الكرد في سوريا..من جــذور التــاريخ إلى شــراكة بنــاء الوطــن والتمـسك بالحـ.ـقوق
لا يقتصر حضور الكرد في سوريا على القضية القومية أو المطالب السياسية التي برزت خلال العقود الماضية، إذ تشير قراءات تاريخية ودراسات متعددة إلى أن الوجود الكردي في البلاد يمتد عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وتعمّق حضوره في عدد من المدن والمناطق السورية خلال العصور الإسلامية، وصولاً إلى مرحلة تأسيس الدولة السورية الحديثة.
ويرى باحثون أن الكرد كانوا جزءاً من النسيج الاجتماعي السوري، وشاركوا إلى جانب مختلف المكونات في الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية، كما كان لهم حضور في مقاومة الانتداب الفرنسي، بالتزامن مع تطور حركة سياسية كردية طالبت بالاعتراف بالهوية والحقوق الثقافية والسياسية للكرد ضمن إطار الدولة السورية.
يرتبط النقاش حول الجذور القديمة للكرد في سوريا بقراءات تاريخية تتناول شعوباً وممالك قديمة عاشت في بلاد الرافدين، ومنها الهوريون والميتانيون. ويرى بعض الباحثين في التاريخ الكردي أن هذه الشعوب تمثل جزءاً من السياق التاريخي لتشكل الشعب الكردي، مستندين إلى انتشارها في مناطق امتدت من جبال زاغروس إلى أعالي الفرات والخابور.
وتبرز منطقة الجزيرة السورية في هذا السياق بسبب غناها بالمواقع الأثرية، ومن بينها تل براك، وتل حلف، وتل الفخيرية، وتل جاغر بازار، وتل ليلان، التي كشفت عن طبقات حضارية متعاقبة تعود إلى آلاف السنين، بما في ذلك مراحل ارتبطت بالحضارتين الهورية والميتانية.
غير أن الأدلة التاريخية الأكثر وضوحاً حول الوجود الكردي في سوريا تظهر خلال العصور الإسلامية، ولا سيما منذ العهد الأيوبي. فقد استقر الكرد في دمشق، وعُرف لهم حي باسم «حي الأكراد»، كما تشير الدراسات إلى وجودهم التاريخي في حلب ومناطق أخرى.
وفي شمال غرب سوريا، ارتبط الوجود الكردي بشكل خاص بمنطقة عفرين وجبل الكرد، حيث استقرت تجمعات كردية في القرى والمناطق الزراعية والجبلية، وحافظت على لغتها وعاداتها وروابطها الاجتماعية عبر أجيال متعاقبة.
مع تشكل الدولة السورية الحديثة، دخلت علاقة الكرد بالدولة مرحلة جديدة. فقد أصبحوا جزءاً من التركيبة السكانية والسياسية والاجتماعية للبلاد، فيما بدأت قضايا الهوية واللغة والثقافة تأخذ حيزاً متزايداً في النقاش العام.
وشارك أبناء المكون الكردي في مؤسسات الدولة والجيش والإدارة والحياة السياسية والثقافية، ولم يقتصر نشاطهم على الحركة السياسية الكردية. وتبرز في التاريخ السوري أسماء عديدة من أصول كردية شغلت مواقع بارزة في الدولة والمجتمع.
ومن أبرز هذه الشخصيات يوسف العظمة، الذي قاد معركة ميسلون عام 1920 في مواجهة القوات الفرنسية واستشهد خلالها، ليصبح أحد رموز المقاومة الوطنية السورية. كما برزت شخصيات أخرى في المؤسسة العسكرية والسياسية، بينها حسني الزعيم، وتوفيق نظام الدين، وفوزي سلو، وأديب الشيشكلي.
وفي المجال الثقافي والتعليمي، برز محمد كرد علي، الذي تولى وزارة المعارف ورئاسة المجمع العلمي العربي، فيما أصبح خالد بكداش أول نائب شيوعي منتخب في البرلمان السوري عام 1954، وقاد الحزب الشيوعي السوري لعقود.
كما كان للكرد حضور في المجال الديني والثقافي، ومن أبرز الأسماء أحمد كفتارو ومحمد سعيد رمضان البوطي، إلى جانب شخصيات أخرى ساهمت في الحياة العامة السورية بمختلف مجالاتها.
مع تصاعد التيارات القومية العربية وتطبيق سياسات أثرت في الحقوق الثقافية والمدنية للكرد، ولا سيما بعد إحصاء الحسكة عام 1962، تحولت القضية الكردية تدريجياً إلى ملف سياسي واجتماعي حساس.
وشملت السياسات المتبعة في مراحل مختلفة قيوداً على اللغة والثقافة الكرديتين، وأثرت الإجراءات القانونية على أوضاع شريحة من السكان الكرد، ما دفع الحركة السياسية الكردية إلى التركيز بصورة أكبر على قضايا الهوية واللغة والحقوق الثقافية والسياسية.
ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا المسار إلى خروج الكرد من الحياة الوطنية السورية، بل استمر حضورهم في مؤسسات الدولة والمجتمع، بالتوازي مع تنامي المطالب المتعلقة بالاعتراف بالهوية واللغة والثقافة الكردية.
وتظهر قراءة هذا التاريخ أن علاقة الكرد بسوريا لا يمكن اختزالها في الصراع السياسي أو المطالب القومية وحدها، بل هي علاقة متداخلة مع تاريخ البلاد الاجتماعي والسياسي والعسكري والثقافي. ومن هذا المنطلق، يطرح النقاش حول الحقوق الكردية اليوم سؤالاً أوسع يتعلق بكيفية بناء دولة تعترف بتنوع مكوناتها، وتحفظ حقوقها الثقافية واللغوية والسياسية ضمن إطار المواطنة والمساواة.
المصدر: روز برس
