مقالات

القضية الكوردية: أزمة قوة أم أزمة استراتيجية؟

الجزء الثالث من ثلاثة: التفسيرات المتنافسة والمنهجية والاستنتاج

بقلم: مروان فلو

عرض الجزء الأول السؤال والإطار والمفاهيم، وعرض الثاني الإمكانات والحالات الأربع والتنسيق والاستقلالية. ويختبر هذا الجزء الأخير التفسيرات المتنافسة، ويحدد منهج الاختبار، ثم يعرض الاستنتاجات وحدودها.

ثامنًا: التفسيرات المتنافسة للمعضلة الاستراتيجية
حتى لا تتحول الدراسة إلى دفاع عن أطروحة مقررة سلفًا، ينبغي إخضاع ثلاثة تفسيرات رئيسة للمقارنة.

التفسير الأول: أولوية العوامل الداخلية
يرى أن الانقسام السياسي، وتعارض المصالح الحزبية، وضعف التنسيق، ومشكلات الحوكمة، ومحدودية المساءلة، تحد من قدرة الفاعلين الكورد على تحويل مواردهم إلى نتائج مستدامة. وتكمن قوته في أنه يركز على عوامل يمكن رصدها نسبيًا، مثل تنفيذ الاتفاقات واستمرارية المؤسسات وشفافية إدارة الموارد. وحدوده أنه قد يبالغ في تقدير قدرة الفاعلين المحليين على التحكم بمصائرهم، ويتجاهل أثر القوة العسكرية والاقتصادية للدول والقيود القانونية والتدخلات الخارجية. ولا يكفي لإثباته الإشارة إلى الانقسامات؛ بل يجب إظهار الآليات التي تربطها بنتائج محددة.

التفسير الثاني: أولوية القيود الخارجية
يركز على موازين القوى الإقليمية، وسياسات الدول المركزية، والتدخلات العسكرية، والقيود الاقتصادية والقانونية، وتبدل أولويات القوى الدولية. وتدعمه حقيقة أن الفاعلين الكورد يعملون في بيئات لا يملكون السيطرة عليها، وأن قرارات حاسمة تتخذها حكومات وجيوش وقوى دولية أقدر على فرض الوقائع. لكنه يصبح غير كافٍ إذا افترض أن جميع النتائج محددة خارجيًا، أو عجز عن تفسير اختلاف النتائج بين فاعلين يواجهون قيودًا متشابهة. ولا يعني ذلك أن الاختلاف يثبت وحده أثر العوامل الداخلية؛ فقد تختلف الموارد الأولية أو طبيعة التهديدات أو الترتيبات القانونية.

التفسير الثالث: التفاعل بين الداخل والخارج
يفترض أن النتائج تنشأ من تفاعل العاملين: فقد تحد الانقسامات من الاستفادة من فرصة دولية، وقد يضعف ضغط خارجي شديد مؤسسات جيدة التنظيم، وقد تضاعف هشاشة المؤسسات أثر التدخل الخارجي، بينما تمنح المؤسسات الفاعلة قدرة أفضل على إدارة الأزمات والتفاوض. ويمتاز هذا التفسير بقدرته على استيعاب تعدد العوامل، لكنه قد يصبح فضفاضًا إذا لم تُحدد الآليات التي تربط المتغيرات. ولا ينبغي اعتباره الصحيح لمجرد أنه أشمل؛ بل يجب أن يُنتج تنبؤات قابلة للمقارنة، وأن يواجه أدلة قد تضعفه.

تاسعًا: المنهجية – كيف تُختبر الأطروحة؟
تعتمد الدراسة منهج دراسة الحالات المقارنة مع تتبع العمليات التاريخية والمؤسسية داخل كل حالة. والهدف ليس ترتيب التجارب الكوردية بين نجاح وإخفاق، بل تحديد الظروف التي تفسر اختلاف النتائج.

