سوري كردي من عفرين.. لماذا أحيت تركيا ذكرى إعدام فرنسا لسليمان الحلبي؟
إسطنبول / ستراسبورغ (فرنسا) – كان المُلفت أمس احتفاء تركيا عبر وكالتها الرسمية للأنباء “الأناضول” بذكرى إعدام الشاب السوري سليمان الحلبي من قبل فرنسا قبل أكثر من قرنين من الزمن، إذ من غير الواضح ماذا تُريد حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي من وراء ذلك، خاصة وأنّ الذكرى التي لا تحمل رقماً مميزاً قد صادفت الأربعاء، بينما هناك بالمقابل المئات، إن لم نقل الآلاف، من الشهداء والأبطال في التاريخين العربي والإسلامي الحديث، لم يسبق للأناضول أن أحيت ذكرى مقتلهم، وفي طليعتهم شهداء 6 أيار/ مايو في كل من دمشق وبيروت.
تقول الأناضول، ربما في رسالة تحذير للإليزيه وتقرّب من أكراد سوريا، وتحت عنوان “سليمان الحلبي.. عالم كردي أوجع الاحتلال الفرنسي في مصر”، إنّه صادفت الأربعاء، الذكرى السنوية 221 لإعدام العالم الكردي الشاب سليمان الحلبي، إثر اغتياله الجنرال جان بابتيست كليبر، قائد الحملة الفرنسية على مصر في عهد نابليون بونابرت، ليحضر بذلك الأرضية لانسحاب القوات المحتلة من البلاد.
وتنقل عن مصادر فرنسية، أنّ سليمان ولد عام 1777، وينتمي إلى عائلة “أوس كوبار” الكردية، من قرية “كوكان” التابعة لمنطقة عفرين (محافظة حلب)، شمالي سوريا، حيث ركّزت الأناضول على أصول سليمان في مسعى ربما للإيحاء بأنها لا تكره الأكراد عموماً، وإنما البعض منهم. كما نوّهت إلى أن الحلبي من منطقة عفرين سوريا، دون أن تشير لعمليتها العسكرية التي شنّها الجيش التركي وفصائل إسلامية تابعة له في 2018 تحت شعار “غصن الزيتون” وهو ما تسبب بتهجير نحو 300 ألف من السكان الأصليين.
ووفقاً للوكالة التركية، فقد سليمان سافر إلى فلسطين لزيارة المسجد الأقصى، وخلال رحلته هذه، تقاطع طريقه مع ضابطين في المخابرات العثمانية، عرضا عليه اغتيال قائد قوات الاحتلال في مصر كليبر، فوافق على المهمة فورا.
ويبدو التوجّه التحريري للوكالة، التي تُصنّف أنها الناطق الرسمي باسم حزب العدالة والتنمية الإسلامي التركي الحاكم، واضحا في تبنّيها سلسلة موضوعات تلميعاً للتاريخ العثماني، حتى وصلت لمرحلة سرقة أيّ إنجازات أو بطولات عربية ونسبها لسلاطين آل عثمان، مُتغاضية في ذات الوقت عن مرحلة سوداء حالكة شهدتها الشعوب العربية على مدى 4 قرون من الاحتلال العُثماني.
وبحسب سجلات التحقيق الفرنسية، استمر الحلبي في مراقبة قصر الجنرال الفرنسي لمدة شهر، واشترى في هذه الأثناء خنجرا من مدينة الجيزة المصرية. وفي 14 يونيو 1800، دخل الحلبي إلى حديقة قصر الجنرال في هيئة متسول، واختبأ خلف جدار قديم، ولدى قدوم كليبر اقترب منه بهدوء وطعنه بالخنجر 4 طعنات، كما وجه 6 طعنات إلى المهندس بروتاين، الذي كان برفقته وحاول الدفاع عنه.
وإثر الطعنات، فارق كليبر الحياة على الفور، فين حين توفي المهندس بعد عدة أيام في المستشفى متأثرا بجروحه. بينما هرب الحلبي من الموقع بعدما دفن الخنجر في الحديقة، إلا أن الجنود الفرنسيين تمكنوا من إلقاء القبض عليه بعد العثور على مكان اختبائه.
وتتابع الأناضول مزاعمها، إنه وبعد خضوع الحلبي لتعذيب شديد لفترة طويلة، اعترف بتنفيذه الاغتيال، وأنه تلقى الأمر من ضباط عثمانيين بسبب الخسائر الكبيرة التي كبدها كليبر للجيوش العثمانية.
وبعد محاكمة سريعة، قضت سلطات الاحتلال الفرنسي بإعدام الحلبي بواسطة الخازوق. كما تم حرق يد الحلبي التي طعن بها الجنرال، ونقلت جمجمة الحلبي، إلى فرنسا، ليتم عرضها في متحف الإنسان بباريس، تحت اسم “جمجمة مجرم”.
وأطلق المهندس المصري إحسان محرم، حملة محلية ودولية من أجل استرداد جمجمة ورفات العالم الكردي، لدفنها بشكل مشرف يليق به. كما انطلقت حملة مماثلة من دمشق وحلب تطالب باستعادة جمجمة سليمان الحلبي، عبر حملة تواقيع للرئيس الفرنسي.
يُذكر أنه لا زالت تتعالى اليوم أصوات عربية وإسلامية كثيرة تدعو لإعادة كتابة تاريخ العثمانيين في المنطقة العربية باعتباره “غزواً واحتلالاً” وتعديل المناهج التعليمية وتغيير أسماء الشوارع والأحياء التي تحمل أسماء شخصيات من سلاطين آل عثمان، وهو ما حدث فعلاً في كل من مصر والسعودية.
وقد دأبت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية على الذهاب بعيداً، في أعقاب ما أطلق عليه “الربيع العربي” وبدء وصول جماعة الإخوان المسلمين للحُكم في عدد من الدول، وذلك عبر تحوّلها إلى أداة دعائية للسياسات التركية ودعم وتعزيز توجّهات الرئيس رجب طيب أردوغان لإعادة رسم صورة مغايرة لعلاقة الأتراك ببيئتهم العربية والإسلامية والتأثير في الرأي العام.
وأظهرت الوكالة التركية، ومنذ تأسيس القسم العربي فيها عام 2011 مع انطلاق حملات التحريض الإخوانية، انحيازا بنسبة 100% لرؤى النظام التركي الحالي، وقادت العديد من الحملات الإعلامية لتشويه الحكومات العربية، والتحريض عليها، مستعينة في ذلك بتقارير غير دقيقة، ومعلومات منسوبة لجهات غير موثوقة.