراقي) يعكس إرادة الشعوب في التحرر وإدارة ذاتها.
الخلاصة: إن الحديث عن انتهاء سايكس بيكو ليس ترفاً نظرياً، بل هو توصيف حقيقي لواقع تتهاوى فيه الجدران والحدود المصطنعة يومآً بعد يوم. وإن عودة الجغرافيا لتأخذ شكلها الطبيعي والتاريخي – بعيداً عن قيود الاستعمار – هو الضمانة الوحيدة لاستقرار المنطقة، وبناء مستقبل تقوم العلاقات فيه على أساس العدالة، والاعتراف المتبادل، والتعايش الحر بين كافة شعوب ومكونات المنطقة.