  1. وحدة التحليل والفترة الزمنية
    تتمثل وحدة التحليل في فاعل سياسي أو مؤسسة إدارية أو ترتيب حكم محلي خلال فترة محددة، لا في “المجتمع الكوردي” بوصفه كتلة متجانسة. وتُحدد فترات المقارنة وفق أحداث سياسية أو مؤسسية موثقة، فلا تُفترض ظروف متماثلة في الدول الأربع للفترة نفسها.
  2. المتغيرات
    المتغيرات المستقلة المحتملة:
    درجة التنسيق السياسي بين الفاعلين.
    جودة المؤسسات واستمراريتها.
    مستوى الشرعية الاجتماعية والسياسية.
    تنوع العلاقات الخارجية ودرجة الاعتماد على شريك واحد.
    حجم الموارد الاقتصادية ومدى التحكم في إدارتها.
    شدة القيود الأمنية والقانونية والجيوسياسية.
    المتغيرات التابعة:
    استمرارية المؤسسات والقدرة على تقديم الخدمات.
    تنفيذ الاتفاقات السياسية.
    استقرار الحقوق والترتيبات القانونية.
    الحفاظ على المكاسب خلال الأزمات.
    مستوى الاستقلالية في القرارات الأساسية.

ولا يُقاس النجاح بمؤشر واحد، كالاعتراف الدولي أو الاستقرار الأمني أو الاستقلال السياسي؛ فقد يحقق الفاعل نتائج جيدة في مجال ومحدودة في آخر.

  1. المؤشرات والأدلة
    يتطلب الاختبار قاعدة بيانات قابلة للمراجعة: وثائق قانونية ودستورية، واتفاقات سياسية، وبيانات مالية، وتقارير مؤسسية موثوقة، وأبحاث محكمة، وتصريحات موثقة، ومقابلات عند توافر شروطها المنهجية والأخلاقية. وإذا تعذر قياس مؤشر في حالة ما، يُصرَّح بذلك بدل ملئه بتقديرات غير موثقة. ويجب كذلك التمييز بين التصريحات التي تعبر عن أهداف الفاعلين والأدلة التي تثبت تحققها.
  2. الفرضيات
    الفرضية المركزية: تزداد قدرة الفاعلين الكورد على تحويل مواردهم إلى نتائج مستدامة كلما توافرت مؤسسات أكثر استقرارًا، وآليات تنسيق أكثر فاعلية، وقدرة أعلى على إدارة العلاقات الخارجية؛ غير أن أثر هذه العوامل يتغير بشدة القيود الجيوسياسية والقانونية والأمنية.

وتتفرع عنها أربع فرضيات:

يرتبط ارتفاع التنسيق المؤسسي بزيادة القدرة على تنفيذ الاتفاقات والحفاظ على المكاسب، بعد مراعاة اختلاف الموارد والقيود.
ترتبط جودة الحوكمة واستمرارية المؤسسات بقدرة أكبر على تحويل الموارد إلى نتائج سياسية واجتماعية مستقرة.
يزيد الاعتماد المرتفع على شريك خارجي واحد التعرض للمخاطر عند تغير أولوياته، ويتفاوت الأثر بتوافر البدائل والموارد المحلية.
تحد القيود الخارجية الشديدة من أثر الإصلاحات الداخلية، لكنها لا تفضي إلى النتائج نفسها في كل الحالات.

ولا يكفي مثال واحد لإثبات أي فرضية؛ بل تُفحص حالات مؤيدة وأخرى مخالفة، ويُدرس التسلسل الزمني للأحداث، وتُراجع تفسيرات بديلة كاختلاف الموارد الأولية أو طبيعة النظام أو مستوى العنف.

  1. حدود المقارنة
    أهم التحديات: اختلاف الوضع القانوني للفاعلين، وتفاوت توافر البيانات، وصعوبة قياس الشرعية الاجتماعية، وتداخل المتغيرات الداخلية والخارجية. والحالات الأربع ليست تجارب متطابقة يمكن ضبط ظروفها؛ ولذلك لا تسمح المقارنة بإسناد السببية قطعًا ما لم تُدعَم بتحليل تفصيلي للعمليات والقرارات. فالصيغة الحالية إطار منهجي للاختبار، لا اختبارًا تجريبيًا مكتملًا.

عاشرًا: موقع الدراسة من الأدبيات
ترتبط الأطروحة بمسارات بحثية في القومية الكوردية، وبناء المؤسسات، والحكم الذاتي، والشرعية السياسية، والعلاقات الدولية. وتقدم أعمال أوفرا بنجيو عن النهضة الكوردية وبناء الأمة في وطن مجزأ مدخلًا لفهم العلاقة بين الهوية والانقسامات السياسية والجغرافية. وتساعد دراسات بناء الدولة والحكم في إقليم كردستان العراق على فحص العلاقة بين المؤسسات والسيادة والحوكمة. كما توضح بحوث الشرعية في الحالات التي تمارس حكمًا فعليًا دون اعتراف واسع الفجوة بين السيطرة الميدانية والاعتراف القانوني، وتضيف دراسات المياه والموارد والاقتصاد السياسي بعدًا مهمًا للقيود التي تواجه الحكم المحلي.
غير أن هذه الأدبيات ليست دليلًا مباشرًا على صحة مفهوم “القوة الوظيفية”؛ فهي تمد البحث بمفاهيم ونتائج مفيدة لبناء الفرضيات، أما صلاحية المفهوم فتحتاج إلى اختبار مستقل. ولا يصح التعامل معها كتلة متجانسة، فالدراسات التاريخية تختلف عن المؤسسية، وتلك التي تركز على الشرعية والقانون تختلف عن التي تركز على الأمن أو الاقتصاد السياسي. وتكمن الإضافة المحتملة للدراسة في الربط المنهجي بين هذه المستويات بمؤشرات تسمح بفحص العلاقة بين الموارد والتنظيم والقيود والنتائج؛ وهي إضافة تظل ادعاءً بحثيًا يحتاج إلى إثبات بمقارنة منظمة، لا مجرد اختلاف في المصطلحات.

حادي عشر: من الإمكانات إلى النتائج – سلسلة تحليلية مشروطة
يقترح الإطار خمس حلقات:

وجود الموارد والإمكانات: بشرية أو اقتصادية أو جغرافية أو مؤسسية.
القدرة على التعبئة: توافر مؤسسات وآليات تنظم الموارد وتحدد الأولويات.
التنسيق والشرعية: بناء توافق داخلي أو تعاون عملي، والحصول على قبول اجتماعي وسياسي كافٍ.
التفاوض وإدارة القيود: توظيف الموارد والعلاقات الخارجية ضمن موازين القوى القائمة.
تحقيق النتائج واستدامتها: تحول المكاسب إلى ترتيبات يمكن الحفاظ عليها.

هذه السلسلة ليست قانونًا سببيًا مثبتًا، بل نموذج لتنظيم البحث. وقد تتجاوز بعض الحالات حلقات معينة، أو تحقق مكاسب مؤقتة رغم ضعف المؤسسات، أو تفشل رغم ارتفاع التنسيق. وميزتها أنها تحدد موضع التعثر بدقة أكبر: في محدودية الموارد، أو ضعف التعبئة، أو غياب التوافق، أو ضيق هامش التفاوض، أو هشاشة المكاسب؛ فلا تفترض سببًا واحدًا لكل إخفاق، ولا تحول “الاستراتيجية” إلى تفسير شامل لا يمكن دحضه.

ثاني عشر: المناقشة – ما يمكن استنتاجه وما لا يمكن
يمكن استنتاج أن تقييم القضية الكوردية لا ينبغي أن يقتصر على قياس المظلومية التاريخية أو شدة الضغوط الخارجية، ولا على نقد الانقسامات الداخلية. فالمظلومية والقيود الخارجية تفسران جانبًا مهمًا من السياقات، لكن فهم تفاوت النتائج يتطلب دراسة عمل المؤسسات، وطبيعة المصالح، والقدرة على التنسيق، وحدود الموارد، وتغير البيئة الإقليمية.

وفي المقابل، لا يمكن القول إن الكورد كانوا قادرين على تحقيق أكثر لو امتلكوا استراتيجية موحدة فحسب؛ فهذا استنتاج مضاد للواقع يحتاج إلى أدلة. ولا يصح عدّ غياب الدولة المستقلة دليلًا كافيًا على فشل استراتيجي، فالأهداف تتراوح بين المساواة في الحقوق والحكم المحلي والفدرالية واللامركزية والاستقلال، ولا تُقاس بمقياس واحد. كما أن التنسيق لا يعني بالضرورة نتائج أفضل في كل الظروف، فقد يرفع تكاليف التوافق أو يفرض أولويات لا تناسب المجتمعات المحلية.

والأطروحة الأكثر اتزانًا إذن أن القدرة الاستراتيجية تتشكل من تفاعل الموارد والتنظيم والشرعية والخيارات السياسية والقيود الخارجية، وأن وزن كل عنصر يتغير من حالة إلى أخرى ومن مرحلة إلى مرحلة. وتبقى هذه الأطروحة إطارًا عامًا حتى تُحدد علاقاتها السببية وتُختبر بمؤشرات موثقة.

ثالث عشر: الخاتمة والتوصية البحثية
تنطلق الدراسة من العلاقة بين الإمكانات والقدرة على إنتاج نتائج مستدامة، ولا تنفي أثر المظلومية أو القمع أو موازين القوى، بل تستكملها بفحص دور المؤسسات والتنسيق والشرعية وإدارة العلاقات الخارجية. ومفهوما “الأمن القومي الكوردي” و”القوة الوظيفية” أداتان تحليليتان لا تُقاس صلاحيتهما بقوة الصياغة، بل بقدرتهما على تفسير الوقائع أدق من البدائل وإنتاج توقعات قابلة للاختبار.

التوصية: وضع الأطروحة تحت الاختبار. توصي الدراسة بعدم اعتماد فرضية “أزمة الاستراتيجية” حكمًا نهائيًا، وإخضاعها لاختبار مقارن منظم عبر ست خطوات:

تحديد الحالات والفترات: وحدات تحليل واضحة في العراق وسوريا وتركيا وإيران، وفترات تتوافر عنها أدلة مناسبة.
بناء قاعدة بيانات موثقة: عن الموارد وجودة المؤسسات والتنسيق والشرعية والعلاقات الخارجية والنتائج، مع بيان أوجه النقص.
اختبار التفسيرات المتنافسة: مقارنة التفسير الداخلي بالخارجي والتفاعلي دون افتراض تفوق أي منها.
فحص الحالات المخالفة: تنسيق مرتفع دون مكاسب مستدامة، أو مكاسب رغم ضعف التنسيق.
تطوير مفهوم القوة الوظيفية: تحديد شروط انطباقه والتمييز بين أداء الوظيفة واكتساب النفوذ وتحقيق المكسب المستدام.
مراجعة الأدلة والمراجع: توثيق وفق معيار موحد، والتحقق من بيانات النشر، والاعتماد على الوثائق الأولية.

فإذا أظهرت المقارنة أن تحسين التنسيق والحوكمة وتنويع العلاقات يرتبط بنتائج أفضل في ظروف متقاربة، اكتسبت الأطروحة دعمًا تجريبيًا. وإذا تبين أن القيود الخارجية تفسر معظم التفاوت، وجب تعديل وزن العوامل الداخلية. وإذا اختلفت النتائج بين الحالات، فقد يكون الاستنتاج الأدق أن القضية لا تعاني من أزمة واحدة، بل من معضلات تختلف أسبابها وآلياتها من سياق إلى آخر.

مراجع أولية مقترحة

  • Bengio, O. (Ed.). (2014). Kurdish Awakening: Nation Building in a Fragmented Homeland. University of Texas Press.
  • Eppel, M. (2016). A People Without a State: The Kurds from the Rise of Islam to the Dawn of Nationalism. University of Texas Press.
  • Jüde, J. (2017). Contesting borders? The formation of Iraqi Kurdistan’s de facto state. International Affairs, 93(4), 847-863.
  • Kaya, Z. N. (2020). Mapping Kurdistan: Territory, Self-Determination and Nationalism. Cambridge University Press.
  • Sunca, Y. (2020). The bifurcated trajectory of nation formation in Kurdistan: Democratic confederalism, nationalism, and the crisis of capitalist modernity. Nations and Nationalism, 26(4), 979-993.
  • Tas, L. (2016). How international law impacts on statelessness and citizenship: The case of Kurdish nationalism, conflict and peace. International Journal of Law in Context, 12(1), 42-62.
  • Küçükkeleş-Koru, M. (2023). Governing Iraqi Kurdistan: Self-Rule, Political Order and the International [أطروحة دكتوراه، University of Kent].
  • Salam, D. (2025). The interrelationship between sovereignty, state building, and good governance: The case of the Kurdistan Region. Democratization.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *