مقالات

من قوة الميدان إلى ضمانات الدستور: الاستراتيجية الكوردية في التفاوض مع دمشق وحدود الاندماج السياسي

بقلم: مروان فلو

ملخص:
 تتناول هذه الدراسة مسار التفاوض بين الإدارة الكوردية والحكومة السورية الانتقالية في دمشق، وتفحص قدرة الفاعلين الكورد على تحويل رصيدهم الميداني والمؤسسي إلى حقوق دستورية قابلة للاستمرار. وتنطلق من فرضية مفادها أن مشكلة الاتفاقات في الحروب الأهلية لا تكمن في صياغتها، بل في معضلة الالتزام الموثوق وغياب آليات التنفيذ. وتقترح الدراسة إطاراً تحليلياً من خمسة معايير لقياس نجاح الاندماج، وخطة بديلة متعددة المسارات، وتخلص إلى أن الاختبار الحقيقي لا يُقاس بحجم الدخول في مؤسسات الدولة، بل بمدى تحصين الحقوق دستورياً.

الكلمات المفتاحية:
القضية الكوردية، سوريا، الاندماج، اللامركزية، معضلة الالتزام، الضمانات الدستورية.

مقدمة
لم يعد التفاوض بين الإدارة الكوردية ودمشق مجرد حوار حول ترتيبات إدارية وعسكرية، بل غدا اختباراً لقدرة القوى السياسية الكوردية على تحويل ما راكمته من حضور سياسي وعسكري ومؤسسي إلى حقوق قومية ودستورية مستدامة. وتستند هذه الدراسة إلى أدبيات تسوية النزاعات الأهلية التي ترى أن نجاح الاتفاقات مرهون بإمكانية الوفاء بها لا بإبرامها فحسب (Walter, 1997; Walter, 2002).

وتتمثل الإشكالية المركزية في السؤال الآتي:
 هل يجري الاندماج في مؤسسات الدولة السورية بوصف الكورد أفراداً ينالون حصصاً في السلطة، أم بوصفهم جماعة قومية لها حقوق سياسية وثقافية ودستورية يُعترف بها وتُضمن؟ 
هذه التفرقة، التي تقابل في الأدبيات النظرية التمييز بين المواطنة الفردية والحقوق الجماعية للأقليات القومية (Kymlicka, 1995)، هي ما يحدد ما إذا كانت التسوية ستؤسس لشراكة وطنية حقيقية أم لمشاركة محدودة لا تمس جذور القضية.
بعد اتفاق 10 آذار/مارس 2025 الذي نصّ على اعتبار الكورد جزءاً أصيلاً من سوريا مع ضمان حقوقهم الدستورية (Al Jazeera, 2025)، تعثر التنفيذ، ثم أعقبت المواجهاتِ العسكرية في كانون الثاني/يناير 2026 اتفاقاتٌ في 18 و30 من الشهر ذاته، نصّت على دمج أفراد قوات سوريا الديمقراطية في الجيش “فردياً” لا ككتلة واحدة، وعلى الالتزام بمرسوم رئاسي يقر بحقوق الكورد الثقافية واللغوية (Rudaw, 2026; Associated Press, 2026; FDD, 2026). وفي 20 آب/أغسطس 2026 أعلن مظلوم عبدي اكتمال دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية، مؤكداً أن النضال سيتواصل “لتثبيت حقوق شعبنا في الدستور” (The National, 2026b). ولذلك تُقرأ الأطروحات التالية بوصفها إطاراً لمرحلة ما بعد الدمج:
 كيف يُحوَّل الاندماج المنجز إلى ضمانات دستورية ؟.

أولاً: بين الاندماج السياسي وتثبيت الحقوق
أكدت القيادات الكوردية، ومنها إلهام أحمد، التمسك بمبدأ الشراكة والتمثيل في مؤسسات الدولة، مع التشديد على أن الاندماج لا يعني حسم ملفات الحقوق. ومن زاوية استراتيجية، ينبغي النظر إلى الاندماج وسيلةً لبلوغ صيغة دستورية تضمن المشاركة الفعلية، لا غايةً بذاتها.
وتفسّر نظرية الحرب العقلانية هذا الحذر؛ إذ تُظهر أن الأطراف تذهب إلى الصراع أو تتعثر تسوياتها حين تعجز عن تقديم تعهدات موثوقة بشأن المستقبل (Fearon, 1995). وقد بيّنت والتر أن “معضلة الالتزام” تبلغ ذروتها عند نزع السلاح أو تسليم أدوات القوة قبل إنشاء ضمانات خارجية للتنفيذ (Walter, 1997). ومن ثم فإن الاندماج الذي يسبق تثبيت الحقوق قد يتحول إلى مسار تنازل أحادي، تُسلَّم فيه الأوراق العسكرية والإدارية تدريجياً مقابل وعود غير ملزمة.
وفي المقابل، فإن اشتراط حسم كل الملفات قبل أي خطوة تنفيذية قد يعطّل التفاوض ويُهدر فرصاً سياسية. لذلك تبدو المقاربة الأكثر واقعية هي المسار المتدرج القائم على التزامن والتبادلية، بحيث تقابل كل خطوة كوردية خطوة محددة من دمشق ضمن اتفاق مكتوب وآليات رقابة قابلة للتنفيذ.

