أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةمقالات

القانون الدولي وشرعية الاعتراف: من سيادة الدولة المطلقة إلى مسؤولية حماية الشعوب

الكاتب: مروان فلو


مدخل: حين أصبح الإنسان موضوعاً للقانون الدولي
ظلّ القانون الدولي لقرون شأناً حصرياً بين الدول، ينظّم علاقاتها ويرسم حدود سيادتها، بينما تُركت علاقة الحكومة بشعبها لِما يُسمّى “الشأن الداخلي” الذي يحظره مبدأ السيادة الذي أرساه صلح وستفاليا عام 1648 على أي تدخل خارجي. غير أن ما كشفته الحرب العالمية الثانية من إبادة جماعية واضطهاد ممنهج جعل من المستحيل أخلاقياً وسياسياً الإبقاء على هذا الجدار الفاصل. من رحم تلك الصدمة، تأسست منظومة قانونية دولية جديدة تُقرّ، لأول مرة، بأن الفرد حامل لحقوق تسبق الدولة وتعلو على تشريعاتها المحلية.
أولاً: ميثاق الأمم المتحدة (1945) وتوتره التأسيسي
حمل ميثاق 1945 توتراً بنيوياً لم يُحسم بعد: فبينما أكّدت ديباجته صون السلم وتعزيز حقوق الإنسان “دون تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين”، نصّت مادته الثانية في الوقت ذاته على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء. هذا التوتر بين حماية الإنسان وضمان السيادة ظل، طوال الحرب الباردة، محسوماً لصالح السيادة، قبل أن تتبدّل الموازين تدريجياً في العقود اللاحقة.
ثانياً: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) — الأساس الأخلاقي
جاء الإعلان العالمي في ديسمبر 1948 ليترجم مبادئ الميثاق إلى حقوق محددة، دون أن يحمل قوة الإلزام القانوني، لكنه اكتسب بمرور الوقت ثقلاً معيارياً صار مرجعية للمواثيق اللاحقة كافة. ونصّت مادته الثانية على حظر التمييز على أساس العرق أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل الوطني والاجتماعي، وهو نص وفّر سنداً أخلاقياً مبكراً لحقوق الجماعات اللغوية والإثنية، وإن ظل تركيزه الأول منصبّاً على الفرد لا الجماعة، انعكاساً للخلاف الفلسفي بين الوفود الغربية التي قدّمت الحقوق الفردية، ووفود آسيوية وأفريقية طالبت بالاعتراف بالحقوق الجماعية والثقافية.
ثالثاً: العهدان الدوليان (1966) — من الإعلان إلى الالتزام
مثّل اعتماد العهدين الدوليين عام 1966 — الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية — نقلة من الإعلان غير الملزم إلى الالتزام القانوني الدولي. وتنص المادة الأولى المشتركة بينهما على أن “لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها”، وهي عبارة أثارت جدلاً فقهياً لا يزال قائماً حول ما إذا كانت تشمل الجماعات القومية داخل الدولة الواحدة أم تقتصر على الشعوب الخاضعة للاستعمار. أما المادة 27 من العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فتنص صراحة على عدم جواز حرمان الأشخاص المنتمين إلى أقليات إثنية أو دينية أو لغوية من التمتع بثقافتهم أو لغتهم أو دينهم، وهي الأداة القانونية الأكثر استحضاراً في الدفاع عن حقوق الأقليات القومية أمام هيئات الأمم المتحدة، وإن ظلت آليات إنفاذها محدودة الفعالية.
رابعاً: من السيادة المطلقة إلى السيادة المشروطة
شهد النصف الثاني من القرن العشرين تحوّلاً جوهرياً: فالسيادة لم تعد، في العرف الدولي المتشكّل تدريجياً، صكّاً مفتوحاً بيد الدولة، بل أصبحت مشروطة باحترام الحقوق الإنسانية الأساسية. وقد بلغ هذا التحول ذروته المعيارية حين كرّست قمة الأمم المتحدة عام 2005 مبدأ “مسؤولية الحماية”، الذي يقوم على ثلاثة أعمدة: مسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها، ومسؤولية المجتمع الدولي عن مساعدتها في ذلك، ومسؤوليته عن التدخل حين تفشل الدولة أو تتحول هي نفسها إلى مصدر خطر على شعبها. وقد استُحضرت جرائم الأنفال وحلبجة في العراق، وما تعرّض له الإيزيديون على يد تنظيم داعش عام 2014، كأمثلة مركزية في النقاش الدولي حول حدود السيادة حين تُستخدم غطاءً للإبادة.
خامساً: الاتفاقية الأوروبية — نموذج الإنفاذ الإقليمي
قدّم النظام الأوروبي، عبر الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (1950) والمحكمة الأوروبية في ستراسبورغ، النموذج الأكثر تقدماً في العالم من حيث الإنفاذ الفعلي، إذ تتلقى المحكمة شكاوى الأفراد مباشرة وتصدر أحكاماً ملزمة. وقد أصدرت عشرات الأحكام ضد تركيا في قضايا تتعلق بانتهاكات بحق مواطنين أكراد، شملت الإعدام خارج القضاء والتعذيب وتدمير القرى وحظر الأحزاب السياسية والقيود على استخدام اللغة الكردية — وإن ظل تطبيق تركيا لتلك الأحكام متفاوتاً وانتقائياً. هذا النموذج يكشف أن الإنفاذ الفعلي لحقوق الإنسان يستلزم آليات قضائية إقليمية مستقلة وملزمة، لا إعلانات سياسية فحسب.
سادساً: حدود المنظومة الدولية
تبقى الفجوة بين المبادئ المعلَنة والتطبيق الفعلي إحدى أكثر إشكاليات القانون الدولي إلحاحاً. وتتشابك في تفسيرها ثلاثة عوامل: غياب آليات إنفاذ ملزمة في معظم مواثيق حقوق الإنسان التي تعتمد على الإقناع لا الإكراه القانوني؛ وهيمنة الاعتبارات الجيوسياسية على قرارات مجلس الأمن الذي يملك وحده أدوات الإنفاذ الفعلية؛ وتمسّك دول عديدة بمبدأ السيادة كخط أحمر، استناداً إلى تجارب استعمارية رأت فيها القوى الغربية تجييراً للخطاب الحقوقي لأغراض توسعية.
خلاصة
قطعت منظومة حقوق الإنسان الدولية، في ثمانية عقود، شوطاً لافتاً في تأسيس المبادئ وصياغة المعايير. لكن هذا التراكم القانوني يبقى شرطاً ضرورياً لا كافياً: فالقانون الدولي وحده لا يغيّر واقع الشعوب المهمَّشة إن لم تقترن نصوصه بإرادة سياسية محلية وضغط مجتمعي داخلي وتحولات إقليمية تجعل الاعتراف خياراً أقل تكلفة من الإنكار.
++++++++++++++&&&&
المصادر:
ميثاق الأمم المتحدة (1945)؛
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)؛
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية (1966)؛ الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (1950) وأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان؛
وثيقة نتائج القمة العالمية للأمم المتحدة 2005 (مبدأ مسؤولية الحماية).

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *