أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةمقالات

كوردستان بين الخريطة والهوية

الكاتب: حسين قاسم

تاريخ الكورد في المنطقة هو تاريخ الفرص الضائعة والتحالفات المتناقضة، وهو أيضًا تاريخ شعبٍ حاول أن يحافظ على هويته رغم الخرائط التي رُسمت فوقه دون أن يُستشار. وفي قلب هذا التاريخ تظهر لحظات مفصلية كان يمكن أن تغيّر مصير المنطقة لو اتخذت القوى السياسية خيارات مختلفة.

من بين هذه اللحظات ما يُطرح اليوم في النقاشات السياسية: ماذا لو قبل الكورد بالشروط التركية القديمة التي كانت تعرض الحفاظ على وحدة تركيا مقابل إعادة إحياء الخريطة العثمانية، ومنح الكورد حكمًا فيدراليًا واسعًا يشمل حلب والموصل والمدن الكوردية داخل تركيا؟ لو حدث ذلك، لكان الكورد اليوم قوة سياسية مركزية تحكم أجزاء واسعة من سوريا والعراق وربما تركيا نفسها. لكن هذا السيناريو بقي في إطار الاحتمال، لأن الأحزاب التركية لم تقبل، والشعب الكوردي في روج آفا لم يقبل أيضًا. الكورد لم يكونوا مستعدين للتنازل عن حقهم القومي مقابل وعود غير مضمونة، ولم يكونوا مستعدين ليكونوا جزءًا من مشروع قومي تركي جديد.

اليوم، وبعد مرور عقود على تلك اللحظة، يظهر تناقض آخر في المشهد السوري. فبعض القوى السورية التي ترفض الاعتراف بالحقوق الكوردية، تتمسك بخريطة سايكس–بيكو التي رسمها الفرنسيون والبريطانيون، رغم أنها كانت سببًا في تقسيم المنطقة وحرمان شعوبها من تقرير مصيرها. المفارقة أن هذه القوى نفسها تحتفل بـ يوم الجلاء وتفاخر بطرد الفرنسيين، لكنها في الوقت ذاته تتمسك بالحدود التي وضعها الفرنسيون، وتدافع عنها وكأنها حدود مقدسة لا يجوز المساس بها. كيف يمكن أن تكون ضد الاستعمار، ثم تتمسك بخرائطه؟ هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة الخطاب القومي السوري التقليدي.

وفي الوقت نفسه، تُطرح شعارات إسقاط الديكتاتورية، لكن ما يحدث على الأرض هو إعادة إنتاج نفس النموذج بوجوه جديدة. يتم رفض نظام الأسد بحجة أنه ديكتاتور، ثم تُفرض نماذج سياسية أخرى لا تختلف عنه في الجوهر، ولا تغيّر الفكر القومي البعثي، ولا تتجاوز الحدود التي رسمها الاستعمار. بهذا الشكل، لا يحدث أي تغيير حقيقي، بل يتم استبدال ديكتاتور بآخر، دون مراجعة الأسس الفكرية التي صنعت الأزمة السورية منذ عقود.

وسط هذا المشهد، يُطلب من الكورد أن يقبلوا بأن يكونوا “جزءًا من العرب”، وأن يتخلّوا عن هويتهم القومية، وأن يعيشوا ضمن إطار قومي عربي لا يعترف بالتعددية. هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن الكورد شعبٌ له لغته وثقافته وتاريخه وموطنه، وأنه ليس امتدادًا لأي قومية أخرى. الكوردي الذي يقبل بأن يُمحى وجوده القومي تحت أي شعار سياسي، إنما يتصرف بدافع حزبي أو شخصي، ولا يمثل الشعب الكوردي ولا تطلعاته التاريخية.

إن القضية الكوردية ليست قضية حدود فقط، بل قضية حقٍ في الوجود والاعتراف والكرامة. وهي قضية لا يمكن حلّها عبر فرض خرائط استعمارية، ولا عبر إعادة إنتاج أنظمة شمولية، ولا عبر مطالبة الكورد بالتخلي عن هويتهم. الحل الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن الشرق الأوسط متعدد القوميات، وأن الكورد جزء أصيل من هذه المنطقة، وأن أي مشروع سياسي لا يعترف بهم لن يكون مشروعًا مستقرًا أو قابلًا للحياة.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *