الرئيسيةثقافة وفنقسم التاريخ

من هم الفرس ومن أين أتوا؟

بقلم: أمير أبو حديد

عندما أتكلم عن الفرس، يجب أولًا أن أصحح خلطًا تاريخيًا شائعًا: بارث ليست فارس، والبارثيون ليسوا الفرس. من وجهة نظري وحسب بحوثاتي الطويلة والعميقة لا يوجد شعب في قديم الزمان اسمه الشعب الفارسي ولا بلاد فارس ولا أرض فارس !

إقليم بارث التاريخي كان في شمال شرق الهضبة الإيرانية، بينما بارس تقع في الجنوب الغربي. والبارثيون أصبحوا لاحقًا أصحاب الإمبراطورية الأرشكية، أما البارس فارتبط مركزهم التاريخي بإقليم بارسا Pārsa

أما إذا عدنا إلى الجذور البعيدة، فإن البارس ينتمون لغويًا إلى الجماعات الإيرانية من الأسرة الهندوأوروبية. وترتبط المراحل الأقدم من تاريخ الشعوب الهندوإيرانية بتحركات جماعات رعوية من مناطق السهوب الأوراسية وآسيا الوسطى نحو الجنوب على مراحل طويلة.وسوف اذكر اهم هذه القبائل الرعوية المهاجرة والتي استقرت في ارض الآرييين واطلق عليهم اسم الفرس او الفارسيين مع ان الأسم الصحيح بارثي, ومنهم:

البارني Parni

 كانوا جماعة بدوية مرتبطة باتحاد الداهيين Dahae في آسيا الوسطى. قاد أرساس Arsaces البارنيين إلى بارث في القرن الثالث ق.م. وسيطروا عليها، ومنهم نشأت السلالة الأرشكية التي حكمت الإمبراطورية البارثية.

الداهيون Dahae

اتحاد قبلي إيراني بدوي عاش شرق وجنوب شرق بحر قزوين وفي مناطق آسيا الوسطى. ومنهم أو من اتحادهم خرج البارنيون. وهؤلاء من أوضح الأمثلة على جماعات رعوية بدوية انتقلت من نطاق آسيا الوسطى إلى المجال الإيراني.

الساكا Saka

مجموعات إيرانية رعوية من عالم السهوب، مرتبطة بالمجال السكيثي الأوسع. تحركت مجموعات منهم إلى شرق وشمال شرق إيران وأفغانستان وآسيا الوسطى. وأصبح اسم سيستان Sakastan مرتبطًا باستقرار الساكا فيها.

السكيثيون Scythians

اسم واسع لجماعات رعوية إيرانية اللغة عاشت في سهوب أوراسيا. دخلت مجموعات سكيثية إلى غرب آسيا وإيران في القرنين السابع والسادس ق.م، لكنها ليست ببساطة «قبيلة فارسية» أو «بارثية».

السارماتيون Sarmatians

شعوب إيرانية من سهوب أوراسيا الغربية، قريبة لغويًا وثقافيًا من العالم السكيثي. كان مجالهم الأساسي شمال بحر قزوين والبحر الأسود، وكانت لهم صلات وتحركات مع المجال الإيراني، لكن وجودهم داخل الهضبة الإيرانية أقل وضوحًا من الساكا والداهيين.

المساغيت Massagetae

جماعات رعوية إيرانية أو مرتبطة بالعالم الإيراني الشرقي في آسيا الوسطى شرق بحر قزوين. كانوا جزءًا من عالم السهوب المحيط بالمجال الإيراني، لكن لا ينبغي وصفهم بأنهم استقروا جماعيًا في بارث من دون تحديد الفترة

لكن هؤلاء لم يدخلوا أرضًا فارغة,وعند دخولهم مع الزمن تم الانصهار والاندماج مع بعضهما البعض ولكن

قبل ظهور الفرس بزمن طويل جدًا، كانت الهضبة الإيرانية وزاغروس موطنًا لشعوب وحضارات أقدم. العيلاميون والكوتيون واللولوبـيون والكاشيون وغيرهم كانوا موجودين في هذه الجغرافيا قبل ظهور الدولة الفارسية بقرون وقرون.

ثم تظهر في المصادر الآشورية في الألف الأول قبل الميلاد أسماء مثل Parsua، لكن تحديد العلاقة الدقيقة بين Parsua في النصوص الآشورية المبكرة وبين Pārsa الفارسية اللاحقة يحتاج إلى الحذر، لأن الاسمين لا يجوز دمجهما آليًا وكأنهما مكان واحد.

أم الجماعات المهاجرة التى استقرت في ارض الآريين اطلق عليهم البارثييين , الذين نعرفهم تاريخيًا بصورة واضحة، فقد ارتبطوا في النهاية بجنوب غرب إيران، بمنطقة Pārsa، ومنها خرجت الأسرة الأخمينية في القرن السادس قبل الميلاد وأقامت الإمبراطورية الأخمينية.

وهنا أكرر:

بارث شيء، وفارس شيء آخر.

البارثيون شيء، والفرس شيء آخر.

يجمعهما الانتماء إلى العالم الإيراني اللغوي الواسع، لكن ذلك لا يجعلهما شعبًا واحدًا في قديم الزمان.وانما

بعد الاختلاط والانصهار تم اعتبارهم شعبا واحد.

أما اسم فارس، فليس اسمًا اخترعه العرب وانما لم ينطقوه صح بارث بل نطقوه فارس. الاسم Pārsa موثق قبل الإسلام بأكثر من ألف عام، وعرف اليونانيون البارثيين بصيغة Persai وبلاد فارس بصيغة Persis. وعندما جاء العرب استعملوا فارس والفرس

وملك كسرى وشعب فارس وارض فارس الخ.

لذلك عندما أقول إن الفرس ليسوا السكان الأصليين الأوائل للهضبة الإيرانية، فأنا لا أقول ذلك كشعار سياسي، بل أميز بين مراحل تاريخية مختلفة.

هناك شعوب زاغروس وإيران القديمة.

وهناك وصول وانتشار الجماعات الإيرانية اللغة.

وهناك الميديون.

وهناك البارسا.

وهناك البارثيون.

وهناك دول وإمبراطوريات ظهرت في أزمنة مختلفة.

لا يجوز جمع كل هؤلاء تحت كلمة فارس ثم إعادة هذا الاسم إلى آلاف السنين قبل ظهور الفرس أنفسهم.

إيران جغرافيا متعددة الشعوب والحضارات، وتاريخها أقدم بكثير من الإمبراطورية الفارسية.ان كان هنالك اصلا امبرطورية فارسية !!!

والفرس أصبحوا لاحقًا جزءًا أساسيًا من هذا التاريخ، لكنهم لم يكونوا بدايته.

وهنا آتي بمراجع ومصادر لمؤرخين قدماء:

أهم جماعة يجب أن تركز عليها هي البارني Parni/Aparni. موسوعة Encyclopaedia Iranica تصفهم بأنهم قبيلة إيرانية شرقية، وكانوا إحدى القبائل الثلاث التابعة لاتحاد الداهيين Dahae. وتذكر أن موطنهم الأبعد ربما كان جنوب روسيا، وأنهم هاجروا مع جماعات سكيثية أخرى باتجاه داهستان جنوب شرقي بحر قزوين.

ثم حدث الأمر الأهم: في القرن الثالث قبل الميلاد، قاد أرساس الأول Arsaces I البارني، ودخلوا إقليم بارث Parthia/Parthava وسيطروا عليه. وتضع المصادر الحدث تقريبًا بين 240 و238 ق.م.، وهزموا الحاكم أندراغوراس، ومن هذه السيطرة بدأت الدولة الأرشكية التي نسميها عادة الإمبراطورية البارثية.

والأجمل أن Iranica توضح نقطة كنا نبحث عنها بالضبط: اسم Parthia/Parthava كان في الأصل اسمًا جغرافيًا، ثم بعد سيطرة البارني على الإقليم بدأ اسم «البارثيين» يُطلق عليهم أيضًا. أي أن البارني القادمين ليسوا ببساطة السكان الأصليين الذين أعطوا الإقليم اسمه منذ البداية.

أما سترابون، فالرواية التي ينقلها تقول إن أرساس كان زعيمًا لقبيلة من الداهيين، ويربط البارني بمنطقة نهر Ochus وبالعالم السكيثي/البدوي شمال شرق إيران. وفي موضع آخر يعطي رواية مختلفة تجعل أرساس باختريًا، ولذلك ينبه الباحثون إلى أن المصادر القديمة ليست متفقة تمامًا حول أصل أرساس الشخصي.

وهذا مهم جدًا حتى لا نقول أكثر مما تسمح به الوثائق.

السلسلة التاريخية الأقوى التي نستطيع الدفاع عنها هي:

سهوب أوراسيا/آسيا الوسطى ← جماعات الداهيين Dahae ← البارني Parni ← التحرك نحو جنوب شرق بحر قزوين ← أرساس الأول ← غزو بارث في القرن الثالث ق.م. ← قيام السلالة الأرشكية ← تحول البارني تدريجيًا إلى ما عرف تاريخيًا بالبارثيين.

أما البارسا فلا ندخلهم في هذه السلسلة. البارسا مرتبطون تاريخيًا بـ   Pārsa بارسا في جنوب غرب إيران، بينما قصة البارني والأرشكيين مرتبطة ببارث في الشمال الشرقي. الخلط بين الاثنين يفسد الحجة بدل أن يقويها.

وهناك نقطة أخرى جميلة جدًا وجدتها: المصادر تذكر قبيلتين أخريين ضمن عالم الداهيين هما Xanthioi وPissouroi، بينما البارني هم الجماعة التي أصبحت ذات الأهمية التاريخية الكبرى لأنها استولت على بارث.

إذن نستطيع أن نقول بثقة تاريخية:

«الذين أسسوا الدولة الأرشكية البارثية لم يكونوا بارسًا قدموا من إقليم بارس؛ بل خرجت الأسرة الحاكمة من البارني، وهم جماعة إيرانية شرقية مرتبطة باتحاد الداهيين والعالم الرعوي لآسيا الوسطى، دخلت إقليم بارث في القرن الثالث قبل الميلاد وسيطرت عليه.»

وهذا ليس استنتاجًا قوميًا منا؛ هذا موجود صراحة في Encyclopaedia Iranica اعتمادًا على سترابون وأريان وغيرهما.

Encyclopaedia Iranica: Aparna/Parni
Encyclopaedia Iranica: Origins of the Arsacids

Prstt / Prstt التي نناقشها موجودة في لوحة فيثوم Pithom Stele، وتحديدًا في السطر 11. واللوحة عُثر عليها في موقع تل المسخوطة Tell el-Maskhuta في وادي طميلات بشرق دلتا النيل في مصر، أثناء حفريات عالم المصريات السويسري Édouard Naville سنة 1883.

النقش يعود إلى عهد بطليموس الثاني فيلادلفوس، في القرن الثالث قبل الميلاد.

لحظوا ان كلمة برست تم ترجمتها فارس !!!!!!

أقوى دليل تمثال داريوس الذي صنعه المصريون. على قاعدة التمثال توجد قائمة هيروغليفية لشعوب وأقاليم الإمبراطورية، ومن بينها الاسم:

p-rw-s

ويُنقل أيضًا تقريبًا:

Prws

وهذا الاسم هو الذي يترجمه علماء المصريات اليوم إلى Persia = فارس.

على سبيل المثال اسمك عادل فانا اترجمه الى حكمت واقول لك الاسمان نفس المعنى !! عجيب غريب صح ولو تكلمنا بالمنطق والعقل ان كان تشكيل الكلمة خطأ يختلف المعنى فكيف لو بدلنا الاحرف مثال على تشكيل الكلمة الواحدة:

عَلِمَ = عَرَفَ
عِلْم = المعرفة
عَلَم = راية أو علامة بحسب السياق
عُلِمَ = عُرِفَ، بصيغة المبني للمجهول.

التاريخ مزور 100 % وهنالك من تلاعب في التاريخ وحتى تلاعب في الحروف والتشكيل والأسماء .

وحتى اسماء مناطق جغرافية جعلها اسماء شعوب واكبر مثال أرض كنعان اصبحت شعب ! مع أنه كنعان ذكرت كمنطقة جغرافية ولا تدل عى شعب اسمه كنعاني !!

مع تحياتي لكم جميعا .

أمير أبو حديد

باحث في التاريخ والفكر، ومؤرخ وكاتب

أمير أبو حديد

أنا أمير أبو حديد، من غرب كوردستان، روج آفا – كوردستان سوريا، من قرية الزهرية، من بيت رفو. ولدت عام 1965، وترعرعت في مدينة حلب، حيث أمضيت سنوات طفولتي وشبابي وتلقيت تعليمي حتى حصولي على الشهادة الثانوية. منذ سنواتي الأولى كان التاريخ بالنسبة إليّ أكثر من مجرد حوادث وأسماء وتواريخ؛ كان سؤالًا دائمًا عن الإنسان والأرض والهوية والحقيقة. وهذا الشغف هو الذي قادني لاحقًا إلى رحلة طويلة في الدراسة والبحث لم تتوقف حتى اليوم. بعد إنهائي المرحلة الثانوية انتقلت إلى دمشق والتحقت بكلية الآداب، قسم الفلسفة. وبعد السنة الأولى انتقلت إلى كلية التربية لدراسة علم النفس. وقد أتاحت لي هاتان التجربتان الاقتراب من الإنسان من زاويتين مختلفتين: الفكر والنفس، وهو ما ترك أثرًا في الطريقة التي أصبحت أقرأ بها التاريخ فيما بعد. ثم انتقلت إلى بيروت للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، كلية الآداب والعلوم، قسم التاريخ. وهناك درست موضوعات شملت تاريخ الشرق الأوسط، وتاريخ بلاد الشام، والدراسات العثمانية وآثار الشرق القديم. وكانت بيروت بالنسبة إليّ أكثر من مرحلة جامعية؛ ففي أثناء وجودي فيها بدأت، باجتهاد شخصي، دراسة الأديان السماوية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، والبحث في نصوصها وتاريخها والعلاقات التي نشأت بينها وبين مجتمعات الشرق الأدنى. وبسبب الحرب الأهلية اللبنانية انتقلت إلى هولندا، حيث واصلت مسيرتي الدراسية والمعرفية، وأقيم فيها منذ نحو ثمانية وثلاثين عامًا. أكثر من ثلاثين عامًا في البحث لم تتوقف علاقتي بالتاريخ بانتهاء الدراسة الجامعية، بل بدأت بعدها بالنسبة إليّ المرحلة الأهم. فعلى مدى أكثر من ثلاثين عامًا واصلت البحث والتدقيق والمقارنة والتفتيش عن الحقيقة التاريخية، وخصوصًا في تاريخ الشرق الأدنى القديم، وشعوب بلاد الرافدين وزاغروس، والحوريين والكورد، وتاريخ الأديان والهويات والقوميات التي تشكلت في المنطقة. وأحرص على متابعة ما يصدر حديثًا من أبحاث ودراسات، ولي اتصالات ومراسلات مع جامعات في هولندا بهدف الاطلاع على المستجدات في علم الآثار والدراسات التاريخية والبحوث المتعلقة بالشرق القديم. وقد تعلمت خلال هذه الرحلة الطويلة مبدأً أعدّه أساسًا في عملي: التاريخ ليس نصًا مقدسًا لا يجوز الاقتراب منه. فالعلم يتقدم باستمرار، والتنقيبات الأثرية تكشف مواقع جديدة، والنقوش والمسماريات يعاد فحصها وقراءتها، ونظريات كانت مقبولة لعشرات السنين قد تتغير عندما يظهر دليل جديد. وقد أثبت تطور علم الآثار والدراسات المسمارية أن بعض القراءات والتفسيرات القديمة تحتاج إلى التصحيح أو إعادة النظر. ولهذا لا أتعامل مع رأي مؤرخ أو عالم، مهما كان اسمه، باعتباره نهاية البحث، وإنما أسأل دائمًا: ما الدليل؟ وما المصدر؟ وهل ما زال هذا التفسير قائمًا أمام المكتشفات والدراسات الحديثة؟ مؤلفاتي وأبحاثي وصل عدد كتبي المنشورة على موقع مكتبة نور العربية إلى 27 كتابًا، تناولت فيها موضوعات تاريخية وفكرية متعددة، مع اهتمام خاص بتاريخ الشعب الكوردي وحضارات الشرق الأدنى القديم. ومن بين مؤلفاتي: «تاريخ الكورد بالمختصر المفيد»، الذي حاولت من خلاله تقديم تاريخ الشعب الكوردي وجذوره ومسيرته التاريخية بصورة واضحة ومركزة. وكتاب «البارزاني: من عشيرة جبلية إلى قوة سياسية في كوردستان»، الذي أتناول فيه التحولات التاريخية والسياسية التي رافقت صعود الحركة البارزانية ومكانتها في التاريخ الكوردي الحديث. وكذلك كتاب «من زاغروس الساسانية إلى شنكال: تاريخ العنف والمجازر والتهجير ضد الشعب الكوردي من 636م إلى الوقت الحاضر»، وهو محاولة لتوثيق مسار طويل من الحروب والمجازر والتهجير والتحولات التي تعرض لها الشعب الكوردي عبر مراحل تاريخية مختلفة. كما كنت من أوائل من تناولوا بالنقد ما يسمى «حضارة تارتاريا»، وخصصت لها دراسة هدفت إلى تفكيك الادعاءات المنتشرة حول وجود إمبراطورية تارتارية عالمية مخفية، ومقارنتها بالخرائط والوثائق والشواهد التاريخية. ولي كذلك كتاب أتناول فيه الحضارة الإغريقية وصلاتها بحضارات الشرق القديم، وأبحث بصورة خاصة في أوجه التشابه والتأثير التي أراها بين بعض الموروثات الإغريقية والعالم الحوري، ولا سيما في مجال الآلهة والأساطير والمعتقدات. الحوريون والكورد وإعادة قراءة تاريخ الشرق القديم يشكل البحث في الحضارة الحورية واحدًا من أهم محاور مشروعي الفكري والتاريخي. ومن خلال سنوات طويلة من المقارنة بين الجغرافيا والأسماء القديمة والنقوش والمواقع الأثرية وحركة الشعوب، طورت أطروحتي الخاصة حول العلاقة التاريخية بين الحوريين والكورد، وأعمل على إعادة قراءة تاريخ المناطق الممتدة من جبال زاغروس إلى شمال بلاد الرافدين والجزيرة السورية والأناضول ضمن هذا الإطار. كما طرحت قراءتي الخاصة لمسألة الأموريين، وحاولت من خلالها إعادة النظر في هويتهم وأصولهم وعلاقتهم بالشعوب والجغرافيا المحيطة بهم. وعملت كذلك على تحديد ما أراه الجغرافيا التاريخية لكوردستان الكبرى، من خلال مقارنة الخرائط التاريخية وأسماء المناطق والجبال والأنهار والمدن والمصادر القديمة والحديثة. ومن أبحاثي التي أعتز بها أيضًا دراسة أكاديمية خصصتها لمسألة أصول السومريين. وفيها أطرح أطروحتي بأن البحث عن جذورهم ينبغي أن يتجه نحو المجال الحوري والزاغروسي والكوردي القديم، وأقدم الأدلة والمقارنات التي بنيت عليها هذا الاستنتاج، مع مناقشة النظريات الأخرى المتعلقة بأصل السومريين. وأؤكد عندما أطرح مثل هذه الآراء أنني أقدم نتائج بحثي وأطروحاتي الشخصية؛ فالقول إنني أول من فك «شفرة الأموريين»، أو أول من ربط الكورد بجذور حورية، أو أنني أثبت الأصل الحوري-الكوردي للسومريين، هو ما أتوصل إليه وأدافع عنه في أبحاثي، وأضع أدلتي أمام القارئ والباحث للنقاش والنقد والمقارنة. لماذا أبحث في التاريخ؟ بعد هذه السنوات الطويلة أصبحت أكثر اقتناعًا بأن وظيفة الباحث ليست الدفاع عن الرواية التي ورثها، وإنما اختبارها. أنا لا أبحث لكي أكرر ما كتبه الآخرون، ولا أعتقد أن قدم النظرية يجعلها صحيحة بالضرورة. أبحث في النقوش، والآثار، والجغرافيا، واللغات، والخرائط والمصادر، وأقارن بينها قدر استطاعتي، لأنني أؤمن بأن اكتشافًا أثريًا واحدًا أو قراءة صحيحة لنقش قديم قد يجبرنا أحيانًا على إعادة النظر في صفحات كاملة من التاريخ. قد يتفق القارئ معي، وقد يختلف، وهذا حقه. ما أطلبه هو أن يكون الدليل هو الحكم. رحلتي التي بدأت من قرية الزهرية، ومرت بحلب ودمشق وبيروت، واستقرت بي في هولندا، تحولت عبر العقود إلى رحلة بحث عن شيء واحد: الحقيقة التاريخية كما أستطيع الوصول إليها، لا كما يراد لي أن أراها. وما زلت أقرأ وأبحث وأراجع وأصحح؛ لأنني أؤمن أن الباحث الحقيقي لا يصل إلى يوم يقول فيه إنه عرف كل شيء، بل يبقى مستعدًا لأن يعيد النظر في رأيه عندما يظهر أمامه دليل أقوى. أنا الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد باحث في التاريخ والفكر، ومؤرخ وكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *