لماذا يُحارَب الكوردي عندما يتحدث عن تاريخه؟
لماذا يُحارَب الكوردي عندما يتحدث عن تاريخه؟ بقلم الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد
هناك سؤال يلاحقني منذ سنوات طويلة، وأنا أبحث وأقرأ وأقارن بين المصادر والوثائق والروايات: لماذا عندما يتحدث الكوردي عن تاريخه، عن جذوره، عن حضارات المنطقة، وعن دوره في هذه الأرض، يتحول النقاش عند البعض إلى سيل من الشتائم والتشهير والتنمر؟
أنا لا أتحدث هنا عن اختلاف علمي محترم، فالاختلاف حق، والنقد حق، والرد بالمصدر حق. بل أتحدث عن شيء آخر تمامًا: ألفاظ بذيئة، إساءات شخصية، تشويه للسمعة، سخرية من الشكل والصوت واللهجة، ومحاولات مستمرة لإسكات من يطرح رواية تاريخية لا تعجب هذا الطرف أو ذاك.
وأنا شخصيًا، كباحث ومؤرخ كوردي، تعرضت وما زلت أتعرض لهذا النوع من الهجوم. لا يناقش بعضهم ما أكتبه، بل يناقشون شخصي. لا يقدمون وثيقة مضادة، بل يقدمون الشتيمة. لا يردون على المرجع بمرجع، بل يردون بالتنمر والتشهير.
وهنا أسأل بوضوح: إن كنتم واثقين من روايتكم، فلماذا تخافون من البحث؟
إذا كان ما أطرحه خطأ، فهاتوا الدليل. افتحوا الكتب، قدموا النصوص، ناقشوا التاريخ بالتاريخ. أما أن يتحول الرد إلى السب والشتم، فهذه ليست قوة حجة، بل إعلان واضح عن العجز.
الكوردي لم يعد مضطرًا إلى أن يعتذر لأنه يبحث عن تاريخه. ولم يعد مطلوبًا منه أن يصمت حتى لا يغضب الآخرين. نحن شعب من حقه أن يسأل: من عاش في هذه الجبال؟ من بنى هذه المدن؟ من حكم هذه المناطق؟ ما أسماء الشعوب والقبائل والممالك التي ظهرت في زاغروس وميزوبوتاميا وشمال الهلال الخصيب؟
هذه أسئلة تاريخية مشروعة، وليست جريمة.
المشكلة أن بعض الناس تعودوا لعقود طويلة على تاريخ يُكتب من زاوية واحدة. وعندما يظهر صوت كوردي يقول: لدي قراءة أخرى، لدي وثائق أخرى، لدي أسماء قديمة، لدي خرائط ونقوش ومصادر، يشعر البعض وكأن مجرد وجود هذا الصوت تهديد لهم.
لكن التاريخ ليس ملكًا لأحد.
التاريخ لا يُحسم بالصراخ، ولا بعدد الحسابات الوهمية، ولا بعدد الشتائم في التعليقات. التاريخ يُناقش بالنصوص، بالنقوش، بالآثار، بالجغرافيا التاريخية، وبالمصادر التي يمكن فحصها ومقارنتها.
ومن يختلف معي، فمرحبًا به.
لكن ليختلف معي بعلم، لا بقلة أدب.
يناقش ما كتبت، لا صورتي.
يرد على حجتي، لا على اسمي.
يأتيني بمصدر، لا بشتيمة.
أما الذين يظنون أن التنمر والتشهير سيجعلانني أتوقف، فأقول لهم: أنتم لم تفهموا طبيعة الباحث. كلما ازداد الهجوم، ازداد السؤال إلحاحًا. وكلما حاول البعض دفن موضوع، ازداد فضولي لفتحه والبحث فيه أكثر.
أنا لا أطلب من أحد أن يوافقني.
ولا أقول إن كل ما أكتبه مقدس أو غير قابل للنقد.
الباحث الحقيقي يراجع نفسه، ويصحح، ويغير رأيه عندما يظهر دليل أقوى.
لكن ما لن أقبله هو تحويل النقاش التاريخي إلى محكمة شتائم، لأن التاريخ أكبر من الجميع.
ومن هنا أقول لكل كوردي مهتم بتاريخ شعبه: اقرأ، ابحث، قارن، لا تكرر الكلام لمجرد أنه يعجبك، ولا تخف أيضًا من طرح الأسئلة الصعبة. لا تجعل أحدًا يقنعك بأن الحديث عن تاريخك “استفزاز”. الشعوب التي تحترم نفسها تبحث في ماضيها، وتوثقه، وتناقشه.
أما أنا فسأستمر في البحث والكتابة، وسأقول ما أصل إليه بحسب قراءتي ومصادري، سواء أرضى ذلك البعض أم أغضبهم.
فالشتيمة لا تمحو نقشًا.
والتنمر لا يغير خريطة.
والتشهير لا يحذف وثيقة.
والصراخ لا يعيد كتابة التاريخ.
من يملك الدليل، فليتفضل إلى ساحة البحث.
ومن لا يملك إلا الشتيمة، فقد أجاب عن نفسه قبل أن يجيب عني.
الباحث والمؤرخ الكوردي
أمير أبو حديد
