رسالة إلى الأحزاب والقوى الكوردية
بقلم الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد
رسالة إلى الأحزاب والقوى الكوردية
بصفتي باحثًا ومؤرخًا قضيت سنوات طويلة في قراءة تاريخ الشعوب، وسقوط الدول، وانقسام الحركات، وصعود الأمم وانكسارها، أقولها بكل وضوح: أخطر ما يهدد أي قضية ليس دائمًا العدو الخارجي، بل الانقسام الداخلي عندما يتحول من اختلاف سياسي إلى خصومة وجودية بين أبناء القضية الواحدة.
التاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه.
لقد رأينا في صفحات التاريخ كيف ضاعت فرص كبرى لشعوب كاملة، ليس لأنها كانت ضعيفة عدديًا أو جغرافيًا، بل لأنها انقسمت في اللحظة التي كان ينبغي أن تتوحد فيها. ورأينا كيف استفاد الآخرون من كل شقاق داخلي، ومن كل خلاف حزبي، ومن كل صراع على النفوذ، حتى أصبحت قوة الخصم أحيانًا في ضعفنا نحن، لا في قوته هو.
ولهذا أقول لجميع الأحزاب والقوى الكوردية، من دون استثناء: اختلفوا في البرامج، اختلفوا في الاقتصاد، في الإدارة، في التحالفات، في طريقة الحكم، وفي تفسير الأحداث؛ فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي. لكن لا تجعلوا من الخلاف السياسي حربًا داخل البيت الواحد.
لا تجعلوا الإعلام ساحة لتكسير بعضكم بعضًا.
لا تجعلوا الجماهير الكوردية وقودًا لصراع حزبي.
لا تحوّلوا كل اختلاف إلى تخوين، وكل نقد إلى عداوة، وكل تنافس إلى محاولة لإلغاء الطرف الآخر.
لأن الحزب قد يربح جولة، لكن القضية الكوردية قد تخسر جيلًا كاملًا.
الوضع الذي يمر به الكورد اليوم ليس عاديًا. المنطقة كلها تتغير، التحالفات تتبدل، المصالح الدولية تتحرك بسرعة، والخرائط السياسية ليست ثابتة كما يتوهم البعض. وفي مثل هذه المراحل، الشعوب التي تعرف كيف تدير خلافاتها تحافظ على حقوقها، أما الشعوب التي تدخل في صراعات داخلية فتتحول قضيتها إلى ورقة في يد الآخرين.
من يقرأ التاريخ جيدًا يعرف أن القوى الخارجية لا تدخل عادة من الباب المغلق، بل تدخل من الشقوق التي نصنعها نحن بأيدينا.
حين يهاجم كوردي كورديًا آخر فقط لأنه ينتمي إلى حزب مختلف، وحين يصبح الدفاع عن الحزب أهم من الدفاع عن المصلحة القومية، وحين تتحول أسماء الأحزاب إلى هويات أعلى من هوية الشعب، فنحن أمام خطر حقيقي.
الأحزاب وُجدت لخدمة الشعب، لا لكي يصبح الشعب خادمًا للأحزاب.
لا أحد يطلب من حزب أن يتخلى عن برنامجه، ولا من قائد أن يتنازل عن قناعاته، ولا من حركة سياسية أن تذوب في حركة أخرى. المطلوب أبسط وأعظم من ذلك: أن تكون هناك أرضية كوردية مشتركة لا يسمح لأحد بتجاوزها.
أمن الشعب الكوردي ليس موضوعًا للمزايدة.
كرامة الكورد ليست موضوعًا للمنافسة.
حقوق الكورد ليست ملكًا لحزب واحد.
كوردستان ليست ملكية خاصة لأي تنظيم سياسي.
هي قضية شعب، وتاريخ شعب، ومستقبل أجيال لم تولد بعد.
وأقولها من باب النصيحة لا الاتهام: عندما تختلفون، اجلسوا خلف أبواب مغلقة وتحدثوا ساعات وأيامًا إذا لزم الأمر. ارفعوا أصواتكم داخل غرف الحوار، لكن لا تخرجوا إلى شعبكم بخطاب كراهية يشطر المجتمع إلى معسكرات.
لأن الكلمة السياسية الجارحة قد تحتاج عشرين سنة حتى تندمل.
والدم الذي يُراق بين أبناء الشعب الواحد لا تمحوه البيانات.
والثقة التي تُهدم في يوم قد تحتاج جيلًا كاملًا لإعادتها.
التاريخ علّمني أن الشعوب لا تُبنى بالذاكرة الانتقائية. إذا بقي كل طرف يحمل دفترًا يسجل فيه أخطاء الطرف الآخر، فلن يبقى وقت لبناء المستقبل.
هناك لحظات في حياة الشعوب يجب أن يكون فيها المستقبل أهم من الماضي.
لسنا مطالبين بأن ننسى الأخطاء، ولكننا مطالبون بأن نتعلم منها بدل أن نعيش داخلها.
والقائد الحقيقي ليس من يستطيع أن يعبئ جمهوره ضد كوردي آخر، بل من يستطيع أن يمنع أبناء شعبه من الانجرار إلى فتنة داخلية.
القائد الحقيقي ليس من يملك أعلى صوت في الهجوم، بل من يملك الشجاعة ليقول لأنصاره: هذا خصمي السياسي، لكنه ليس عدوي القومي.
وهنا يكون الفرق بين رجل الحزب ورجل الدولة.
رجل الحزب يفكر في الانتخابات المقبلة.
أما رجل التاريخ فيفكر فيما ستكتبه الأجيال عنه بعد خمسين سنة.
وأنا، كباحث ومؤرخ، أقول لكل قائد كوردي: سيأتي يوم لن تبقى فيه المناصب، ولن تبقى الكراسي، ولن تبقى الألقاب. وسيبقى سؤال واحد في كتب التاريخ: ماذا فعلتم حين كانت قضيتكم بحاجة إلى الوحدة؟
هل جمعتم شعبكم أم قسمتموه؟
هل تركتم لأبنائكم جسرًا يعبرون عليه، أم تركتم لهم خنادق بين الأحزاب؟
هل عرفتم أن تتنازلوا عن جزء من مصلحة الحزب من أجل مصلحة الشعب، أم ضحيتم بمصلحة الشعب من أجل الحزب؟
هذه هي الأسئلة التي لا يستطيع أحد الهرب منها أمام التاريخ.
لذلك أقولها بمحبة ومسؤولية:
كفى تخوينًا.
كفى تحريضًا.
كفى تحويل الخلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية.
كفى تعليم الأجيال أن الكوردي المختلف معنا سياسيًا هو عدو.
علّموا أبناءنا أن المنافسة السياسية لا تلغي الأخوة القومية.
علّموهم أن الحزب وسيلة، وليس وطنًا.
وأن القائد إنسان، وليس قضية.
وأن كوردستان أكبر من الجميع.
الوضع الحالي لا يسمح بمغامرات داخلية جديدة. العالم لا ينتظرنا حتى ننتهي من خلافاتنا. والتاريخ لا يمنح الشعوب الفرصة نفسها إلى الأبد.
وقد تأتي لحظة نجد فيها أن ما أضعناه بسبب خصومات صغيرة كان أكبر بكثير مما تخيلنا.
لهذا فإنني أدعو إلى ميثاق شرف سياسي كوردي، أساسه عدم استخدام السلاح أو التحريض ضد أي طرف كوردي، وعدم تخوين المختلف، واحترام إرادة الناس، وتشكيل مرجعية مشتركة للقضايا القومية الكبرى، مهما بقيت الخلافات الحزبية قائمة.
فلنتنافس في خدمة الناس.
فلنتنافس في التعليم.
فلنتنافس في الاقتصاد.
فلنتنافس في بناء المؤسسات.
فلنتنافس في حماية كرامة الإنسان.
لكن عندما يتعلق الأمر بمصير الشعب الكوردي، يجب أن يكون الصوت واحدًا قدر الإمكان.
لأن الذي لا يتعلم من التاريخ، سيعيد التاريخ تعليمه بالطريقة الأقسى.
كوردستان أكبر من الأحزاب، والشعب أبقى من الزعماء، والتاريخ سيحكم على الجميع.
الباحث والمؤرخ الكوردي
أمير أبو حديد
