القوة الوظيفية الكوردية (4/5)من تعدد المشاريع إلى التوافق: كيف تُبنى المؤسسة التي تحمل الاستراتيجية؟
بقلم: مروان فلو
المقال الرابع من خمسة. بعد تشخيص الفرص والمخاطر الجغرافية، ينتقل السؤال إلى الداخل:
من يحمل هذه الاستراتيجية، وكيف تُبنى القدرة المؤسسية على تنفيذها؟
أولًا: التعددية ليست المشكلة
يعاني الكورد من ضغوط خارجية، ومن تعدد مراكز القرار وتضارب الأولويات بين قواهم السياسية. لكن التعدد في ذاته ظاهرة طبيعية وصحية، وقد يكون مصدر قوة إذا أنتج تنافسًا سلميًا وتنوعًا في البرامج. وتبدأ المشكلة حين يتحول التعدد إلى تضارب في المصالح القومية العليا، أو حين يستعين طرف كوردي بقوة إقليمية ضد طرف كوردي آخر، كما في الاقتتال الداخلي في تسعينات القرن الماضي.
ولذلك لا تحتاج الاستراتيجية إلى إلغاء التعدد، بل إلى إطار يحدد:
ما الذي يمكن الخلاف حوله بحرية كاملة، وما الذي لا يجوز، من منظور الأمن المشترك، الخلاف حوله أصلًا.
ثانيًا: وحدة المصالح لا وحدة التنظيم
الدعوة إلى استراتيجية مشتركة لا تعني حزبًا واحدًا أو قيادة واحدة. فلكل جزء ظروفه القانونية والسياسية، ولكل حركة تاريخها وجمهورها. وما يصلح في جزء لا يُنقل بالضرورة إلى آخر. المطلوب إذن هو وحدة المصالح العليا، لا وحدة الأدوات والأشكال السياسية.
ويمكن أن يشمل الحد الأدنى المشترك:
حماية السكان من التهديدات الوجودية، وحماية الهوية واللغة والثقافة، ورفض التهجير والتغيير الديموغرافي القسري، وحماية المؤسسات القائمة، ومكافحة الإرهاب، وحماية الموارد، ومنع استخدام القوة في أي صراع كوردي داخلي.
ثالثًا: “العقد الأمني الكوردي”
مفهوم يُقترح لتحويل الشعار إلى ممارسة. ليس معاهدة عسكرية ولا جيشًا موحدًا، بل مجموعة مبادئ تتعهد القوى الكوردية باحترامها:
- ألا يستخدم طرف كوردي القوة المسلحة ضد طرف كوردي آخر إلا دفاعًا عن النفس.
- ألا تتحول الأراضي الكوردية إلى منصة لصراع كوردي-كوردي.
- ألا تستخدم دولة إقليمية طرفًا كورديًا لتصفية حساباتها مع طرف آخر، وهو ما ارتبط بكارثة استدعاء الجيش العراقي إلى أربيل عام 1996.
- ألا يُعقد اتفاق استراتيجي يمس المصالح العليا دون مراعاة أثره على الأجزاء الأخرى.
- أن تبقى قنوات الحوار المباشر مفتوحة مهما اشتدت الخلافات.
هذه المبادئ لا تلغي الخلاف المشروع، لكنها تمنعه من التحول إلى “انتحار استراتيجي جماعي”.
رابعًا: تدرّج المؤسسات
لا تبدأ المؤسسات بهيئة عليا ملزمة، بل بخطوات متدرجة تقلل المخاطرة من تحول المؤسسة نفسها إلى ساحة صراع جديدة:
- مركز استراتيجي مستقل للدراسات والتقدير: يضم خبراء في السياسة والأمن والاقتصاد والطاقة والمياه والقانون الدولي، ولا يتبع حزبًا واحدًا حتى يحافظ على مصداقيته التحليلية.
- آلية إنذار مبكر وإدارة أزمات: قناة اتصال دائمة بين القوى الرئيسة تحتوي الخلاف قبل أن ينتقل من المستوى السياسي إلى الميداني. وقد تكون هذه الآلية أهم عمليًا من أي مؤسسة كبرى في المرحلة الأولى.
- مجلس للمصالح العليا أو مجلس أمن قومي كوردي: هيئة استشارية تنسيقية في مرحلتها الأولى على الأقل، محصورة في الملفات المشتركة (الطاقة، المياه، الممرات، الهجرة، العلاقات الدولية)، لا تدير الحكومات ولا تفرض مشروعًا واحدًا.
- قاعدة معلومات استراتيجية مشتركة: تبادل منظم للمعلومات غير الحساسة أمنيًا (الاقتصاد، الطاقة، المياه، التجارة، التغيرات السياسية الإقليمية)، ضمن الأطر القانونية المتاحة لكل طرف، لا جهاز استخبارات موحد.
- دبلوماسية منسقة متعددة المسارات: لكل جزء علاقاته الخارجية، لكن ضمن مبادئ مشتركة في القضايا العليا، لتجنب تناقض الخطاب الكوردي الخارجي.
خامسًا: من سياسة النوايا إلى سياسة النتائج
التخوين المتبادل يضعف أي مجتمع سياسي. فالاختلاف في الرؤية لا يعني الخيانة، والاتصال بدولة إقليمية لا يعني التبعية الكاملة. لكن هذه المرونة لا تنبغي أن تغطي قرارات تضر بالمصالح العليا.
والمعيار البديل: لا تُحاكم القوى على اختلافها المشروع، بل تُحاكم سياساتها على نتائجها الملموسة. بدل السؤال “هل هذا الطرف وطني؟” تُطرح أسئلة قابلة للقياس: هل يزيد هذا القرار القدرة التراكمية أم يضعفها؟ هل يزيد استقلالية القرار أم يزيد التبعية لطرف خارجي؟
سادسًا: الثقة قبل المؤسسات
لا تنشأ مؤسسة مشتركة قوية في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الثقة. ولذلك تبدأ العملية بخطوات صغيرة قابلة للتحقق: قنوات اتصال دائمة، لجان مشتركة لحل الأزمات الجانبية، وقف الحملات الإعلامية التحريضية المتبادلة، مشاريع اقتصادية مشتركة بين المناطق الكوردية. فالثقة تُبنى بالتجربة المتراكمة، لا بالبيانات الرسمية.
الخلاصة
بناء استراتيجية مشتركة لا يتطلب إنهاء التعدد السياسي، بل إدارته مؤسسيًا كي لا يتحول إلى ضعف استراتيجي متكرر. أي الانتقال من مفهوم ثنائي (“نتفق على كل شيء أو لا شيء”) إلى مفهوم أكثر واقعية: نختلف في كثير من الجزئيات، لكننا نتفق بحزم على المصالح التي لا يجوز خسارتها.
ما يعتمد على شخص ينتهي غالبًا برحيله؛ وما يعتمد على مؤسسة يمكن أن يستمر بعد رحيل صاحبه.
ملاحظة: المقال تصور مقترح يحتاج إلى اختبار وممارسة، واستشهاداته التاريخية (الجزائر 1975، الاقتتال 1994-1998، أربيل 1996) تحتاج إلى توثيق في النص النهائي.
