612 ق.م: التأسيس السياسي الأول للشعوب الزاغروسية
الكاتب: حسين قاسم ” بيوراسب”
شهدت منطقة زاغروس في القرن السابع قبل الميلاد تحولًا تاريخيًا حاسمًا غيّر وجه الشرق القديم. ففي سنة 612 قبل الميلاد، ظهرت لأول مرة قوة سياسية جبليّة موحّدة قادرة على فرض إرادتها على السهول، وهي القوة الميدية التي قادت شعوب زاغروس نحو مرحلة جديدة من التاريخ. كانت هذه السنة لحظة ولادة زاغروس السياسية، اللحظة التي خرجت فيها الشعوب الجبلية من حالة التشتت إلى الفعل المباشر، بعد قرون من الضغط الآشوري.
قبل هذا الحدث، كانت زاغروس موطنًا لشعوب عريقة مثل الهوريين والميتانيين والكاشيين، وهي شعوب غير سامية تنتمي إلى المجال الجبلي الممتد من كردستان إلى الأناضول الشرقي. هذه الشعوب شكّلت الأساس العرقي والثقافي الذي ظهر لاحقًا في الميديين، القوة التي استطاعت توحيد القبائل الجبلية تحت قيادة كَيخسرو، وتحويلها إلى جيش منظم يعتمد على خبرة القتال في المرتفعات، وعلى التحالفات القبلية الواسعة.
في سنة 612 ق.م، تحركت الجيوش الميدية من المرتفعات، وتقدّم الكاشيون من السهول، في تحالف زاغروسي–بابلي حقيقي، رغم أن النصوص التوراتية تختزل الكاشيين تحت اسم “بابليين”. هاجم الميديون نينوى من الجهات الوعرة التي لم يتوقعها الآشوريون، فانهارت دفاعاتهم أمام ضربات الجبال. كانت هذه أول مرة تُهزم فيها القوة الآشورية في قلبها، وأول مرة تُفرض فيها إرادة الشعوب الجبلية على السهول.
أدى سقوط نينوى إلى تغيّر جذري في خريطة الشرق القديم. سيطر الميديون على زاغروس والأناضول الشرقي، واستعاد الكاشيون بابل، وانتهى عصر الهيمنة الآشورية التي خنقت شعوب الجبال لقرون طويلة. هذه اللحظة كانت الجذر العميق للهوية الزاغروسية، لأنها مثّلت ظهور أول كيان سياسي جبلي مستقل يعتمد على قوة الجغرافيا وعلى تحالفات الشعوب الجبلية.
منذ ذلك اليوم، لم تعد زاغروس مجرد سلسلة جبال، وإنما أصبحت مركزًا لصناعة التاريخ، وقاعدة لهوية استمرت عبر القرون. لقد ولدت زاغروس كقوة سياسية في اللحظة التي سقطت فيها نينوى، وظهر فيها الميديون، وتحرّكت فيها الشعوب الجبلية نحو مستقبل جديد.

