الأمن القومي الكوردي أولاً: نحو استراتيجية جديدة للقوة والاستقلالية في نظام إقليمي متغيّر
بقلم: مروان فلو
مقدمة
تمرّ القضية الكوردية في الشرق الأوسط بمرحلة تختلف في طبيعتها عن المراحل السابقة، لا لأن التحديات التي تواجه الكورد قد انتهت، بل لأن البيئة الإقليمية والدولية التي تتحرك فيها هذه القضية آخذة في التحوّل بصورة عميقة. فالنظام الإقليمي لم يعد ثابتاً كما كان في العقود الماضية، وموازين القوى بين دول المنطقة والقوى الدولية الكبرى تتغيّر باستمرار، في وقت باتت فيه القضية الكوردية أكثر ارتباطاً بملفات الأمن والطاقة والممرات التجارية ومكافحة الإرهاب، بل وبإعادة تشكيل بنية الدول التي يعيش فيها الكورد أنفسهم.
وقد كشفت التطورات الأخيرة، وبصورة لا تحتمل اللبس، أن الاعتماد على الدعم الخارجي، مهما بلغت أهميته الآنية، لا يمكن أن يشكّل بديلاً عن امتلاك استراتيجية كوردية مستقلة وواضحة المعالم. فقد أثبتت التجارب المتكررة أن القوى الدولية والإقليمية تتعامل مع القضية الكوردية وفق حساباتها ومصالحها المتغيّرة من لحظة إلى أخرى، وأن التحالفات التي تبدو استراتيجية في مرحلة معينة قد تتحوّل بسرعة إلى مجرد ترتيبات تكتيكية عابرة حين تتبدّل أولويات الكبار. كما أن التطورات المتسارعة التي شهدتها تركيا وسوريا والعراق وإيران خلال عامي 2025 و2026 تؤكد أن القضية الكوردية أصبحت جزءاً عضوياً من إعادة ترتيب أوسع للنظام الإقليمي برمّته، لا مجرد حزمة من القضايا الداخلية المنعزلة عن سياقها الأكبر.
من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة طرح سؤال الأمن القومي الكوردي بصورة مغايرة لما درجت عليه الأدبيات السابقة. فالسؤال لم يعد يقتصر على: كيف يستطيع الكورد الدفاع عن وجودهم وحقوقهم؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كيف يمكن للكورد أن يحوّلوا ما يمتلكونه من موارد بشرية وجغرافية واقتصادية وأمنية وسياسية وشبكة علاقات دولية إلى قوة فاعلة ومستدامة،قادرة على حماية مصالحهم والتأثير الإيجابي في البيئة الإقليمية التي يعيشون في قلبها ؟ إن هذه المسألة، في تقديرنا، تمثّل جوهر المعضلة الاستراتيجية الكوردية الراهنة، وهي المعضلة التي يسعى هذا المقال إلى مقاربتها بأدوات التحليل السياسي والاستراتيجي المعاصر.
أولاً: القدرة، والقوة، والنفوذ – نحو تعريف كوردي جديد للأمن القومي
لا يعاني الكورد من انعدام عناصر القوة بالمعنى التقليدي للمفهوم. فهم يمتلكون كتلة بشرية كبيرة موزّعة على أربعة بلدان، وموقعاً جغرافياً بالغ الأهمية يتوسّط أربع دول إقليمية محورية، وموارد طبيعية ومائية وطاقوية معتبرة، وخبرة عسكرية وأمنية تراكمت عبر عقود من الصراع والمواجهة، ومؤسسات سياسية وإدارية ناشئة في بعض المناطق، فضلاً عن شبكة علاقات واسعة مع القوى الإقليمية والدولية، وتجربة عملية مشهودة في مكافحة الإرهاب وحماية مساحات واسعة من الانهيار أمام التنظيمات الجهادية المتطرفة.
ومع ذلك، ظلّت القدرة الكوردية الفعلية، في أغلب المحطات التاريخية، أقل من إمكاناتها الكامنة، ذلك أن هذه العناصر المتفرقة لم تتحوّل بصورة منتظمة إلى منظومة قوة استراتيجية موحّدة. وهنا تكمن المفارقة المركزية التي يقوم عليها هذا التحليل: فامتلاك القدرة لا يعني بالضرورة امتلاك القوة، وامتلاك القوة لا يعني بالضرورة امتلاك النفوذ. فالقدرة تتحوّل إلى قوة حين يجري تنظيمها وتوجيهها ضمن استراتيجية واضحة الأهداف والوسائل؛ والقوة تتحوّل إلى نفوذ حين تكتسب القدرة على التأثير الفعلي في سلوك الأطراف الأخرى؛ أما النفوذ فلا يتحوّل إلى مكاسب مستدامة إلا حين تجري ترجمته إلى مؤسسات واتفاقات وضمانات سياسية وقانونية واقتصادية راسخة، لا تتأثر بتقلّب الظروف الآنية.