ثانياً: الضمانات وآليات تنفيذ الاتفاقات
تشير دراسات تنفيذ اتفاقات السلام إلى أن الإخفاق يعود في الغالب إلى ضعف آليات التنفيذ والتحقق لا إلى نصوص الاتفاق (Stedman, Rothchild & Cousens, 2002). كما تُبرز أن “المفسدين” (spoilers) قد يقوّضون العملية متى غابت آليات احتواء الخلافات (Stedman, 1997). وعليه ينبغي ألا يقتصر أي تفاهم على إعلان المبادئ، بل يجب أن يشمل:

  • التوثيق القانوني: تحويل التفاهمات الجوهرية إلى نصوص ملزمة، وإدراج الحقوق الأساسية في الدستور أو في قوانين دستورية مكملة؛ وتؤكد الدراسات الكمية أن ترتيبات تقاسم السلطة المؤسَّسة تقترن باستدامة أكبر للسلم (Hartzell & Hoddie, 2003).
  • التنفيذ المتزامن: عدم إلزام طرف بتنفيذ التزاماته كاملة قبل أن ينفذ الطرف الآخر التزاماته المقابلة.
  • الجدول الزمني: مواعيد واضحة للملفات السياسية والإدارية والعسكرية والتعليمية والثقافية.
  • آليات الرقابة: لجنة مشتركة للمتابعة، مع جهة ضامنة أو مراقبة دولية متفق عليها.
  • معالجة الخلافات: آلية تحكيم أو وساطة تمنع انهيار الاتفاق عند الاختلاف على تفسير البنود.
    وغياب هذه العناصر يعرّض الاتفاق للتأجيل والتفسير الانتقائي، ويمنح الطرف الأقوى مؤسساتياً قدرة أكبر على فرض الوقائع بعد انتهاء مرحلة التفاوض. وتدعم الوقائع هذا التحليل جزئياً؛ فقد رأى تحليل لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن تصميم آلية الاندماج هو العامل الحاسم في نجاح الاتفاق، وأن الثقة تآكلت سريعاً بعد اتفاق آذار 2025 حين غابت الإشارة إلى الحقوق الكوردية عن المسار الدستوري (FDD, 2026).

ثالثاً: طبيعة الدولة المقبلة ومفهوم اللامركزية
ترتبط القضية الكوردية مباشرة بطبيعة الدولة السورية الجاري بناؤها، إذ لا يقتصر السؤال على الاعتراف بالتعدد القومي، بل يتعداه إلى ترجمته في نظام دستوري يعيد توزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم. وتشير الأدبيات المقارنة إلى أن اللامركزية قد تخفف حدة النزاعات الإثنية، لكن أثرها مشروط بتصميمها، وبطبيعة الأحزاب الإقليمية وحوافزها (Brancati, 2006; Brancati, 2009).
ويلزم التمييز بين مفهومين:

  • اللامركزية الإدارية: صلاحيات محدودة للمجالس المحلية في الخدمات والبلديات.
  • اللامركزية السياسية: صلاحيات تنفيذية وتشريعية محددة دستورياً للمؤسسات المنتخبة، ضمن وحدة الدولة وسيادتها.
    والاكتفاء بالأولى يُبقي القرار السياسي والأمني والاقتصادي في يد المركز. ومن هنا يُقترح بناء نظام لامركزي عام يشمل جميع المناطق السورية، مع ضمانات دستورية إضافية للحقوق القومية الكوردية، بدل نظام خاص بمنطقة بعينها. وتتفق هذه المقاربة مع التمييز بين الحقوق الإقليمية والحقوق غير الإقليمية للجماعات القومية (Kymlicka, 1995)، ومع الطرح القائل بأن ترتيبات تقاسم السلطة قد تقوم على الجماعة أو على الإقليم أو عليهما معاً (McGarry & O’Leary, 1993).
    ولا ينبغي حصر الحقوق الكوردية في المناطق ذات الغالبية الكوردية أو في نطاق الإدارة الذاتية السابقة؛ فالكورد يتوزعون في جبل الأكراد باللاذقية وفي إدلب وحماة، وفي دمشق وحلب وغيرها. ويقتضي ذلك ضمانات دستورية تشمل الاعتراف بالهوية القومية، وحماية اللغة والثقافة، والتعليم بالكوردية، وحرية التنظيم الثقافي والسياسي، والمشاركة المتكافئة في مؤسسات الدولة. وتمثل خطوات كانون الثاني/يناير 2026 تقدماً في هذا الاتجاه، إذ تضمن المرسوم الرئاسي الاعترافَ بالكوردية لغة وطنية يجوز تدريسها في مناطق التركز الكوردي، واعتماد عيد النوروز عيداً وطنياً، ومنح الجنسية للكورد عديمي الجنسية (The National, 2026a)؛ غير أن هذه المكتسبات مرسومية لا دستورية، ولم تُدرج بعد في الإطار الدستوري (The National, 2026b).

رابعاً: الخطوط الحمراء وحدود التنازلات
لا يُقاس نجاح التفاوض بكثرة التنازلات، بل بالقدرة على التمييز بين التنازل التكتيكي الذي يخدم الهدف الاستراتيجي، والتنازل البنيوي الذي يفقد الطرفَ عناصر قوته دون مقابل مضمون. وفي ضوء ذلك تتحدد الخطوط الحمراء في خمسة مبادئ:

  1. الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي مكوناً قومياً أصيلاً في سوريا.
  2. ضمان الحقوق اللغوية والثقافية والتعليمية، ومنها التعلم بالكوردية وتطوير المؤسسات الثقافية.
  3. اعتماد نظام لامركزي دستوري يمنح المناطق صلاحيات فعلية.
  4. مشاركة سياسية حقيقية لا تُختزل في التمثيل الرمزي أو المناصب البروتوكولية.
  5. ترتيبات قانونية واضحة للأمن المحلي والإدارة المدنية والموارد، تكفل المشاركة العادلة وتحفظ وحدة الدولة.
    ولا يعني التمسك بهذه المبادئ التشكيك في وحدة الدولة، بل أن وحدتها ينبغي أن تقوم على الشراكة والاعتراف المتبادل لا على إلغاء الخصوصيات القومية. وتتسق هذه الرؤية مع ما تذهب إليه الأدبيات من أن المظالم القومية غير المعالجة تغذي النزاعات الإثنية الممتدة (Horowitz, 1985).

خامساً: معايير قياس نجاح الاندماج
من الخطأ المنهجي اختزال نجاح الاندماج في عدد المقاعد والمناصب؛ فالتمثيل العددي الواسع قد يخفي ضعفاً فعلياً في التأثير على صناعة القرار إذا غابت الصلاحيات والضمانات. ويقتضي ذلك اعتماد مؤشرات قابلة للتحقق، وتقترح الدراسة خمسة معايير:

  1. المعيار الدستوري: هل اعتُرف بالحقوق القومية في الدستور؟ وهل هي محمية بحيث يتعذر إلغاؤها بقرار إداري؟
  2. المعيار السياسي: هل توجد مشاركة فعلية في صناعة القرار الوطني وآليات تضمن التمثيل في المؤسسات الدستورية والسيادية؟
  3. المعيار الإداري: هل نالت المؤسسات المحلية صلاحيات حقيقية أم بقيت أجهزة تنفيذية تابعة للمركز؟
  4. المعيار الثقافي والتعليمي: هل أصبح التعليم بالكوردية ممكناً ومحمياً قانونياً في مختلف مناطق الوجود الكوردي؟
  5. المعيار الاقتصادي والأمني: هل توجد مشاركة عادلة في إدارة الموارد، وترتيبات أمنية تحمي السكان وتمنع احتكار القرار المحلي دون مساءلة؟
    ويمكن تحويل هذه المعايير إلى مؤشرات أداء سنوية تتضمن نسب الإنجاز والمواعيد ومدى الالتزام القانوني، على غرار ما تقترحه أدبيات رصد تنفيذ اتفاقات السلام (Stedman, Rothchild & Cousens, 2002؛ Hartzell & Hoddie, 2007)، فيغدو التقييم موضوعياً قابلاً للمراجعة بدلاً من تركه لتقديرات الأطراف.

سادساً: الخطة البديلة في حال تعثر التفاوض
التفاوض بلا بديل يعني وضع الأوراق كلها في سلة واحدة. وقد قدّم فيشر وأوري مفهوم “أفضل بديل للاتفاق المتفاوض عليه” (BATNA) بوصفه مصدراً رئيساً للقوة التفاوضية (Fisher & Ury, 1981). ولا تعني الخطة البديلة التصعيد أو إغلاق باب التفاوض، بل الحفاظ على القدرة على المناورة. وتقوم على أربعة مسارات متكاملة:

  • المسار السوري الوطني: توسيع التحالفات مع القوى السياسية والمدنية السورية، العربية والسريانية والآشورية والتركمانية وغيرها، لبناء موقف مشترك يدعم اللامركزية الدستورية والتعددية.
  • المسار الدولي: توظيف قنوات الوساطة القائمة والسعي إلى مراقبة وضمانات دولية للتنفيذ دون تحويل القضية الكوردية إلى ورقة صراع بين القوى الخارجية. وتفيد نظرية “اللعبة ذات المستويين” بأن الاتفاقات تتأثر بالتفاعل بين الضغوط الداخلية والخارجية (Putnam, 1988).
  • المسار القانوني والدستوري: مشروع متكامل للحقوق القومية واللامركزية بمواد دستورية واضحة وبدائل تسوية متعددة، يمنع حصر المفاوض الكوردي في ردود الفعل.
  • المسار المؤسسي والسياسي: الحفاظ على تماسك المؤسسات المدنية والسياسية، وتعزيز وحدة الموقف الكوردي، لأن الانقسام الداخلي من أبرز مصادر الضعف التفاوضي.
    وتجدر الإشارة إلى أن اكتمال الدمج العسكري والأمني في آب/أغسطس 2026 قلّص عملياً أدوات الضغط الميدانية، مما يجعل هذه المسارات غير الميدانية، لا سيما القانوني والتحالفي، الرافعةَ الرئيسة المتبقية. وقد أشار محللون إلى أن آمال الحكم الذاتي باتت مرجحة البقاء على المستوى البلدي أكثر منها على مستوى المحافظة (The National, 2026b).

سابعاً: دروس التجربة السورية ومعادلة القوة والشرعية
كشفت السنوات الماضية أن القوة الميدانية لا تتحول تلقائياً إلى شرعية سياسية أو حقوق دستورية، وأن الدعم الخارجي، مهما بلغ تأثيره، لا يشكل ضمانة دائمة لأنه مرتبط بحسابات الدول ومصالحها. وقد أُشير إلى أن الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية تراجع مع تطور علاقاتها بدمشق بعد سقوط نظام الأسد (The National, 2026b)، وهو ما يؤكد هشاشة الاعتماد على الراعي الخارجي. ويقتضي ذلك الجمع بين ثلاثة عناصر لا يحل أحدها محل الآخر:

  1. قوة سياسية ومؤسسية ذات قاعدة مجتمعية متماسكة.
  2. شرعية دستورية وقانونية تحمي الحقوق وتحدد الصلاحيات.
  3. شبكة علاقات وتحالفات داخلية ودولية توفر الدعم وهامش المناورة.
    فالقوة الميدانية ليست بديلاً عن الدستور، والدستور ليس بديلاً عن المؤسسات الفاعلة، والدعم الدولي ليس بديلاً عن التوافق الوطني. ويحتاج المشروع السياسي الكوردي إلى الانتقال من تثبيت الحضور الميداني إلى بناء ضمانات قانونية وسياسية طويلة الأمد.

خاتمة: من اتفاق مرحلي إلى شراكة دستورية مستدامة
لن يتحدد مستقبل العلاقة بين الكورد ودمشق بتوقيع اتفاق أو بإعلان دمج المؤسسات، بل بطبيعة الدولة الناتجة وقدرتها على استيعاب التعدد القومي والثقافي والسياسي في إطار دستوري واضح. والسؤال المحوري هو: ما الذي سيبقى من المكتسبات بعد سنوات من توقيع الاتفاق إذا تغيرت موازين القوى أو تبدلت القيادة في دمشق؟ فإن ارتبط الجواب بحسن نية السلطة المركزية، فالضمانات غير كافية؛ وإن كانت الحقوق محمية بالدستور، والصلاحيات محددة بالقانون، والمؤسسات منتخبة وقادرة على أداء مسؤولياتها، أمكن للاندماج أن يتحول إلى شراكة وطنية حقيقية.
وفي تقديري أن أخطر ما قد تواجهه القيادة الكوردية ليس تعثر التفاوض، بل التوصل إلى اتفاق لا يحمي الحقوق ولا يحدد الصلاحيات ولا يضع ضمانات للتنفيذ، فيكون تسوية مؤقتة تؤجل الأزمة بدل حلها. فالاختبار الحقيقي ليس مقدار ما يدخله الكورد من مؤسسات الدولة، بل مقدار ما ينالونه من حقوق وضمانات وصلاحيات تجعلهم شركاء فعليين في بناء الدولة ومستقبلها.
++++++++++++++&&&
المراجع
أولاً: مراجع نظرية

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *