هل تنسحب فرنسا من “الناتو”؟
وصف الصحافي الأميركي-البريطاني روجر كوهين في مقالته في صحيفة “النيويورك تايمز” الأميركية ردة فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على إعلان الشراكة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، بـ”الرهان الكبير”.
واندلعت أزمة بين واشنطن وباريس بعد أن أعلنت الدول الثلاث الأسبوع الماضي، إطلاق شراكة استراتيجية لمواجهة الصين، تتضمن تزويد كانبيرا بغواصات تعمل بالدفع النووي، ما استدعى رد فعل فرنسياً عنيفاً. وتعتبر فرنسا أن الاتفاقية، التي جاءت قبل الانتخابات الفرنسية المقرر إجراؤها في نيسان (أبريل)، بمثابة خيانة لها.
وأشار كوهين إلى اعتماد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان لغة بعيدة عن الدبلوماسية، مستخدماً مفردات مثل “الأكاذيب” “الازدواجية” و”الوحشية” و”الازدراء”. واستدعت فرنسا سفيرها لدى الولايات المتحدة للمرة الأولى على خلفية الأزمة.
واختار ماكرون التصعيد رداً على الخطوات السرية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في بيع الغواصات التي تعمل بالدفع النووي لأستراليا، التي بدورها ألغت صفقة غواصات عادية كانت تسعى لاستيرادها من فرنسا، قبل ستة أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية.
وينظر الإليزيه في احتمال انسحاب فرنسا من هيكل القيادة العسكرية في “منظمة حلف شمال الأطلسي” (الناتو)، التي انضمت إليه عام 2009 بعد غياب دام 43 سنة.
ورغم أن ماكرون صرح عام 2019 أنَّ الناتو “ميت سريريا”، اعتبر كوهين انسحاب فرنسا المحتمل خطوة راديكالية.
وأعلن وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية كليمان بيون، اليوم الثلثاء، إنه سيطرح الاتفاقية التجارية والتداعيات الأمنية للاتفاق، المعروف باسم “أوكوس”، في اجتماعه مع نظرائه في بروكسل، مشيرا إلى أن فرنسا ستشدد على مناقشته في قمم الاتحاد الأوروبي والاجتماعات الوزارية الشهر المقبل. وقال للصحافيين: “إنها مسألة ثقة. الوعد له قيمة بين الحلفاء والديمقراطيات والشركاء. وفي هذه الحالة لم يحترم الوعد، ما يشكل بطبيعة الحال خيانة للثقة”، مشدداً على ضرورة تحلي الأوروبيين بالحزم.
وردا على سؤال حول ما إذا كانت فرنسا ستدعو إلى وقف المحادثات التجارية مع أستراليا، الجارية منذ عام 2018، أوضح بيون أنَّ هذه المسألة من بين النقاط التي يجب مناقشتها.
وتعكس الأزمة الأخيرة بين فرنسا من جهة، والولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا من جهة أخرى، حالة من عدم الثقة في العلاقات من منظور دولي جديد، إلا أنَّ محللين يتوقعون ألا تستمر الأزمة طويلا.
وأكد كوهين أنَّ فرنسا تشعر بالإهانة، ولن تنسى بسهولة ما تراه صفعة أميركية على الوجه، وصفها وزير خارجيتها بأنها “لا تطاق”.
ويحضر جان- إيف لودريان هذا الأسبوع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحتى الساعة، لم يتم التخطيط لعقد اجتماع مع نظيره الأميركي، أنتوني بلينكن. ولن يحضر ماكرون الاجتماع، على عكس رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، الذي سيلتقي بالرئيس الأميركي جو بايدن.
وصرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، لشبكة “سي إن إن” الأميركية أن “إحدى الدول الأعضاء كانت تعامل بطريقة غير مقبولة”، إلا أن معضلة فرنسا تكمن في الصمت المدوي لدى حلفائها الأوروبيين.
وفي أحدث ردة فعل أوروبية، رأى وزير الدولة الألماني للشؤون الأوروبية مايكل روث، أن أزمة الغواصات بين فرنسا والولايات المتحدة وأستراليا تعتبر تنبيهاً للاتحاد الأوروبي.
وفي إشارة إلى سعي ماكرون إلى تعزيز قوة أوروبا واستقلاليتها، أعلن أستاذ العلوم السياسية دومينيك مويزي أن صفقة الغواصات عززت صحة المناشدة الفرنسية، مضيفاً أنَّ المؤرخين قد يعتبرون ما حدث نقطة تحول رئيسية، تظهر نهاية “الناتو” الوشيكة، أو على الأقل تهميش المنظمة.
المصدر: النهار العربي