الرئيسيةثقافة وفنقسم التاريخمقالات

مجزرة وادي زيلان وإبادة الكُرد الممنهجة

تُعد مذبحة وادي زيلان (بالكُردية: Komkujiya Zîlanê) واحدة من أشد المآسي الإنسانية دموية وفظاعة في تاريخ الشعب الكُردي الحديث. وهي تمثل حلقة مركزية ضمن سياسات التهجير والإبادة والتغيير الديموغرافي التي نفذتها السلطات التركية الناشئة في ثلاثينيات القرن العشرين.

نفذت المجزرة القوات المسلحة التركية، وتحديداً الفيلق التاسع (IX Corps) التابع للجيش الثالث التركي، تحت القيادة المباشرة للجنرال (الفريق) صالح أومورتاك (Salih Omurtak). وجاءت هذه العملية بتخطيط وإشراف حكومي مركزي من أنقرة وهيئة الأركان العامة للجمهورية التركية، في إطار استراتيجية عسكرية وأمنية شاملة استهدفت قضاءً تاماً على الحركات الاحتفاضية والتمردية في المنطقة (مثل تمرد أرارات في ولاية أغري).

وقعت المجزرة المروعة يومي 12 و13 يوليو من عام 1930، وذلك في ذروة الحملات العسكرية التي شنها الجيش التركي ضد القرى والتجمعات السكنية في منطقة بحيرة فان وجبال أرارات، واستمرت العمليات العسكرية المرتبطة بها لأسابيع شملت حصاراً طاحناً وملاحقة دموية للأهالي.

حدثت المجزرة في وادي زيلان (Zilan Valley) الواقع إلى الشمال من قضاء إرجيش (Erciş) التابع لولاية وان في المنطقة المعروفة تاريخياً بشمال كوردستان (جنوب شرق تركيا حالياً). ويمتاز وادي زيلان بطبيعته الجغرافية الوعرة والمحاطة بالجبال، مما جعل منه ملاذاً طبيعياً لعشرات آلاف المدنيين الفارين من جحيم المعارك والعمليات العسكرية الواسعة.

لم تكن مجزرة وادي زيلان اشتباكاً عسكرياً تقليدياً بين جيش ومقاتلين، بل كانت عملية إبادة ممنهجة وموجهة ضد المدنيين العزل، ويمكن تلخيص كيفية تنفيذها عبر النقاط التالية:

  1. الطوق العسكري الشامل: أصدرت القيادة العسكرية التركية أوامر بحصار تام ومحكم لوادي زيلان لمنع أي شخص من الخروج أو الفرار نحو الحدود أو المناطق المجاورة، مع قطع الإمدادات ووسائل النقل والغذاء عن القاطنين.
  2. الاستهداف الشامل للمدنيين: استخدم الجيش القوة المفرطة، بما في ذلك المدفعية والتمشيط البري الواسع، حيث لم يقتصر القصف والاستهداف على المسلحين، بل طال آلاف المدنيين الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال الرضع.
  3. التدمير والحرق المنهجي: قامت القوات المهاجمة بإحراق وتدمير العشرات من القرى الكُردية الواقعة في الوادي ومحيطه، وتسويتها بالأرض، لضمان عدم بقاء أي بنية حياتية أو سكنية للمنطقة.
  4. الفظائع المروعة والتوثيق الرسمي: تشير شهادات الناجون والأرشيفات التاريخية وتقارير الدبلوماسيين الأجانب (مثل تقارير الخارجية البريطانية) إلى ارتكاب أعمال تنكيل جماعية مروعة بحق المدنيين. وقد وثّقت الصحف الرسمية التابعة للحكومة التركية آنذاك، مثل صحيفة “جُمْهوريت” (Cumhuriyet) في عددها الصادر في 13 يوليو 1930، المجزرة بعبارات فخورة بانتصار مزعوم، جاء فيها بالحرف: “بدأت عملية التطهير، وتم إبادة من كانوا في وادي زيلان بالكامل، ولم ينجُ أحد منهم”.

تُقدر أعداد الضحايا في مجزرة وادي زيلان بآلاف المدنيين (تشير بعض المصادر المستقلة وشهادات الشهود إلى مقتل ما بين 4,500 إلى أعداد أكبر بكثير من النساء والأطفال والمسنين). لقد شكلت هذه المجزرة محطة سوداء في سياسات الإنكار القومي والتطهير العقيلي والديموغرافي التي اتبعتها الدولة التركية الحديثة في عقودها الأولى، وظلت طويلاً طحيناً مسكوتاً عنه في الأروقة الرسمية، بينما تظل حية وراسخة في الذاكرة الجمعية للشعب الكُردي كرمز للمعاناة والظلم التاريخي الممنهج.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *