مقالات

القضية الكوردية: أزمة قوة أم أزمة استراتيجية؟


الجزء الثاني من ثلاثة: الإمكانات والحالات الأربع والتنسيق

بقلم: مروان فلو

يتناول الجزء الأول السؤال والإطار والمفاهيم، ويتناول هذا الجزء الوقائع: ما الذي يمتلكه الكورد، وكيف تختلف حالاتهم، وما حدود التنسيق والاستقلالية. وسيتناول الجزء الثالث التفسيرات المتنافسة والمنهجية والاستنتاج.

رابعًا: أبعاد الإمكانات الكوردية وحدود توظيفها

  1. العامل البشري والاجتماعي
    يشكل السكان والكفاءات والخبرات التنظيمية عناصر مهمة في بناء المجتمعات السياسية، غير أن حجم السكان أو انتشارهم لا يحددان وحدهما مستوى التأثير. فالعامل البشري يتحول إلى قدرة حين تتوافر مؤسسات تستفيد من الكفاءات، وتعليم جيد، وبيئة تسمح بالمشاركة. أما في ظروف النزاع والتهجير والتمييز، فقد يصبح هذا العامل مصدر هشاشة لا مصدر قوة.
    كما أن انتشار الكورد في أربع دول لا يعني وجود كتلة سياسية موحدة. فاللغة والهوية والروابط الاجتماعية توفر أرضية للتواصل، لكنها لا تلغي اختلاف التجارب التاريخية والمصالح المحلية والرؤى السياسية. ومن ثم ينبغي التمييز بين وجود هوية مشتركة والقدرة على بناء استراتيجية مشتركة؛ فالأولى لا تنتج الثانية تلقائيًا.
  2. الجغرافيا والموقع الاستراتيجي
    تحتل المناطق ذات الوجود الكوردي مواقع مهمة في الحسابات الإقليمية، لقربها من الحدود، وارتباطها بممرات النقل والتجارة، ووجود موارد طبيعية فيها. لكن القيمة الاستراتيجية للموقع ليست ثابتة، فهي تتغير بتغير البنية التحتية والسيطرة الفعلية والعلاقات بين الدول وتوافر البدائل. فالموقع الحدودي قد يتيح فرصًا للتجارة، لكنه يعرّض المنطقة أيضًا للتدخل العسكري والضغط الاقتصادي، ووجود الموارد لا يضمن للفاعل المحلي التحكم في إنتاجها وتصديرها وعائداتها.
    وعليه فالسؤال البحثي هو: متى تتحول أهمية الجغرافيا إلى قدرة تفاوضية، ومتى تصبح مصدرًا للهشاشة والاعتماد على الآخرين؟ ويقتضي ذلك دراسة كل حالة على حدة، دون تعميم تجربة إقليم كردستان العراق على سوريا أو تركيا أو إيران.
  3. الموارد الاقتصادية والطاقة
    يمكن للموارد الاقتصادية أن تدعم الحكم المحلي وتموّل الخدمات، لكنها قد تنتج اعتمادًا ماليًا هشًا إذا كانت الإيرادات محدودة أو خاضعة للخلافات السياسية وتقلبات الأسواق. وتتوقف قيمتها السياسية على القدرة على إدارتها، والشفافية في توزيع عائداتها، وتنوع الاقتصاد، والوصول إلى الأسواق، والعلاقة مع السلطات المركزية والدول المجاورة.
    ويبرز ذلك في إقليم كوردستان العراق، حيث تتداخل مسائل الإيرادات والميزانية والنفط والعلاقة مع بغداد، لكن التجربة لا تُنقل آليًا إلى الحالات الأخرى. كما ينبغي عدم اختزال الاقتصاد السياسي للقضية في النفط، فالتعليم والصناعة والزراعة والتجارة والقدرة الإدارية قد تكون حاسمة في الاستدامة المؤسسية.
  4. الخبرة الأمنية والعسكرية
    أظهرت بعض القوى الكوردية قدرة على التنظيم وأداء أدوار أمنية مهمة في ظروف محددة، غير أن الخبرة العسكرية لا تساوي قدرة سياسية مستدامة. فقد يحقق الفاعل مكاسب أمنية في مرحلة ما ثم يعجز عن تحويلها إلى ترتيبات دائمة إذا تغيرت أولويات الأطراف الخارجية. كما لا يجوز اعتبار التشكيلات السياسية والعسكرية الكوردية فاعلًا واحدًا، فبنيتها وأهدافها وعلاقاتها الخارجية وقواعدها الاجتماعية مختلفة.
    ويقتضي التحليل التمييز بين أربع قدرات متداخلة غير مترادفة: الدفاع عن منطقة، وإدارة مؤسسات مدنية، والتفاوض، والحصول على ضمانات سياسية.

خامسًا: تعدد الحالات الكوردية
المقارنة بين العراق وسوريا وتركيا وإيران ضرورية، لكنها تصبح مضللة إذا افترضت تماثل الحالات أو وحدة أهداف الفاعلين فيها.
إقليم كوردستان العراق. يتمتع بوضع دستوري معترف به ضمن النظام الاتحادي العراقي، وبمؤسسات حكم وخبرة إدارية وعلاقات خارجية واقتصادية. وتتعايش هذه العناصر مع تحديات تتعلق بالعلاقة مع الحكومة الاتحادية وتوزيع الإيرادات والتنافس الحزبي والحوكمة والاستدامة المالية. وتتيح الحالة دراسة العلاقة بين الاعتراف القانوني والقدرة الفعلية، لكن خصوصيتها الدستورية تمنع اتخاذها معيارًا وحيدًا للحكم على غيرها.
المناطق ذات الإدارة الكوردية في سوريا. نشأت الإدارة المحلية في شمال شرق سوريا في ظروف الحرب وتعدد القوى العسكرية والتدخلات الخارجية وتغير السيطرة الميدانية، ما يجعل وضعها القانوني والأمني مختلفًا. ولا يكفي تقييمها بقدرتها على الصمود العسكري أو بخطابها السياسي، بل يجب فحص استمرارية المؤسسات ومستوى الخدمات والشرعية المحلية وإمكان الوصول إلى تسوية قابلة للاستمرار. كما أنها لا تمثل بالضرورة جميع الكورد السوريين.
الكورد في تركيا. تختلف الحالة بطبيعة النظام القانوني ووجود الدولة المركزية ومسارات المشاركة الانتخابية والمدنية وتاريخ النزاع المسلح. ويقتضي التحليل دراسة العلاقة بين المشاركة السياسية والحقوق الثقافية واللغوية والتمثيل المحلي وسياسات الدولة والقيود على النشاط السياسي، ولا يجوز قياس النجاح بمؤشرات الحكم الإقليمي المستخدمة في العراق أو سوريا.
الكورد في إيران. تتأثر الحالة بطبيعة النظام السياسي والقيود على التنظيم والمشاركة والظروف الأمنية والاقتصادية والعلاقة بين المركز والأقاليم ذات الحضور الكوردي. ويحتاج تحليلها إلى مؤشرات تناسب سياقها، مع التعامل مع محدودية البيانات المستقلة بوصفها قيدًا منهجيًا لا دليلًا على صحة تفسير بعينه.
ما الذي تسمح به المقارنة؟
تسمح المقارنة بدراسة اختلاف النتائج في ظل موارد وقيود مختلفة، لكنها لا تسمح باستنتاج سبب واحد مشترك. ولذلك ينبغي تحديد وحدة التحليل في كل حالة، والتمييز بين المجتمع الكوردي والقيادة السياسية والتنظيم الحزبي والمؤسسات الإدارية والتشكيلات العسكرية، وتجنب التعامل مع “الكورد” فاعلًا دوليًا موحدًا. فالأدق الحديث عن فاعلين متعددين قد يتعاونون في ملفات ويتنافسون في أخرى.

سادسًا: التنسيق بين الأجزاء الأربعة
تقوم كثير من النقاشات على فكرة “الوحدة”، لكن الدعوة إليها تصبح غير واقعية إذا افترضت قيادة واحدة تتجاوز الفوارق القانونية والاجتماعية والأيديولوجية. ويتطلب التحليل التمييز بين ثلاثة مستويات:

  1. وحدة الهوية: الروابط التاريخية والثقافية واللغوية، مع مراعاة التنوع الداخلي.
  2. وحدة المصالح: إمكان الاتفاق على قضايا محددة، كحماية المدنيين والحقوق الثقافية ومواجهة التهجير وتبادل الخبرات.
  3. وحدة التنظيم والقيادة: مؤسسات مشتركة وآليات لصنع القرار وحل النزاعات، ودرجة عالية من التوافق على الأهداف.

لا يستلزم المستوى الأول والثاني، ولا يستلزم أي منهما الثالث. وقد يكون التنسيق المحدود في ملفات معينة أكثر قابلية للاستمرار من مشروع توحيد تنظيمي واسع لا تتوافر شروطه. فالسؤال العملي ليس هل الوحدة مطلوبة من حيث المبدأ، بل: ما نوع التنسيق الممكن، وفي أي ملفات، وبأي آليات، وتحت أي قيود؟
ويمكن اختبار ذلك بمؤشرات ملموسة: انتظام قنوات الاتصال، ووجود اتفاقات محددة ومدى تنفيذها، واستمرار التعاون عند الأزمات، والقدرة على إدارة الخلافات دون انهيار التفاهمات. أما افتراض أن التنسيق يزيد القوة السياسية بالضرورة فيظل فرضية تحتاج إلى اختبار، إذ قد يعزز التفاوض وتبادل الخبرات، وقد يرتب أيضًا تكاليف إضافية ويثير مخاوف الدول المعنية ويزيد الانكشاف أمام الضغوط.

سابعًا: الاستقلالية الاستراتيجية والعلاقات الخارجية
أتاح التعاون مع أطراف خارجية لبعض الفاعلين فرصًا أمنية وسياسية واقتصادية لم تكن متاحة بدونه، لكن الشراكات تقوم على مصالح متبادلة ومتغيرة، فلا يمكن افتراض استمرار الدعم بالدرجة نفسها إذا تبدلت أولويات الشريك أو البيئة الإقليمية. وفي المقابل، ليس الاعتماد على الشركاء خطأً في ذاته، فلا يستطيع فاعل محلي أن يعزل نفسه عن بيئته؛ المسألة هي درجة الاعتماد وشروطه وتوافر البدائل والقدرة على حماية المصالح الأساسية عند التغير.
وتستخدم الدراسة “الاستقلالية الاستراتيجية” للدلالة على قدرة الفاعل على اتخاذ قراراته الأساسية والحفاظ على استمرارية مؤسساته وتقليل هشاشته أمام تغير سياسات الشركاء. وهي لا تعني الاكتفاء الذاتي ولا القطيعة مع الشراكات، بل قد تعني التفاوض من موقع أفضل، أو تنويع العلاقات، أو بناء مؤسسات تستمر عند تراجع الدعم.
ومن مؤشرات تقييمها: تنوع الشركاء، واستقرار الإيرادات، واستمرار الخدمات والمؤسسات، ووجود بدائل اقتصادية أو دبلوماسية، ومدى ارتباط القرارات الأساسية بإرادة الفاعل. على أن هذه المؤشرات ليست وصفة عامة، فتنويع العلاقات غير متاح بالدرجة نفسها للجميع، وقد تقيّده الجغرافيا أو العقوبات أو النزاعات أو مواقف الدول المجاورة.
يتناول الجزء الثالث: التفسيرات المتنافسة، والمنهجية واختبار الفرضيات، والأدبيات، والاستنتاج، والمراجع.

يتبع….

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *