أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةمقالات

القضية الكردية: إشكالية الحقوق والوحدة في ضوء القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة
الكاتب حسين قاسم” بيوراسب”

مقدمة

تُطرح القضية الكردية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيداً في الشرق الأوسط، نظراً لتشابك أبعادها التاريخية والسياسية والثقافية والقانونية. ويمثل الشعب الكردي، بوصفه جماعة إثنية ذات هوية لغوية وثقافية متميزة، حالة نموذجية لفهم العلاقة بين الأقليات القومية والدولة الحديثة في المنطقة. وتنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الاعتراف بالحقوق المشروعة للكرد، إلى جانب تحقيق وحدة الصف الكردي، يشكلان شرطين ضروريين لتحقيق الاستقرار والعدالة في المنطقة. وتُعالج الورقة هذه الفرضية في ضوء قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بحق تقرير المصير، مع تحليل دقيق لنطاق تطبيقها القانوني ومدى انطباقها على الحالة الكردية.

أولاً: الإطار التاريخي والقانوني للقضية الكردية

يعود تشكل الوعي القومي الكردي إلى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، في سياق تحولات الدولة العثمانية وصعود القوميات في المنطقة. وقد أثّرت معاهدات ما بعد الحرب العالمية الأولى، ولا سيما معاهدة سيفر (1920) ومعاهدة لوزان (1923)، في تحديد مصير المناطق الكردية وتوزيعها على عدة دول. فقد نصّت معاهدة سيفر على إنشاء دولة كردية مستقلة، غير أن معاهدة لوزان التي تلتها ألغت هذا المكسب ووزّعت المناطق الكردية على تركيا والعراق وسوريا وإيران، مما أسّس لواقع جيوسياسي لا يزال قائماً حتى اليوم.

وعلى المستوى القانوني الدولي، يكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) حقوق الأقليات في التمتع بثقافتها ولغتها وممارسة شعائرها. كما يؤكد الإعلان الأممي بشأن حقوق الشعوب الأصلية (2007) على حق هذه الشعوب في تقرير مصيرها وفي الحفاظ على هويتها. غير أن تطبيق هذه المبادئ يظل متفاوتاً بين الدول، مما يخلق فجوة بين النص القانوني والواقع العملي.

ثانياً: قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بحق تقرير المصير

يشكّل حق تقرير المصير أحد المبادئ المركزية في القانون الدولي المعاصر، وقد تجسّد في عدد من القرارات الأممية الأساسية التي يتعين تحليلها بدقة:

  1. قرار الجمعية العامة رقم 1514 (XV) لعام 1960 «إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة»

يُعدّ هذا القرار الوثيقة التأسيسية الأكثر أهمية في مجال حق تقرير المصير، وقد أعلن بشكل واضح:

· «جميع الشعوب لها حق تقرير المصير؛ وبموجب هذا الحق تحدد حريتها وضعها السياسي وتسعى بحرية إلى تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية»
· «لا يجوز أن يُتخذ عدم كفاية الاستعداد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو التعليمي ذريعة لتأخير الاستقلال»
· «اتخاذ خطوات فورية في الأقاليم المشمولة بالوصاية والأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي وجميع الأقاليم الأخرى التي لم تنل بعد استقلالها… لنقل جميع السلطات إلى شعوب هذه الأقاليم»

  1. قرار الجمعية العامة رقم 2625 (XXV) لعام 1970 «إعلان مبادئ القانون الدولي بشأن العلاقات الودية والتعاون بين الدول»

يؤكد هذا القرار مجدداً على مبدأ «المساواة في الحقوق بين الشعوب وحقها في تقرير المصير»، ويضعه ضمن مبادئ القانون الدولي. غير أنه ينص في الوقت نفسه بوضوح على أن: «أي محاولة تهدف إلى تقويض الوحدة الوطنية أو السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة ما، كلياً أو جزئياً، تتعارض مع مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة».

  1. المادة الأولى المشتركة من العهدين الدوليين لحقوق الإنسان (1966)

ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكلاهما من المعاهدات الملزمة قانوناً، في مادتهما الأولى المشتركة على أن: «جميع الشعوب لها حق تقرير المصير. وبموجب هذا الحق تحدد حريتها وضعها السياسي وتؤمن بحرية تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية». وتجدر الإشارة إلى أن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أكدت في تعليقها العام رقم 12 (1984) أن هذا الحق «ذو طبيعة خاصة» وأنه «لا يجوز حرمان شعب من وسائل معيشته الفرعية».

