الآراميون: من القبائل الرعوية والغارات إلى الممالك على أرض الحوريين
الآراميون
من القبائل الرعوية والغارات إلى الممالك على أرض الحوريين
دراسة تاريخية نقدية في أصول التسمية والتحولات القبلية والاندماج السكاني والحضاري
تأليف الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد
عن قريب سوف ينشر كتابي عن الآرامييون وهذا ملخص من كتابي الذي لازلت أعمل على انهائه.
هذه أرض الحوريين… والتاريخ لا يبدأ بالغزاة ولا ينتهي بتغيير الأسماء
هذه أرض الحوريين.
أقولها في مطلع كتابي بكل وضوح، وأضعها أمام القارئ والباحث والمؤرخ، لا بوصفها شعاراً عاطفياً، بل بوصفها قضية تاريخية تستحق أن تُفتح ملفاتها، وأن تُقرأ نقوشها، وأن تُفحص شواهدها بعيداً عن الروايات الجاهزة.
هذه الأرض التي قامت عليها ممالك ميتاني، وازدهرت فيها مدن الحوريين، وعُرفت فيها أسماء ملوكهم وآلهتهم ولغتهم وتقاليدهم، لم تبدأ حياتها يوم ظهر اسم الآراميين في السجلات الملكية.
كانت هنا مدن قبلهم، وممالك قبلهم، وحضارة قبلهم، وتاريخ مكتوب قبل أن تظهر الأسر الحاكمة التي حملت أسماء آرامية في العصر الحديدي.
فمن أعطى الحق لأحد أن يبدأ تاريخ الأرض من اسم آخر سلطة حكمتها، وأن يطوي صفحات من سبقوها؟
من هنا بدأت رحلتي مع هذا الكتاب.
لم أكتب هذه الصفحات لأكرر ما قاله السابقون، ولا لأجمع أسماء الملوك والمعارك وأضعها في تسلسل زمني ثم أسمي ذلك تاريخاً.
كتبتها لأنني أرى أن هناك سؤالاً جوهرياً لا يجوز الهروب منه:
من كان يعيش في هذه الأرض قبل أن تظهر الممالك الآرامية؟ وماذا حدث لأولئك السكان عندما تغيرت السلطة، وتبدلت أسماء الممالك، وانتشرت لغة جديدة؟
ألاحظ في كثير من المؤلفات انتقالاً سريعاً من ظهور اسم الآراميين إلى وصف الممالك التي حملت أسماءهم، وكأن تاريخ الأرض بدأ مع تلك السلطات. وأنا أرفض هذا المنطلق؛ ففي مناطق الخابور وشمال بلاد الرافدين سبقت الممالكَ الآراميةَ مجتمعاتٌ ومدنٌ ذات حضور حوري موثق، ولا أقبل أن يُنسب تاريخها الأقدم تلقائياً إلى من حكمها في زمن لاحق.
ولذلك لا أتخذ ظهور اسم الآراميين بدايةً لتاريخ تلك المناطق، بل أبحث أولاً في المراحل التي سبقته.
أريد أن أعود إلى ما قبل ذلك، إلى الحوريين، وإلى الحوريين الميتانيين، وإلى مدن الخابور وأعالي دجلة وشمال سوريا، وإلى الألواح المسمارية التي حفظت أسماء أشخاص وآلهة وملوك سبقوا ظهور الممالك الآرامية بقرون.
أريد أن أسأل عن الأرض قبل أن أسأل عن الذين حكموها لاحقاً.
وأريد أن أبحث عن السكان قبل أن أكتفي بأسماء الأسر الملكية.
التاريخ ليس ملكاً لمن انتصر
أرى أن من أخطر الأخطاء في كتابة التاريخ القديم التعامل مع رواية المنتصر كأنها الحقيقة الكاملة.
فعندما أقرأ سجل الملك عن حملاته العسكرية، أجد فيه أسماء خصومه والمدن التي اقتحمها والغنائم التي أخذها والجماعات التي أخضعها.
لكنني لا أستطيع أن أستخرج من هذا السجل وحده التاريخ الكامل لأولئك الناس، ولا أصولهم، ولا جميع الجماعات التي عاشت في المدن التي احتلها.
وإذا قال الملك إنه أخضع مدينة، فهل يعني ذلك أنه خلق سكانها؟
وإذا ظهر اسم أسرة حاكمة جديدة، فهل يعني ذلك أن جميع سكان البلاد أصبحوا من نسلها؟
وإذا انتشرت لغة جديدة في الإدارة، فهل يعني ذلك أن اللغة القديمة اختفت في يوم واحد، وأن أصحابها زالوا من الوجود؟
وجوابي عن هذه الأسئلة: كلا، فلا تسمح لي الوثيقة السياسية وحدها بمثل هذه النتائج.
وأعدّ هذه الاستنتاجات قفزاً فوق الأدلة، ما لم تؤيدها شواهد مستقلة.
وأنا لا أقبل أن يُختزل تاريخ شعب أو مجتمع في اسم الحاكم الذي جلس على عرشه.
قبل الآراميين كانت هناك حضارة
عندما أقرأ تاريخ غوزانا وبيت بحياني وبيت زماني وبيت عديني، أبدأ بالأرض وتاريخ سكانها قبل أن أتناول أسماء الأسر الحاكمة. أبحث أولاً عن الموروث الحوري حيث تثبته الشواهد، ثم أدرس كيف ظهرت السلطات التي عُرفت لاحقاً بأسماء آرامية.
ولهذا أرجع إلى طبقات الاستيطان الأقدم، وأقارن بينها وبين الشواهد التي تعود إلى زمن الممالك اللاحقة.
أبحث عن المدن التي سبقت الممالك، وعن اللغات التي استُخدمت قبل الآرامية، وعن الآلهة التي عُبدت، وعن الأسماء الشخصية التي حفظتها الوثائق.
أضع الحوريين في قلب بحثي عن تاريخ شمال بلاد الرافدين وشمال سوريا؛ فقد سبق حضورهم الحضاري قيام عدد من الممالك الآرامية في هذه المناطق، ولا أسمح بأن يحجب الاسم السياسي اللاحق ذلك التاريخ.
لقد تركوا لغة موثقة، ونصوصاً وأسماءً وتقاليد دينية، وكان لهم حضور مهم في التاريخ السياسي لميتاني والمناطق المحيطة بها.
ولا أطرح ذلك باعتباره حكاية شعبية؛ بل أبني بحثي على شواهد تاريخية قابلة للفحص والنقد.
وأعود إلى الوثائق القديمة لمناقشة هذه المادة ومقارنتها، مع التمييز بين ما تثبته مباشرة وما أستنتجه منها.
أميز في بحثي بين أسبقية الحضور الحوري الموثق في مناطق معينة وبين نسبة جميع سكان الممالك اللاحقة إلى أصل واحد. وأطرح رأيي في استمرار السكان والموروث الحوري بوصفه أطروحة أبحث عنها في تاريخ المدن وأسمائها ونقوشها، لا نتيجة أستخرجها من اسم الحاكم وحده.
أتمسك بما تثبته الشواهد عن الحوريين، وأعرض بوضوح رأيي في أن سلطات آرامية لاحقة قامت في مناطق كانت ذات تاريخ حوري أقدم. أما تفاصيل أصول كل جماعة سكانية وانتقال السلطة، فلا أنسبها إلى وثيقة لا تقولها. وهذا التمييز لا يضعف قضيتي، بل يجعلها أكثر قوة أمام النقد العلمي.
الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد
