تشكُّل القومية الآشورية المعاصرة: بين الهندسة الاستعمارية والسياقات التاريخية في شمال ميزوبوتاميا
إعداد: مروان فلو
مقدمة
شهدت منطقة الشرق الأوسط في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تحولات سياسية واجتماعية عميقة، أسهمت في إعادة تشكيل الهويات الجماعية وفق مفاهيم القومية الحديثة. وفي هذا السياق، برزت “القومية الآشورية المعاصرة” كحراك سياسي وهوياتي معقد، تقاطعت فيه المؤثرات الإرسالية الغربية مع المصالح الجيوسياسية للقوى الإستعمارية، مما يطرح تساؤلات أكاديمية حول حدود الاستمرارية التاريخية وعوامل التشكيل الحديث لهذه الهوية.
- التوزع الجغرافي والسياق الديموغرافي: بين الجبل والسهل
تظهر المصادر التاريخية والوثائق المدونة من قِبل الرحالة الغربيين—مثل الإيطالي بيترو ديلا فالي (Pietro Della Valle) في القرن السابع عشر—أن التجمعات السكانية المسيحية الناطقة بالآرامية الشرقية (الذين عُرفوا تاريخياً بالنساطرة والكلدان) كانت تتوزع في نسيج جغرافي ممتد بين السهول والتضاريس الجبلية الوعرة.
- إقليم حكاري والمناطق الجبلية: شكلت جبال حكاري وماردين وديار بكر ملاذاً ممتداً للعديد من العشائر والقيادات الدينية (مثل سلالة مار شمعون).
- سهول نينوى وتور عبدين: في المقابل، استقرت تجمعات مسيحية أخرى في السهول الخصبة.
إن التركيز السكاني في المناطق الجبلية كان نتاج تقلبات سياسية وضغوط أمنية عبر القرون، غير أن محاولة اختزال التاريخ القومي في جغرافية واحدة يغفل طبيعة التطور الديموغرافي للإقليم.
- الدور الاستعماري والانتداب البريطاني (1914 – 1934)
تكشف الوثائق والأرشيفات الدبلوماسية—ولاسيما وثائق المكتب الاستعماري البريطاني لعام 1920 ورسائل المندوب السامي السير بيرسي كوكس (Sir Percy Cox)—عن توظيف القوى الإمبريالية للتوازنات العرقية والدينية في المنطقة:
- تشكيل قوات “الليفي” (Assyrian Levies): استغلت السلطات البريطانية هذه المجتمعات لتشكيل وحدات عسكرية عُرفت بـ “مجندي الليفي” لحماية المصالح البريطانية وتثبيت النفوذ في شمال العراق، مما خلق حالة من التوتر والمواجهة المباشرة مع الجوار الكوردي والعربي. مشاريع إعادة التوطين الدولية: بعد أحداث عام 1933، تظهر وثائق عصبة الأمم والسجلات البريطانية لعام 1934 طرح مشاريع مختلفة لتهجير وإعادة توطين هذه المجموعات في مناطق نائية مثل غيانا البريطانية (British Guiana) أو البرازيل، مما يعكس استخدام هذه الطوائف كأوراق في لعبة المصالح الدولية بدلاً من تأسيس كيان مستقل لها.
- التحول اللغوي والتسمية: من الانتماء الديني إلى القومية الحديثة
تكمن إحدى أبرز الإشكاليات الأكاديمية في الانتقال الهوياتي من التوصيف الديني الطائفي إلى التسمية القومية السياسية:
- سقوط الإمبراطورية الآشورية (612 ق.م): عقب اندحار نينوى، اندمج سكان المنطقة لغوياً وثقافياً في ظل الإمبراطوريات المتعاقبة (الميدية ،الأخمينية، البارثية، والساسانية). ولم تُستخدم كلمة “آشوري” في المصادر الإسلامية أو السريانية الوسيطة لتحديد قومية سياسية قائمة، بل كان الانتماء يُعرف عبر الانتماء الكنسي (كنيسة المشرق، الكنيسة السريانية).
- دور البعثات الإرسالية والمستشرقين: في القرن التاسع عشر، ساهم المستكشفون الغربيون (مثل أستن هنري لايارد) والمبشرون البريطانيون والأمريكيون في إعادة إحياء مصطلح “آشوريين” وتطبيقه على المسيحيين الناطقين بالآرامية الشرقية، ربطاً بالاكتشافات الأثرية في نينوى ونمروذ. الواقع الجيني واللغوي: تؤكد الدراسات الجينية والأنثروبولوجية الحديثة أن هذه المجموعات المسيحية تُعد جماعات عرقية ناطقة باللغات الآرامية الشرقية، احتفظت بخصائصها الجينية نتيجة الزواج الداخلي عبر القرون، وهي مجتمعات قائمة بذاتها لغوياً وتاريخياً، ومتميزة عن جيرانها من الكزرد والأعرب.
- التداعيات السياسية والصراعات الإقليمية
أدت السياسات الاستعمارية ومحاولات إعادة التوطين والمناورات السياسية في ثلاثينيات القرن الماضي إلى صدامات مأساوية وتوتر دائم مع القوى المحلية والكوردية (كما ظهر خلال أحداث بارزان وثورة 1931-1932). لقد حُوّلت التطلعات الهوياتية في كثير من الأحيان إلى أدوات في يد القوى الخارجية، مما حال دون بناء صيغ تعايش مستقرة في الإقليم.
الخلاصة
إن قراءة التاريخ بعين أكاديمية تقتضي التمييز بين الأصالة التاريخية للمسيحيين الناطقين بالآرامية كعنصر أصيل في نسيج الشرق الأوسط، وبين الخطاب السياسي للقومية الآشورية الحديثة الذي تبلور في أتون التنافس الاستعماري خلال القرن العشرين. إن إعادة قراءة هذا التاريخ عبر الوثائق المعتمدة تجنبنا إسقاط المفاهيم القومية الحديثة على الصراعات القديمة، وتكشف أثر التدخلات الخارجية في تشكيل خريطة النزاعات الإقليمية.