من هذه الزاوية بالذات، فإن المشكلة الجوهرية التي ينبغي أن تشغل حيّزاً مركزياً في التفكير الاستراتيجي الكوردي ليست حجم الموارد المتاحة في ذاته، بل كيفية تحويل هذه الموارد إلى قوة سياسية قابلة للتراكم والاستمرار عبر الزمن. وهذا يقتضي مراجعة نقدية جادّة لبعض أنماط التفكير التي حكمت السياسة الكوردية خلال العقود الماضية؛ إذ غلب على جانب كبير من الممارسة السياسية الكوردية منطق ردّ الفعل على سياسات الدول المهيمنة على المناطق الكوردية، أو الاتكاء المفرط على الحماية والدعم الخارجيين، أو الانشغال بالمكاسب الحزبية أو الفئوية الضيّقة، في حين ظلّت المصالح العليا المشتركة بحاجة إلى إطار استراتيجي أكثر نضجاً ووضوحاً.
ولا يعني هذا الطرح بأي حال إنكار اختلاف الظروف السياسية والقانونية بين أجزاء كوردستان الأربعة؛ فالكورد في تركيا والعراق وسوريا وإيران يتحركون ضمن نظم سياسية وأمنية وقانونية شديدة التباين، ولا يمكن اختزال تجاربهم المتنوّعة في نموذج واحد جامد. غير أن اختلاف السياقات المحلية لا ينفي وجود حزمة من المصالح العليا المشتركة التي يمكن أن تشكّل أساساً متيناً لاستراتيجية كوردية منسّقة، دون الحاجة إلى فرض وحدة تنظيمية أو سياسية قسرية على الحركات الكوردية المتعددة. ومن هنا، يقترح هذا المقال إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي الكوردي بحيث لا يقتصر على البعد العسكري التقليدي، ولا يرتبط سلفاً بشكل سياسي محدد كالدولة المستقلة أو الحكم الذاتي أو الفدرالية، بل يُنظر إليه بوصفه منظومة متكاملة من القدرات التي تُمكّن الكورد من حماية مصالحهم العليا وتعظيم قدرتهم على التأثير في مسار النظام الإقليمي برمّته. ويقوم هذا التصوّر على مبدأ محوري مفاده أن الأمن القومي الكوردي يبدأ ببناء القدرة على الاختيار الذاتي، لا بانتظار أن يختار الآخرون نيابة عن الكورد.
ثانياً: مفارقة الإمكانات الكوردية غير المستثمرة
من المفيد هنا التوقّف عند جذور هذه المفارقة التي تحكم المسار الكوردي منذ عقود: فرغم توفّر عناصر القوة الموضوعية، لم تنجح الحركة الكوردية بأجزائها الأربعة في بناء رافعة استراتيجية موحّدة تحوّل هذا الرصيد الكامن إلى نفوذ سياسي فعلي. ويمكن ردّ ذلك إلى ثلاثة عوامل متشابكة: أولها، غياب مؤسسة أو آلية تنسيقية عابرة للحدود قادرة على صياغة رؤية استراتيجية مشتركة تتجاوز حسابات كل جزء على حدة؛ وثانيها، استمرار الانقسامات الحزبية والتنظيمية الداخلية، والتي كثيراً ما استُثمرت من قبل القوى الإقليمية لإضعاف الموقف الكوردي التفاوضي ككل؛ وثالثها، هيمنة تفكير قصير المدى يبحث عن مكاسب آنية على حساب بناء مؤسسات واستحقاقات طويلة الأمد.
وتزداد خطورة هذه المفارقة حين تُقرأ في ضوء التحوّلات الإقليمية المتسارعة؛ فكل تأخّر في تحويل الإمكانات إلى قوة منظّمة يعني عملياً ترك الفراغ الاستراتيجي مفتوحاً أمام قوى أخرى – إقليمية أو دولية – لإعادة تعريف موقع الكورد ضمن حساباتها الخاصة، بدل أن يكون الكورد أنفسهم من يحدّد شروط حضوره في معادلات المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن سدّ هذه الفجوة بين الإمكانات المتاحة والقوة الفعلية ليس ترفاً نظرياً، بل هو شرط وجودي لأي استراتيجية كوردية جادّة في المرحلة المقبلة.
ثالثاً: من القوة الوظيفية التكتيكية إلى الوظيفة الاستراتيجية المؤسسية
أدّى الكورد خلال مراحل مختلفة وظائف أمنية وجيوسياسية بالغة الأهمية بالنسبة للقوى الإقليمية والدولية على السواء، ولا سيما في مجالات مكافحة الإرهاب، وحماية الحدود، وضبط الاستقرار المحلي في مناطق واسعة كان يُنذر انهيارها بتهديد أمن المنطقة بأسرها. غير أن هذه الوظائف ظلّت في أغلب الحالات مرتبطة بظروف عسكرية أو سياسية مؤقتة، الأمر الذي جعل من الممكن التعامل معها باعتبارها أدواراً تكتيكية قابلة للتراجع أو الإلغاء متى تبدّلت أولويات القوى الكبرى، كما تجلّى ذلك بوضوح في أكثر من محطة إقليمية خلال العقد الأخير.
ويتمثّل التحدي الاستراتيجي الجوهري أمام الكورد اليوم في تحويل هذه الوظائف من أدوار تكتيكية عابرة إلى وظائف استراتيجية مؤسسية راسخة، بحيث تصبح مساهمة الكورد في الأمن الإقليمي، وأمن الطاقة، وحماية طرق التجارة، وضبط الحدود، وترسيخ الاستقرار، جزءاً لا يتجزأ من ترتيبات طويلة الأمد ذات طابع مؤسسي وقانوني، لا مجرّد خدمة تُقدَّم في مرحلة بعينها ثم تنتهي بانتهاء المهمة الظرفية. فإذا استطاع الكورد أن يصبحوا منتجين فعليين للأمن والاستقرار الإقليميين، لا مجرد متلقّين للحماية من طرف ثالث، فإن موقعهم التفاوضي سيتغيّر تغيّراً جوهرياً وبنيوياً، لا شكلياً أو مرحلياً.
غير أنه يتوجّب هنا التنبيه إلى نقطة دقيقة ومهمة: لا ينبغي فهم القوة الوظيفية على أنها مجرد تقديم خدمات أمنية للآخرين مقابل الحصول على حقوق سياسية جزئية أو مؤقتة؛ فهذا النمط من التفكير يعيد إنتاج علاقة التبعية ذاتها التي أثبتت التجربة التاريخية محدوديتها وهشاشتها. والمقصود، على العكس من ذلك تماماً، هو بناء منظومة مصالح متبادلة حقيقية، تجعل من استقرار المؤسسات والمناطق الكوردية جزءاً عضوياً من مصالح دول الجوار والقوى الدولية نفسها، لا مجرد خدمة تُستدعى عند الحاجة وتُهمَل بعد زوالها. وبذلك تنتقل طبيعة العلاقة من معادلة “الدعم مقابل الوظيفة” الهشّة والمؤقتة، إلى معادلة “الشراكة القائمة على المصالح المتبادلة” الأكثر متانة واستدامة؛ ومن رحم هذه الشراكة يمكن أن يتطوّر تدريجياً الاعتراف بالدور السياسي الكوردي، ثم الاعتراف بالمصالح والحقوق ذاتها، وصولاً في نهاية المطاف إلى ترتيبات سياسية وقانونية أكثر رسوخاً واستدامة.
رابعاً: الجغرافيا والطاقة والممرات – أدوات النفوذ الكوردي الكامنة
يمثّل الموقع الجغرافي لكوردستان بأجزائها الأربعة أحد أكثر عناصر القوة الكوردية إغفالاً في الأدبيات السياسية التقليدية، رغم أنه يشكّل في جوهره أصلاً استراتيجياً من الطراز الأول. فهذه المساحة الجغرافية تقع عند نقطة تقاطع محورية بين حوض بحر قزوين وشرق المتوسط، وبين ممرّات الطاقة الصاعدة من العراق وإقليم كوردستان باتجاه الأسواق الأوروبية والتركية، وبين طرق التجارة البرية التي يُعاد الحديث عن إحيائها ضمن مشاريع الممرات الاقتصادية الكبرى التي تتنافس عليها قوى دولية عدة. وأي استراتيجية كوردية جادّة لا تضع هذا البعد الجيو-اقتصادي في صلب حساباتها، إنما تفرّط في أحد أهم أوراق القوة المتاحة لها.
ولا يقلّ عن ذلك أهمية ملف المياه والطاقة، بوصف كوردستان منبعاً رئيساً لروافد دجلة والفرات، ومصدراً مهماً للنفط والغاز في المنطقة. فحين تُدار هذه الموارد ضمن رؤية استراتيجية موحّدة، لا كأوراق تفاوض متفرقة يستخدمها كل طرف كوردي بمعزل عن غيره، فإنها تتحوّل إلى أداة ضغط ونفوذ حقيقية في مواجهة دول الجوار التي تعتمد على هذه الموارد ذاتها. أما إذا بقيت هذه الملفات مشتّتة بين أجزاء كوردستان الأربعة، ورهينة لحسابات كل طرف على حدة، فإنها ستظل عرضة للاستغلال من قبل الأطراف الإقليمية، بدل أن تشكّل رافعة نفوذ لصالح الكورد أنفسهم.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية الجغرافيا والطاقة”، أي توظيف الموقع والموارد الكوردية بصورة مدروسة ومنسّقة في بناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، بحيث يصبح استقرار كوردستان وأمنها شرطاً ضرورياً لاستمرار تدفق الطاقة والتجارة عبر المنطقة، لا عاملاً هامشياً يمكن الاستغناء عنه أو تجاوزه عند الحاجة.
خامساً: وحدة المصالح لا وحدة التنظيم – نحو عقد استراتيجي بين الأجزاء الأربعة
من هنا تأتي أهمية التمييز الدقيق بين وحدة التنظيم ووحدة المصالح، وهو تمييز جوهري يقوم عليه هذا التحليل بأكمله. فالمطلوب ليس إلغاء التعدد السياسي الكوردي القائم، ولا إنشاء قيادة فوقية تفرض إرادتها على الأجزاء الأربعة بصورة قسرية، وإنما بناء توافق استراتيجي حول مجموعة محدّدة من المصالح العليا التي ينبغي أن تبقى بمنأى عن التنافس الحزبي الضيّق أو الحسابات الظرفية المتقلّبة.
وفي مقدّمة هذه المصالح العليا المشتركة يأتي:
- صون الأمن وحماية المجتمع الكوردي أينما وُجد،
- ومنع التهجير القسري والتغيير الديموغرافي بكل أشكاله،
- وحماية الهوية واللغة والثقافة الكوردية من محاولات الطمس أو الإذابة،
- وتأمين الحدود والمعابر بين الأجزاء الأربعة وما حولها،
- وضمان أمن الطاقة والمياه والغذاء،
- ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظّمة،
- وحماية طرق التجارة والممرات الاقتصادية،
- وتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة،
- والحفاظ على المؤسسات السياسية القائمة وتطويرها،
- وتوسيع شبكة العلاقات الدولية،
- وأخيراً – وهو الأهم – حماية استقلالية القرار الكوردي من الارتهان الكامل لأي قوة خارجية بعينها مهما بلغت أهمية تلك العلاقة آنياً.
وتحقيق هذا التوافق يستلزم عملياً إنشاء آلية تنسيق دائمة أو شبه دائمة بين الفاعلين السياسيين الرئيسيين في الأجزاء الأربعة، لا بوصفها هيئة قرار مركزية تُلغي خصوصية كل تجربة، بل بوصفها منصة لتبادل المعلومات، وتنسيق المواقف في القضايا المصيرية، والحدّ من استغلال القوى الإقليمية للانقسامات الكوردية الداخلية كأداة ضغط متكررة. ومثل هذه الآلية، وإن بدت صعبة التحقّق في المدى القريب نظراً لتباين المرجعيات السياسية والإقليمية لكل طرف، تظل خطوة لا غنى عنها إذا أُريد للأمن القومي الكوردي أن يتحوّل من شعار عام إلى مشروع سياسي قابل للتطبيق.
سادساً: من النفوذ إلى الاستقلالية الاستراتيجية – مسار الاعتراف المؤسسي
إن الأطروحة المركزية لهذا المقال تتمثّل في أن مستقبل الأمن القومي الكوردي لن يتحدّد فقط بقدرة الكورد على مقاومة الضغوط الخارجية المتلاحقة، بل بقدرتهم على تنظيم مواردهم الذاتية، وتوحيد مصالحهم العليا، وتحويل موقعهم الجغرافي ووظائفهم الأمنية والاقتصادية إلى قوة استراتيجية متماسكة، وبناء استقلالية حقيقية في القرار تُمكّنهم من التعامل مع القوى الإقليمية والدولية من موقع الشراكة الندّية، لا من موقع التبعية أو الانتظار.
والاستقلالية الاستراتيجية، بهذا المعنى، لا تعني العزلة عن العالم الخارجي، ولا تعني قطع العلاقات مع القوى الكبرى أو دول الجوار المباشر، وإنما تعني بالأساس القدرة على تنويع الشراكات الخارجية ومنع احتكار أي طرف واحد للقرار الكوردي. فالعلاقات الدولية، في نهاية المطاف، تقوم على منطق المصالح المتبادلة، والقوة التي تعجز عن حماية مصالحها الذاتية تصبح عرضة لأن تتحوّل إلى مجرد ورقة تُستخدم في استراتيجيات الآخرين، لا طرفاً فاعلاً في صياغة تلك الاستراتيجيات.
ولذلك فإن بناء الأمن القومي الكوردي ينبغي أن يبدأ من الداخل قبل كل شيء: من ترسيخ التوافق السياسي بين الفرقاء الكورد، وإصلاح المؤسسات القائمة، وإنهاء منطق الصراع الكوردي – الكوردي الذي استنزف طاقات الحركة لعقود، وتطوير الاقتصاد المحلي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية تجاه المصالح العليا المشتركة، قبل الانتقال إلى بناء شبكة متوازنة من العلاقات الإقليمية والدولية. أما مسار الاعتراف السياسي والمؤسسي، فيمرّ بالضرورة عبر ثلاث محطات متتابعة ومتراكمة: الاعتراف بالدور الوظيفي الذي يؤديه الكورد أولاً، ثم الاعتراف بمصالحهم وحقوقهم المشروعة ثانياً، وأخيراً بلورة ذلك كلّه في ترتيبات سياسية وقانونية مستقرة تحظى بضمانات دولية وإقليمية، لا تبقى رهينة النوايا الحسنة أو موازين القوى العابرة.
خاتمة: كوردستان بين إرث الماضي وخيارات المستقبل
إن الهدف النهائي لهذه الاستراتيجية المقترحة ليس الدخول في مواجهة شاملة مع النظام الإقليمي القائم، ولا التخلي عن الطموحات القومية الكوردية المشروعة، وإنما بناء القدرة التي تجعل تحقيق تلك الطموحات أكثر واقعية، وأقل اعتماداً على إرادة الآخرين وحدها. ومن هذا المنطلق، يحاول هذا المقال الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية:
ما المقصود بالأمن القومي الكوردي في الظروف الراهنة؟ولماذا لم تتحوّل الإمكانات الكوردية المتراكمة عبر عقود إلى قوة استراتيجية متناسبة مع حجمها الفعلي؟ وكيف يمكن تحويل القوة الوظيفية من دور تكتيكي عابر إلى وظيفة استراتيجية مؤسسية راسخة؟ وكيف يمكن استثمار الجغرافيا والطاقة والممرات والحدود في بناء نفوذ سياسي حقيقي؟ وكيف يمكن بناء استراتيجية مشتركة بين الأجزاء الأربعة تحترم خصوصية كل تجربة، وتؤسس في الوقت ذاته لوحدة المصالح العليا؟ وأخيراً، كيف يمكن تحويل القوة والنفوذ إلى استقلالية استراتيجية واعتراف سياسي ومؤسسي مستدام؟
والإجابة عن هذه الأسئلة، في تقديرنا، تقتضي انتقالاً جذرياً في زاوية النظر إلى القضية الكوردية: من التفكير فيها بوصفها مشكلة تنتظر حلاً يأتيها من الخارج، إلى التفكير فيها بوصفها مشروعاً استراتيجياً متكاملاً لبناء قدرة كوردية ذاتية، قادرة لا على انتظار الحل فحسب، بل على المشاركة الفعلية في صياغته وتوجيه مساره. وهذا، في نهاية التحليل، هو جوهر ما ينبغي أن يُقصد بعبارة “الأمن القومي الكوردي أولاً”.
