من الذي تنازل عن دماء الشهداء في روج آفا؟
تواجه روج آفا منعطفاً سياسياً خطيراً، منعطفاً لا يشبه ما مرّت به خلال السنوات الماضية، لأن القرارات التي تُصاغ اليوم تبدو وكأنها تُبنى بعيداً عن إرادة الناس الذين دفعوا أثماناً باهظة في سبيل الحرية والكرامة. المشهد معقّد، والاتفاق الأخير الذي طُرح على أنه خطوة نحو “الاستقرار” كشف حجم الهوّة بين القيادة والشارع الكردي، وبين التضحيات التي قُدّمت والنتائج التي تُفرض.
أخطر ما في هذا الاتفاق أنه يفتح الباب أمام اعتراف غير مباشر بشرعية الجولاني، وهو أمر يثير صدمة وغضباً واسعاً. كيف يمكن لمشروع قاوم التطرف لسنوات، وقدّم آلاف الشهداء في مواجهة الإرهاب، أن يقبل بتسوية تمنح غطاءً سياسياً لقوة ارتبط اسمها بالانتهاكات؟ هذا الانزلاق لا يمكن تبريره، ولا يمكن تمريره على أنه “ضرورة سياسية”.
ثم تأتي النقطة الأكثر إيلاماً: التنازل عن دماء الشهداء.
فالاتفاق، بصيغته الحالية، يتجاهل تماماً التضحيات التي قدّمها أبناء روج آفا.
كيف يمكن الحديث عن مستقبل آمن بينما يتم القفز فوق أثمن ما يملكه الشعب الكردي؟
دماء الشهداء ليست ورقة تفاوض، ولا يمكن لأي اتفاق أن ينجح إذا لم يبدأ من احترام تلك الدماء.
والأدهى من ذلك أن الاتفاق لا يرقى إلى مستوى التضحيات.
الكرد قدّموا نموذجاً فريداً في الدفاع عن الأرض والإنسان، لكن ما يُعرض اليوم عليهم أقل بكثير من الحد الأدنى الذي يستحقونه.
اتفاق ضيّق، هش، لا يضمن الحقوق، ولا يحمي المكتسبات، ولا يعكس حجم الصمود الذي أظهره الشعب.
وهنا يبرز السؤال الذي يتردّد في كل بيت كردي:
لماذا القبول باتفاق لا يحظى بتأييد شعبي، بينما كان الشعب بأكمله يقف خلف قواته الكردية؟
هل كان هناك ضغط خارجي؟
هل كانت هناك حسابات ضيقة؟
أم أن القيادة فقدت ثقتها بقدرة الناس على الصمود؟
مهما كانت الإجابة، فإن تجاوز إرادة الشعب هو خطأ استراتيجي لا يمكن تجاهله.
وفي خضم هذا كله، يعود سؤال قديم جديد:
هل ما زال البعض يؤمن بشعار “أخوة الشعوب”؟
التجربة أثبتت، مرة بعد مرة، أن هذا الشعار لم يصمد أمام الواقع.
فعندما اشتدّت الأزمات، تُرك الكرد وحدهم، واجهوا الموت وحدهم، ودافعوا عن أرضهم وحدهم.
فهل من الحكمة الاستمرار في ترديد شعارات أثبتت فشلها بكل المقاييس؟
من هنا تبرز ضرورة إعادة الاعتبار للهوية الكردية، ليس فقط في الخطاب، بل في التسمية والتمثيل.
لم يعد مقبولاً أن تبقى القوات التي دافعت عن روج آفا تحمل أسماء لا تعكس هويتها.
القوات التي قدّمت الشهداء هي قوات كردية، ويجب أن تُسمّى كذلك.
والاسم الذي يحمل الشرعية التاريخية، والذي يعرفه العالم، هو البيشمركة.
لا حاجة لاختراع أسماء جديدة، ولا لإخفاء الهوية تحت عناوين فضفاضة.
وفي النهاية، لا يمكن لأي مشروع سياسي أو عسكري أن يستمر دون مصالحة حقيقية مع الشعب.
الشعب الكردي هو مصدر الشرعية الوحيد، وهو الذي يقرر من يمثله ومن لا يمثله.
العودة إلى الناس، احترام غضبهم، الاستماع إلى مخاوفهم، والوقوف معهم…
هذه ليست خيارات، بل شروط للبقاء.
روج آفا اليوم أمام مفترق طرق.
إما أن تُصحَّح المسارات، ويُعاد الاعتبار للهوية والتضحيات،
أو أن تستمر الأخطاء التي قد تفتح الباب أمام خسائر أكبر مما تحمّله هذا الشعب الصامد.