  1. قرار مجلس الأمن رقم 688 (1991) — القرار الوحيد الذي يذكر الأكراد صراحة

في 5 أبريل 1991، اتخذ مجلس الأمن هذا القرار بشأن قمع الحكومة العراقية للشعب الكردي. ويدين القرار «قمع السكان المدنيين العراقيين في أجزاء كثيرة من العراق، بما في ذلك مؤخراً في المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية»، ويدعو العراق إلى «وقف هذا القمع فوراً»، ويطلب من الأمم المتحدة تقديم المساعدة الإنسانية. غير أن القرار لا يتضمن أي محتوى بشأن حق تقرير المصير أو الاستقلال، بل يؤكد فقط على التزام جميع الدول الأعضاء بـ«سيادة العراق وسلامته الإقليمية واستقلاله السياسي». ويشير نص القرار أيضاً إلى الفقرة 7 من المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة بشأن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية. وخلال التصويت، امتنعت الصين والهند عن التصويت، وصوّتت كوبا واليمن وزيمبابوي ضد القرار، وكانت حجتها الرئيسية أن القضية تندرج في الأساس ضمن الشؤون الداخلية للعراق.

ثالثاً: القيود الجوهرية على نطاق تطبيق القرارات الأممية

العقبة الرئيسية أمام تطبيق القرارات المذكورة أعلاه على الحالة الكردية هي: أن نطاق تطبيقها يقتصر على «الشعوب المستعمرة والأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي»، وليس على المجموعات العرقية داخل الدول ذات السيادة.

يشير الإعلان رقم 1514 في افتتاحيته ومواده بوضوح إلى «شعوب الأقاليم المشمولة بالوصاية والأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي»، ويفترض منطقياً أن هذه الأقاليم تخضع لـ«السيطرة والاستغلال الأجنبيين». ويؤكد الإعلان رقم 2625 في الوقت نفسه على «حظر أي عمل يهدف إلى تقويض وحدة وطنية أو سلامة إقليمية لدولة ما، كلياً أو جزئياً».

وهذا يعني أنه عندما تعيش مجموعة عرقية داخل دولة ذات سيادة معترف بها دولياً، وليس في وضع «مستعمرة»، فإن مسألة ما إذا كانت قرارات الأمم المتحدة بشأن حق تقرير المصير تمنحها مباشرة الحق في الانفصال من جانب واحد تثير جدلاً عميقاً في أوساط القانون الدولي.

وقد أشار تقرير للأمم المتحدة صدر عام 2014 إلى أن: «من المؤسف أنه لا يوجد تعريف موثوق لهذا الحق (حق تقرير المصير). وكمفهوم سياسي وليس قانوني، يمكن إرجاع جذور حق تقرير المصير إلى قرون عديدة». ويشير التقرير أيضاً إلى أنه «غالباً ما تتأثر المشاكل الإضافية بالاعتبارات الجيوسياسية، حيث تعترف الدول بحماس بممارسة بعض الشعوب لحق تقرير المصير بينما تعارضه بنفس الحماس في حالات أخرى».

ويشير تحليل قانوني أكاديمي إلى أنه بموجب القانون الدولي، لا يُطبّق ما يسمى بحق «الانفصال العلاجي» (Remedial Secession) إلا في «ظروف استثنائية» — أي «الشعوب المستعمرة والمضطهدة بشدة» — وليس على جميع المجموعات العرقية. كما أشارت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن استقلال كوسوفو إلى أنها «لم تعترف ولم تؤيد وجود حق مزعوم في الانفصال العلاجي».

رابعاً: الخصوصية القانونية للمسألة الكردية

ينتشر الأكراد في تركيا والعراق وسوريا وإيران وغيرها من الدول. وبعد معاهدة لوزان عام 1923، تم تقسيم مناطق استيطانهم الرئيسية إلى عدة دول ذات سيادة حديثة. ولم تعترف الأمم المتحدة قط رسمياً بالأكراد كـ«شعب مستعمر» أو «إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي».

ومع أن المادة الأولى المشتركة من العهدين الدوليين تنص على أن «جميع الشعوب» لها حق تقرير المصير، فإن مسألة ما إذا كان مصطلح «الشعوب» يشمل المجموعات العرقية داخل الدول القائمة، أم يقتصر على شعوب الأقاليم المستعمرة وغير المتمتعة بالحكم الذاتي، تظل محل خلاف قانوني كبير. وقد أكدت لجنة حقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 12 أن حق تقرير المصير «له نطاق تطبيق يتجاوز مسألة الاستعمار»، غير أن التطبيق العملي لهذا المبدأ ظل مرتبطاً في معظم الحالات بسياقات الاستعمار والاحتلال الأجنبي.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن القضية الكردية تقع في منطقة رمادية قانونية: فهي ليست حالة استعمار كلاسيكي بالمعنى الذي تناولته قرارات الأمم المتحدة، كما أنها ليست مجرد قضية أقلية عادية، نظراً لأبعادها القومية والجغرافية والتاريخية. وهذا الوضع الرمادي هو ما يجعل الاستناد إلى قرارات الأمم المتحدة بشأن تقرير المصير مدخلاً قانونياً ممكناً، لكنه ليس مدخلاً حاسماً أو كافياً بمفرده.

خامساً: مسألة الوحدة الكردية: مقاربة تحليلية

تُعدّ مسألة الوحدة الكردية من أكثر الموضوعات إشكالية في الأدبيات السياسية. فمن ناحية، يُطرح الانقسام الكردي بوصفه عاملاً مُضعِفاً للموقف التفاوضي للكرد أمام القوى الإقليمية والدولية. ومن ناحية أخرى، يُنظر إلى التنوع الداخلي (الحزبي، الجغرافي، الأيديولوجي) بوصفه واقعاً بنيوياً لا يمكن تجاوزه بسهولة.

ويمكن تحليل العوامل المعيقة للوحدة على ثلاثة مستويات:

· المستوى الداخلي: التنافس الحزبي، وتباين المشاريع السياسية، وغياب مؤسسات جامعة.
· المستوى الإقليمي: سياسات القوى الإقليمية التي تسعى إلى توظيف الانقسام الكردي لخدمة مصالحها.
· المستوى الدولي: غياب دعم دولي موحد للقضية الكردية، وتوظيف ملفاتها في سياقات جيوسياسية أوسع.

وفي المقابل، تقترح الأدبيات عدة مداخل لتحقيق وحدة فاعلة، منها: بناء إطار مؤسسي جامع، وتوحيد الخطاب السياسي، والاعتماد على الدبلوماسية الشعبية والرسمية، وتبني استراتيجية طويلة الأمد تقوم على الصبر والتراكم. ويُضاف إلى ذلك أهمية الاستناد إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة كإطار مرجعي مشترك يمكن أن يوحد الخطاب الكردي ويمنحه شرعية دولية.

سادساً: الوحدة كضرورة استراتيجية في ضوء القانون الدولي

انطلاقاً من المقاربات السابقة، يمكن القول إن الوحدة الكردية ليست هدفاً عاطفياً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة الصراع الإقليمي. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن التشرذم يؤدي إلى إضعاف القدرة التفاوضية، وإلى استنزاف الموارد، وإلى تغليب المصالح الضيقة على المصلحة الجماعية. ومن ثم، فإن أي مشروع وطني جاد يتطلب:

· تحديد أولويات واقعية وقابلة للتحقيق.
· بناء تحالفات داخلية تقوم على الحد الأدنى المشترك.
· اعتماد الوسائل السلمية والديمقراطية في المطالبة بالحقوق.
· الانفتاح على الحوار الإقليمي والدولي بوصفه أداة لا بديل عنها.
· الاستناد إلى قرارات الأمم المتحدة والمواثيق الدولية كإطار قانوني وأخلاقي للمطالب الكردية.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن قرارات الأمم المتحدة بشأن تقرير المصير، على الرغم من قيودها القانونية، تشكّل أرضية مرجعية يمكن للكرد الاستناد إليها في مطالبهم المشروعة، شريطة أن يقترن ذلك بوحدة الصف وباستراتيجية سياسية واقعية.

خاتمة

تظل القضية الكردية قضية مفتوحة على الاحتمالات، تتأثر بجملة من العوامل الداخلية والإقليمية والدولية. ولا يمكن لأي حل مستدام أن يتجاهل الحقوق المشروعة للشعب الكردي في الاعتراف والمساواة والمشاركة. وفي الوقت نفسه، فإن تحقيق هذه الحقوق يقتضي وحدة الصف الكردي بوصفها شرطاً عملياً لتحويل المطالب إلى إنجازات ملموسة. وبذلك، تتحول الوحدة من شعار إلى استراتيجية، ومن عاطفة إلى مشروع.

أما على المستوى القانوني الدولي، فإن قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بتقرير المصير، ولا سيما القرار 1514 (1960) والقرار 2625 (1970)، تشكّل إطاراً مرجعياً بالغ الأهمية، غير أنها لا تُنتج بمفردها حقاً مباشراً في الانفصال للأكراد، نظراً لارتباطها التاريخي بسياقات الاستعمار والأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. ولذلك، يبقى الطريق الأمثل هو الجمع بين الاستناد إلى القانون الدولي، والمطالبة السلمية بالحقوق، وبناء وحدة كردية فاعلة قادرة على تحويل المطالب المشروعة إلى واقع سياسي.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *