القوة الوظيفية الكوردية (1/5)من داعش إلى دمشق: البيشمركة وقسد بين التكتيك والمأسسة
بقلم: مروان فلو
المقال الأول من خمسة مقالات تختبر مفهوم “القوة الوظيفية” في وقائع موثقة:
(1) تجارب البيشمركة وقسد،
(2) دروس الدول الصغيرة والجغرافيا،
(3) النفط والمياه والممرات،
(4) التوافق والمؤسسات،
(5) بناء الداخل وتجارب المأسسة.
الفرضية المختبَرة
تقوم فرضية القوة الوظيفية على أن أداء فاعل ما وظيفة يحتاجها شريك خارجي قد يمنحه نفوذًا تفاوضيًا، لكن هذا النفوذ لا يتحول تلقائيًا إلى مكسب مستدام. وتختبر هذه المقالة الفرضية عبر ثلاث محطات متصلة:
البيشمركة في مواجهة داعش (2014-2017)،
وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتحالفها مع الولايات المتحدة (2015-2019)،
ثم مسار الاندماج في الدولة السورية في 2026.
أولًا: البيشمركة وداعش – من الانهيار إلى الشراكة
في أغسطس 2014 شن داعش هجومًا مباغتًا في شمال العراق، وسيطر خلال أيام على مناطق واسعة شمال الموصل وشرقها، منها سنجار وسهل نينوى ومخمور وسد الموصل، إثر انسحاب مفاجئ لقوات البيشمركة من بعضها. وتبع ذلك نزوح واسع ومجزرة بحق الإيزيديين في سنجار.
كان ذلك الانهيار نقطة تحول: فقد أعلنت الولايات المتحدة وحلفاؤها تحالفًا دوليًا ضد داعش بدأ بمؤتمر ويلز في سبتمبر 2014 ثم اتسع ليضم عشرات الدول. وبدعم جوي من التحالف استعادت البيشمركة زمام المبادرة، وكسرت الحصار عن جبل سنجار أواخر 2014، ثم حررت مدينة سنجار في نوفمبر 2015.
ولم يقتصر الدور الكوردي على الجانب العسكري، فقد استقبل إقليم كوردستان مئات الآلاف من النازحين العراقيين وعشرات الآلاف من اللاجئين السوريين. وبذلك انتقل الإقليم في أشهر قليلة من موقع الطرف المنهار إلى موقع الشريك الأمني الذي يصعب الاستغناء عنه.
غير أن هذه “القوة الوظيفية التكتيكية” ارتبطت زمنيًا بوجود التهديد الداعشي المباشر، ولم تُترجم إلى ضمانات سياسية أو اقتصادية دائمة تتجاوز التعاون الأمني نفسه. وسيتضح هذا في أزمة النفط التي يعالجها المقال الثالث.
ثانيًا: قسد والتحالف الدولي – الحالة الأكثر تعقيدًا
تأسست قسد في 10 أكتوبر 2015، بعد إعلان واشنطن دعم مجموعة من الفصائل لقتال داعش في سوريا. وشكلت وحدات حماية الشعب الكوردية عمودها العسكري، مع فصائل عربية وآشورية سريانية وتركمانية وأرمنية.
وبدعم استشاري وتسليحي أمريكي حققت قسد سلسلة انتصارات: كوباني، ثم منبج في 2016، ثم الرقة في أكتوبر 2017 وهي العاصمة الفعلية للتنظيم، وصولًا إلى الباغوز في مارس 2019 حيث انتهت سيطرته المكانية في سوريا. وتشير تقديرات نُسبت إلى البنتاغون في 2017 إلى نحو 45 ألف مقاتل، مع غلبة عربية في القوام تتفاوت التقديرات بشأن نسبتها. وفي مطلع 2018 أُعلن عن العمل على “قوة أمن حدود” يصل قوامها إلى 30 ألف مقاتل، في محاولة لتحويل الدور العسكري المؤقت إلى وظيفة أمنية أكثر ديمومة.
وتكشف المقارنة مع عفرين مفارقة دالة. ففي الأشهر التالية للرقة، وفي مطلع 2018 تحديدًا، سقطت عفرين بيد عملية عسكرية تركية، بينما كانت قسد تعزز ترتيباتها شرق الفرات. أي أن القوة الوظيفية لا تحمي كل الجغرافيا المرتبطة بها، بل تحمي ما تحول فعلًا إلى ترتيب مؤسسي أو تفاهم دولي مع طرف قادر على فرض الحماية، وهو ما لم يتوفر لعفرين.
ثالثًا: من الوظيفة العسكرية إلى الاندماج (2024-2026)
بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، مرت العلاقة بين قسد والحكومة السورية الجديدة بتوترات ومواجهات في بعض المناطق. وفي 29 يناير 2026 توصل الطرفان إلى اتفاق يتضمن وقفًا لإطلاق النار ودمجًا تدريجيًا للمؤسسات العسكرية والخدمية والإدارية.
وفي 25 أغسطس 2026 أعلن قائد قسد مظلوم عبدي من دمشق حل قسد والإدارة الذاتية وجميع التشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة. ووصف المبعوث الأمريكي توم باراك الإعلان بأنه حدث تاريخي. وبعد يومين صدر مرسوم رئاسي بتعيين عبدي مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية. وتشير التقارير إلى أن الاتفاق شمل أيضًا تفاهمات حول الحقوق الثقافية، ومنها التعليم باللغة الكوردية، وأدوار لقيادات قسد داخل الدولة.
رابعًا: قراءتان متكاملتان
القراءة الأولى: تأكيد للفرضية. لم تبقَ قسد أداة عسكرية عابرة، فقد تحول دورها في قتال داعش، عبر سنوات من البناء المؤسسي والتفاوض، إلى نفوذ سياسي انعكس في ضمانات ثقافية ومواقع داخل الدولة، أي مسار من وظيفة مؤقتة إلى مؤسسة مستقرة إلى مصلحة متبادلة إلى اعتراف سياسي.
القراءة الثانية: تحذير من حدودها. تم الاندماج عبر حل الكيان العسكري والإداري المستقل بالكامل، لا عبر ترتيب فدرالي أو لامركزي راسخ كما طمحت أطراف كوردية سورية. والمكسب الذي لا يتحول إلى إطار قانوني ودستوري موثق يبقى عرضة لإعادة التفاوض كلما تغيرت موازين القوى، وقد تغيرت جذريًا خلال أقل من عامين.
وفي هذا السياق يبقى سؤال مفتوح: هل ما تحقق ضمانات مؤسسية أم تفاهمات سياسية قابلة لإعادة التفاوض؟ الجواب سيتوقف على نصوص الدستور السوري القادم وآليات تنفيذ الاتفاق، وهما أمران لم يُحسما بعد.
الخلاصة
تُظهر التجارب الثلاث أن القوة الوظيفية قادرة على نقل الفاعل من الهامش إلى موقع الشريك، لكن استدامة هذا التحول مرهونة بتحويله إلى ترتيبات مؤسسية ودستورية، لا باستمرار الحاجة الأمنية الآنية.
الفارق بين عفرين ودمشق 2026 ليس في شجاعة المقاتلين ولا في حجم التضحيات، بل في أن الدور الوظيفي إما تحول إلى مؤسسة موثقة أو بقي رهينة اللحظة العسكرية.
المصادر المرجعية: الشرق للأخبار، النهار، نون بوست، قنا (أغسطس-سبتمبر 2026) بشأن إعلان حل قسد؛ يونيتاد (2024) بشأن هجوم سنجار؛ تقارير وكالات أنباء بشأن تحرير سنجار 2015 وتأسيس قسد.
