الكورد والقوة التي لا تُرى
من “الحاجة إليهم” إلى “الحاجة إلى استقرارهم”
بقلم: مروان فلو
هناك نوع من القوة لا يظهر في أعداد الجنود، ولا في حجم الترسانة العسكرية، ولا في الناتج المحلي، ولا في عدد السكان.
قوةٌ أكثر هدوءاً، لكنها قد تكون شديدة التأثير.
إنها القوة التي تنشأ عندما يصبح وجود طرف ما ووظيفته وموقعه جزءاً من مصالح أطراف أخرى.
وهنا أعتقد أن أحد أهم الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها الكورد على أنفسهم اليوم ليس:
من يقف معنا؟
بل سؤالاً مختلفاً تماماً:
من يحتاج إلينا؟ ولماذا؟ وإلى متى؟
والأهم من ذلك:
هل نستطيع أن نحول حاجة الآخرين إلينا من حاجة مؤقتة إلى مصلحة استراتيجية دائمة؟
هذا السؤال يقودنا إلى مفهوم يمكن أن يكون مهماً في التفكير الاستراتيجي الكوردي: القوة الوظيفية.
ليست المشكلة أن يكون الكورد ضعفاء دائماً
اعتاد النقاش السياسي الكوردي أن ينظر إلى القوة من زاوية تقليدية: عدد السكان، حجم القوات، الموارد الاقتصادية، السيطرة الجغرافية، الدعم الخارجي، والعلاقات الدولية.
وهذه كلها عناصر مهمة.
لكنها ليست كل شيء.
فقد يمتلك طرف صغير نسبياً وظيفة لا يستطيع الآخرون الاستغناء عنها بسهولة، فيصبح تأثيره أكبر من حجمه.
وقد يمتلك طرف آخر موارد ضخمة، لكنه يظل ضعيف التأثير لأن الآخرين يستطيعون تجاوز دوره أو إيجاد بدائل له.
إذن، ليست القضية دائماً:
كم نملك؟
بل أحياناً:
ما الذي نستطيع أن نفعله ولا يستطيع الآخرون الاستغناء عنه بسهولة؟
هذه هي نقطة البداية.
الكورد كانوا مهمين في أوقات كثيرة… ولكن ماذا بعد؟
إذا نظرنا إلى التاريخ الحديث، سنجد أن الكورد أدوا في مراحل مختلفة وظائف أمنية وعسكرية وجغرافية مهمة.
وفي السنوات الأخيرة، ظهر ذلك بصورة واضحة في الحرب ضد تنظيم “داعش”.
قاتلت القوات الكوردية، وقدمت تضحيات كبيرة، وأصبحت جزءاً مهماً من المعادلة التي اعتمد عليها التحالف الدولي في مواجهة التنظيم.
لكن هنا يجب أن نطرح سؤالاً لا يقل أهمية عن الانتصار العسكري نفسه:
ماذا يحدث عندما تنتهي الحرب؟
هذه هي المشكلة التي ينبغي ألا نتجاهلها.
فقد يحتاج إليك الآخرون عندما تكون هناك أزمة.
وقد يدعمونك عندما تكون هناك مصلحة عاجلة.
وقد يتعاونون معك عندما يكون هناك عدو مشترك.
لكن عندما تتغير الأولويات، يبدأ السؤال القديم بالعودة:
هل ما زالوا بحاجة إلينا؟
إذا كانت الإجابة “لا”، أو “ليس بالقدر نفسه”، فإن جزءاً كبيراً من القيمة السياسية التي امتلكتها خلال الأزمة يمكن أن يتراجع.
وهنا تكمن حدود ما يمكن تسميته بالوظيفة التكتيكية.
الوظيفة التكتيكية ليست عديمة القيمة… لكنها لا تكفي
ليس المقصود أن الوظيفة التكتيكية بلا قيمة.
على العكس.
إنها قد تكون الوسيلة التي تفتح الباب أمام علاقة أكبر.
لكن الخطأ هو الاعتقاد بأن أداء وظيفة مهمة يؤدي تلقائياً إلى مكسب سياسي دائم.
فالطرف الذي يساعدك على مواجهة عدو مشترك ليس بالضرورة مستعداً لأن يصبح شريكاً استراتيجياً لك بعد انتهاء المواجهة.
وهنا يظهر الفرق بين أمرين:
أن يحتاج الآخرون إلى ما تفعله.
وأن:تصبح مصالحهم مرتبطة باستمرار قدرتك على فعله.
الأولى يمكن أن تنتهي.
أما الثانية فتبني علاقة أكثر عمقاً.
القوة تبدأ عندما يصبح استبدالك مكلفاً
في العلاقات الدولية، ليست أهمية الوظيفة مرتبطة فقط بحجم فائدتها، وإنما أيضاً بمدى سهولة استبدالها.
إذا كان بإمكان دولة ما أن تحصل على الخدمة نفسها من طرف آخر، فإن قدرتها على الضغط عليك تكون أكبر.
أما إذا كان استبدال هذه الوظيفة مكلفاً، فإن العلاقة تصبح مختلفة.
وهذا أحد الدروس المهمة في نظرية الاعتماد المتبادل لدى روبرت كيوهين وجوزيف ناي.
فليس المهم فقط أن تعتمد على طرف آخر، وإنما أيضاً: ما تكلفة إيجاد البديل؟
ومن هنا يمكن أن نضع قاعدة بسيطة:
“كلما ازدادت قيمة الوظيفة، وقلت البدائل المتاحة لها، ارتفعت قيمتها الاستراتيجية.”
وهنا يمكن للكورد أن يبدأوا التفكير بطريقة مختلفة.
لا نريد أن نكون مجرد قوة مطلوبة في الحرب.
نريد أن نصبح جزءاً من منظومة يحتاج الجميع إلى استقرارها.
ماذا يعني ذلك عملياً؟
هناك مجالات عديدة يمكن أن تتحول فيها الوظيفة الكوردية من وظيفة مؤقتة إلى وظيفة استراتيجية.
أولها الأمن.
لا ينبغي أن ينحصر الدور الكوردي في مكافحة تنظيم إرهابي بعينه.
الإرهاب قد يتغير.
لكن الأمن لا ينتهي.
هناك الحدود، والتهريب، والجريمة المنظمة، وتدفق السلاح، والتطرف، والمعلومات، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية.
وهكذا يمكن أن تنتقل الفكرة من:
“الكورد يحاربون الإرهاب”
إلى:
“المؤسسات الكوردية جزء من منظومة الأمن الإقليمي”.
الفرق بين الجملتين هو الفرق بين وظيفة تنتهي بانتهاء الحرب، ووظيفة تستمر بعد الحرب.
الجغرافيا الكوردية ليست مجرد أرض
المجال الجغرافي الكوردي يقع في منطقة شديدة الحساسية من الشرق الأوسط.
العراق وتركيا وإيران وسوريا تتقاطع هنا.
طرق التجارة والطاقة والأمن والهجرة وحركة السكان تتقاطع أيضاً.
لكن امتلاك موقع جغرافي مهم لا يعني امتلاك قوة تلقائياً.
الجغرافيا وحدها لا تكفي.
القوة تبدأ عندما تتحول الجغرافيا إلى:
طرق حديثة،
معابر منظمة،
مناطق صناعية،
مراكز لوجستية،
شبكات طاقة،
أسواق،
استثمارات،
ومؤسسات قادرة على إدارة كل ذلك.
عندها يصبح الموقع الجغرافي أصلاً استراتيجياً.
النفط وحده لا يصنع قوة
هذه قاعدة أخرى ينبغي أن تكون واضحة.
وجود النفط والغاز مهم.
لكن النفط الموجود تحت الأرض ليس هو القوة بحد ذاته.
القوة تظهر عندما توجد منظومة متكاملة من الإنتاج والنقل والتخزين والاستثمار والأسواق.
فالذي يسيطر على جزء من سلسلة الطاقة يستطيع التأثير.
لكن الذي يصبح جزءاً لا يمكن تجاوزه بسهولة من سلسلة الطاقة الإقليمية يمتلك وظيفة أكثر استدامة.
وهنا يمكن أن يتحول النفط من مجرد مورد للبيع إلى وسيلة لبناء شبكة مصالح.
وحتى الطريق يمكن أن يصبح قوة
قد يبدو الطريق مجرد طريق.
لكن الطريق الذي يربط الأسواق والموانئ ومراكز الإنتاج يمكن أن يكون أكثر من ذلك بكثير.
ومع تطور مشاريع النقل والربط التجاري في العراق والمنطقة، يمكن للموقع الكوردي أن يكتسب أهمية متزايدة في بعض مسارات التجارة بين العراق وتركيا والأسواق الأوروبية.
وهنا يجب ألا يكون التفكير في المعبر الحدودي باعتباره مجرد نقطة لتحصيل الرسوم.
بل باعتباره جزءاً من:
اقتصاد الممر.
النقل.
التخزين.
الخدمات.
الصناعة.
الجمارك.
الاستثمار.
والتجارة العابرة للحدود.
عندها لا تصبح الجغرافيا مجرد موقع على الخريطة، بل تصبح شبكة مصالح.
لا تقولوا: “نحن نحميكم فامنحونا حقوقنا”
ربما تكون هذه أكثر النقاط حساسية.
من السهل أن نقول:
نحن نحمي حدودكم، ونحارب الإرهاب، ونؤمن الطاقة، ولذلك يجب أن تمنحونا حقوقنا.
لكن هذه المعادلة تحمل خطراً.
لأنها تجعل الحقوق الكوردية وكأنها ثمناً لخدمة.
والدول لا تبني علاقاتها الاستراتيجية على الخدمات المجانية.
المعادلة الأكثر صلابة هي:
لدينا قدرات وموقع ومؤسسات تستطيع أن تحقق مصالح مشتركة؛ وأنتم تستفيدون من استمرار هذه المصالح؛ ولذلك فإن استقرار هذه المؤسسات أصبح جزءاً من مصالحكم أيضاً.
هذا تحول مهم جداً.
إنه الانتقال من:
المقايضة
إلى:
المصلحة المشتركة.
ومن:
طلب الدعم
إلى:
إنتاج القيمة.
ومن:
التبعية
إلى:
الاعتماد المتبادل.
درس 1975 الذي لا ينبغي نسيانه
من الصعب فهم هذه المسألة من دون العودة إلى تجربة عام 1975.
كانت الحركة الكوردية في العراق تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الإيراني في صراعها مع بغداد.
لكن إيران كانت لديها مصالحها الخاصة في صراعها مع العراق.
وعندما تغيرت هذه المصالح، وتوصلت طهران وبغداد إلى اتفاق الجزائر في آذار/مارس 1975، توقف الدعم الإيراني للحركة الكوردية، ووجدت الأخيرة نفسها أمام واقع عسكري وسياسي بالغ الصعوبة.
الدرس هنا ليس أن “الحلفاء سيخونوننا”.
هذه قراءة مبسطة.
الدرس الأكثر عمقاً هو:
“لا ينبغي أن تكون حياة المشروع السياسي الكوردي مرتبطة بإرادة طرف خارجي واحد.”
الحلفاء مهمون.
والعلاقات الخارجية ضرورية.
لكن القوة الاستراتيجية تبدأ عندما يمتلك الطرف أكثر من خيار.
المؤسسة أقوى من الشخص
إذا أردنا بناء قوة طويلة الأمد، فلا يمكن أن تبقى الوظائف الاستراتيجية مرتبطة بحزب واحد أو قائد واحد.
الأشخاص يتغيرون.
الحكومات تتغير.
التحالفات تتغير.
لكن المؤسسة تستطيع الاستمرار.
ولهذا فإن بناء المؤسسات ليس قضية إدارية فقط.
إنه استثمار في القوة السياسية.
نحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة:
الأمن،
الحدود،
الطاقة،
المعابر،
الاقتصاد،
المعلومات،
العلاقات الخارجية،
والبنية التحتية.
وعندما تصبح هذه الوظائف مؤسساتية، فإن الآخرين لا يتعاملون مع “شخص” أو “حزب”، وإنما مع بنية يمكن التفاوض معها والتعامل معها والاستثمار فيها.
وهنا تصبح المؤسسة نفسها جزءاً من القوة.
لكن المؤسسة تحتاج إلى الشرعية
هناك شرط آخر لا يمكن تجاهله:
الشرعية.
فالمؤسسة التي تفتقر إلى الشرعية الداخلية تكون هشة.
والمؤسسة التي تعجز عن التعامل مع محيطها الإقليمي والقانوني تصبح محدودة الحركة.
ولهذا فإن القوة الاستراتيجية تحتاج إلى ثلاثة مستويات:
شرعية داخلية.
قدرة مؤسسية.
قابلية للتعامل الإقليمي والدولي.
ومن اجتماع هذه العناصر تبدأ الوظيفة في اكتساب صفة استراتيجية.
وهناك شيء آخر: يجب ألا نعتمد على الآخرين أكثر مما يعتمدون علينا
هذه ربما إحدى أهم قواعد الاستقلال الاستراتيجي.
فإذا أصبح الأمن الكوردي مرتبطاً بدولة واحدة، والاقتصاد بدولة واحدة، والطاقة بسوق واحدة، والتجارة بمعبر واحد، فإن القوة تصبح معرضة للضغط.
حتى لو كان الآخرون يحتاجون إلى الكورد.
ولهذا فإن القوة الوظيفية تحتاج إلى شيء يمكن تسميته:
المرونة الاستراتيجية.
أي القدرة على العمل حتى عندما تتغير الظروف.
تنويع الشركاء.
تنويع الأسواق.
تنويع مصادر الدخل.
تنويع العلاقات الدبلوماسية.
تنويع أدوات القوة.
فالقوة ليست فقط في أن تجعل الآخرين يحتاجون إليك.
القوة أيضاً في ألا تصبح أنت عاجزاً عندما يتغير موقف أحدهم.
من “الشريك الأمني” إلى “الشريك الاستراتيجي”
الشريك الأمني يساعدك على حل مشكلة.
أما الشريك الاستراتيجي فيشارك في إدارة منظومة مصالح.
هذه هي النقلة التي ينبغي التفكير فيها.
أن لا يكون الدور الكوردي:
“نحتاج إليهم عندما يكون هناك خطر”.
بل:
“استقرار المؤسسات الكوردية جزء من استقرار منظومة أوسع”.
عندها تصبح العلاقة مختلفة تماماً:
الأمن يصبح مصلحة مشتركة.
والطاقة تصبح مصلحة مشتركة.
والتجارة تصبح مصلحة مشتركة.
والحدود تصبح مصلحة مشتركة.
والاستقرار السياسي يصبح مصلحة مشتركة.
وهنا تبدأ القوة في الانتقال من المجال العسكري إلى المجال الجيوسياسي.
هل يعني ذلك أن القوة الوظيفية ستؤدي إلى الاعتراف السياسي؟
لا.
ليس هناك قانون في العلاقات الدولية يقول إن تقديم وظيفة استراتيجية يؤدي تلقائياً إلى الاعتراف السياسي.
لكن شيئاً آخر يمكن أن يحدث.
يمكن أن تتغير حسابات الأطراف الأخرى.
فكلما أصبحت المؤسسات الكوردية أكثر أهمية في الأمن والاقتصاد والطاقة والتجارة، أصبح تجاهلها أكثر صعوبة.
وهنا يمكن أن يتطور المسار تدريجياً:
من التجاهل، إلى التعامل، إلى الشراكة، إلى الاعتراف بالدور المؤسسي.
وما يأتي بعد ذلك يعتمد على الظروف السياسية والقانونية الخاصة بكل جزء من كوردستان.
وهذا مهم للغاية.
فلا توجد صيغة سياسية واحدة يمكن إسقاطها على العراق وسوريا وتركيا وإيران.
لكن توجد قاعدة استراتيجية يمكن أن تنطبق على الجميع:
“كلما زادت قدرتك على إنتاج قيمة لا يستطيع الآخرون الاستغناء عنها بسهولة، زادت قدرتك على التأثير في حساباتهم.”
القوة العسكرية مهمة… لكنها ليست كل شيء
لا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام أن القوة العسكرية لم تعد مهمة.
هي مهمة.
وفي بيئة إقليمية مضطربة، القدرة على الدفاع عن النفس ضرورة.
لكن الجيش يستطيع ردع الخطر.
ولا يستطيع وحده بناء اقتصاد.
ولا يستطيع وحده إدارة علاقات إقليمية.
ولا يستطيع وحده حماية المكاسب السياسية.
القوة العسكرية تحمي.
الاقتصاد يربط.
الجغرافيا تفتح المجال.
الدبلوماسية تدير العلاقات.
المؤسسات تحفظ المكتسبات.
والشرعية تمنحها الاستمرارية.
القوة الحقيقية هي تفاعل كل هذه العناصر.
السؤال الذي يجب أن يتغير
ربما آن الأوان لأن نغير أحد الأسئلة التقليدية في التفكير السياسي الكوردي.
بدلاً من السؤال:
“من سيدعمنا؟”
ينبغي أن نسأل:
“ماذا نستطيع أن نبني بحيث يصبح استقرارنا مصلحة للآخرين؟”
وبدلاً من السؤال:
“من يحتاج إلى قواتنا؟”
نسأل:
“كيف نجعل الأمن الذي ننتجه جزءاً من منظومة أمن إقليمية؟”
وبدلاً من:
“كيف نستخدم النفط للحصول على الدعم؟”
نسأل:
“كيف نحول الطاقة إلى شبكة مصالح طويلة الأمد؟”
وبدلاً من:
“كيف نستفيد من موقعنا؟”
نسأل:
“كيف نحول موقعنا إلى عقدة تجارية وطاقة ونقل لا يمكن تجاوزها بسهولة؟”
هذه الأسئلة مختلفة.
لكنها ربما تقود إلى سياسة مختلفة أيضاً.
من الورقة إلى الفاعل
عانى الكورد طويلاً من أن تتحول قضيتهم، في بعض مراحل التاريخ، إلى ورقة في صراعات أكبر منهم.
والخروج من هذا الوضع لا يكون بالبحث المستمر عن “حليف أكبر”.
بل ببناء عناصر قوة تجعل الآخرين يتعاملون مع الكورد باعتبارهم فاعلاً يمتلك مصالح وأدوات وخيارات.
أي الانتقال:
من الاعتماد على الحليف إلى تعدد الشركاء؛
ومن طلب الحماية إلى إنتاج الأمن؛
ومن تصدير الموارد إلى بناء شبكات اقتصادية؛
ومن امتلاك الجغرافيا إلى إدارة الجغرافيا؛
ومن قوة الحزب إلى قوة المؤسسة؛
ومن الوظيفة المؤقتة إلى المصلحة المستدامة؛
ومن القوة التكتيكية إلى القوة الاستراتيجية.
الخلاصة: لا نريد أن يحتاجوا إلينا… ثم يستغنوا عنا
المطلوب ليس أن يبحث الكورد عن أزمات تجعل الآخرين يحتاجون إليهم.
بل أن يبنوا وظائف لا تنتهي بانتهاء الأزمات.
هذه هي الفكرة التي ينبغي أن تدخل إلى النقاش الكوردي بوضوح:
القوة لا تعني فقط أن تمتلك شيئاً يحتاج إليه الآخرون.
القوة الاستراتيجية تعني أن تجعل مصالح الآخرين مرتبطة، بدرجة ما، باستمرار قدرتك على إنتاج الأمن والاقتصاد والاستقرار، وأن تمتلك في الوقت نفسه من الخيارات ما يمنع تحولك أنت إلى طرف تابع.
من هنا يبدأ التحول:
وظيفة —> مؤسسة —> شرعية —> مصلحة مشتركة —> اعتماد متبادل —> مرونة استراتيجية —> نفوذ سياسي.
وقد لا يؤدي هذا المسار إلى نتيجة سياسية واحدة أو محددة سلفاً.
لكنه يغير شيئاً أكثر أهمية:
يغير موقع الكورد داخل حسابات الآخرين.
فبدلاً من أن يكون السؤال:
“من سيستخدم الورقة الكوردية؟”
يمكن أن يصبح السؤال:
“كيف نتعامل مع فاعل أصبح استقراره جزءاً من مصالحنا؟”
وهنا، في رأيي، تكمن إحدى الأفكار التي لم تأخذ حتى الآن ما تستحقه من النقاش في الفكر السياسي الكوردي:
لا ينبغي للكورد أن يبحثوا فقط عن القوى التي تحتاج إليهم في لحظة معينة؛ بل ينبغي أن يبنوا منظومة قوة تجعل استقرارهم ومؤسساتهم وموقعهم ومصالحهم جزءاً من الحسابات الاستراتيجية الدائمة للآخرين.
هذه ليست وصفة سريعة.
إنها مشروع طويل.
لكن كل مشروع استراتيجي حقيقي يبدأ بتغيير السؤال الذي نطرحه على أنفسنا.
