بارزاني حل ازمة 2010 بحكمة.. والمالكي ادخل العراق في نفق مظلم من اجل ولايته الثانية

قصة الانتخابات العراقية من 2005 حتى 2021
لم تسلم اية دورة لانتخابات مجلس النواب، ومنذ 2005، وحتى 2021 من اتهامات التزوير والخروقات ومطالبة الكتل الخاسرة بالعد اليدوي، ومن ثم ادخال البلد في دوامة الصراعات والازمات لتنتهي هذه العملية بتوافقات وتوزيع المناصب الحكومية حسب المحاصصات الدينية والطائفية.

كنت قد شهدت، بحكم عملي الصحفي، أحداث جميع الانتخابات العراقية ميدانيا، مع تفاصيل الصراعات بين الاحزاب والكتل المرشحة للانتخابات خلف الكواليس، وبمناسبة تجدد الخلافات بين الاحزاب والكتل السياسية على نتائج التصويت في انتخابات 10 تشرين الاول 2021، أدون هنا مشاهداتي ومعايشتي كمحايد، وعلى حلقات، وسأكشف بعض هذه التفاصيل في قصة الانتخابات العراقية.

الحلقة  (7) 
الجعفري و”المقعد النوعي”

بسبب تعنت نوري المالكي وتشبثه بالسلطة والبقاء في منصبه رئيسا لمجلس الوزراء، خلافا للدستور، كون قائمته، دولة القانون قد خسرت في انتخابات 2010 بحصولها على 98 مقعدا، مقابل تمسك اياد علاوي، رئيس ائتلاف العراقية، الفائزة بالانتخابات بحصولها على 91 مقعد بحقها الدستوري لتشكيل الحكومة، دخل العراق في ازمة سياسية امتدت لاكثر من 8 اشهر، ولم يبدو ان هناك ثمة ضوء في آخر النفق لتشكيل حكومة جديدة.

وسط هذه الفوضى، تصدى ابراهيم الجعفري، الذي كان قد حصل على مقعد واحد في البرلمان، لتشكيل الحكومة، وعندما سألته خلال حوار صحفي جرى في مكتبه بالمنطقة الخضراء: انت تستكثر على اياد علاوي الذي حصل ائتلافه على 91 مقعدا تشكيل الحكومة، لكنك حصلت على مقعد واحد وتريد تشكيل الحكومة، كيف تفسر ذلك؟، فاجاب بكل ثقة” المقعد الذي حصلت عليه هو المقعد النوعي الذي هو افضل من كل مقاعد البرلمان”. وجوبه تصريحه هذا بسخرية واسعة بين السياسيين ووسائل الاعلام. 

دعوة طالباني
كان الرئيس جلال طالباني له اسلوبه في تقريب وجهات نظر الفرقاء وازالة الحواجز فيما بينهم، سواء على المستوى الحزبي داخل الاتحاد الوطني الكوردستاني، او على المستوى السياسي عراقيا، وذلك بدعوتهم على وجبة غداء، وفتح النقاشات بوضوح وصراحة، وهذا ما تم في أزمة تشكيل الحكومة.
كنت قد وصلت من لندن في مهمة صحفية لتغطية النقاشات والسجالات حول ازمة تشكيل الحكومة العراقية بعد انتخابات 2010، وأقمت في دار ضيافة رئاسة الجمهورية، المجاور لمقر اقامة مام جلال في منطقة الجادرية، ودار الضيافة الذي يستقبل فيه طالباني ضيوفه المقربين كان بيتا مؤجرا (دار أم أمير)، بعد يومين من اقامتي هناك دعاني احد اعضاء سكرتاريته (طالباني) للحضور الى قصر السلام. 

كنت اعرف ان الرئيس كان قد دعا جميع قادة الكتل السياسية، وفي مقدمتهم علاوي والمالكي والجعفري والحكيم وبهاء الاعرجي عن التيار الصدري، الى مادبة غداء، وكان علاوي قد غادر صباح نفس اليوم الى عمان بعذر انه مريض وبحاجة الى العلاج فحضر ابن عمه محمد علاوي، ممثلا عنه . 

عندما وصلت الى قصر السلام وجدت غالبية من زملائي الصحفيين يقفون خارج القصر، حيث منعوا من الدخول لحساسية النقاشات التي ستجري، بينما دعاني مام جلال، الذي كان يقف عند باب القصر لاستقبال المدعوين، للدخول، وهذا ما عرضني للاحراج امام زملائي الذين سربت لهم بعض الانباء العاجلة من الداخل.

عندما اكتمل حضور الضيوف، ودخلوا الى القاعة حيث جلسوا على شكل دائري، فقال مام جلال لاحد مساعديه: “احضروا كرسي وضعوه قرب باب القاعة” وطلب مني الجلوس هناك وقال لي: “تجلس هنا ولا تتحرك.. ممنوع تدخل للقاعة”، بينما كانت الباب مفتوحة اي انني استطيع ان اسمع كل نقاشاتهم، وهذا ما كان يريده مام جلال، هو ان اسمع كل شيء دون ان ادخل.

كانت النقاشات تدور حول ضرورة التوافق بين العراقية ودولة القانون من اجل التوصل الى حل للازمة الحكومية، وكان المالكي متشددا بالتمسك برئاسة الحكومة خاصة وان علاوي لم يكن موجودا وان محمد علاوي كان هادئا وتربيته واخلاقه لم تسمحا له برفع صوته مثلما كان يفعل الاخرين من اتباع المالكي، وهكذا انتهى اللقاء بعد تناول وجبة الغداء وشرب الشاي.

مبادرة مسعود بارزاني
كان لا بد من تدخل الزعيم مسعود بارزاني رئيس اقليم كوردستان، ليعالج الازمة التي تعصف بالبلاد بحكمته المعهودة ولثقة القادة السياسيين به وبخططه، منطلقا من حقيقة وطنية مفادها ان الحل يجب ان يكون عراقيا دون الاعتماد على اطراف اقليمية او دولية، وهكذا دعا، بارزاني، كبار القادة العراقيين، وفي مقدمتهم جلال طالباني واياد علاوي ونوري المالكي وأحمد الجلبي واسامة النجيفي وطارق الهاشمي وعمار الحكيم وممثلين عن التيار الصدري وباقي الكتل السياسية، الى اجتماع في اربيل، انتظم ظهر الاثنين، 8 تشرين الثاني 2010 ، للبحث في السبل الكفيلة بالخروج من ازمة مستعصية مستمرة منذ ثمانية اشهر تلت الانتخابات التشريعية، ومناقشة “مبادرة بارزاني” التي كان قد اطلقها رئيس اقليم كوردستان في منتصف ايلول 2010 للخروج من ازمة تشكيل الحكومة والتي ركزت على “التوافق الوطني وتوضيح مبدأ الشراكة وتقسيم المناصب وتقليل صلاحيات رئيس الوزراء حتى يمكن ان نصل الى حكومة تستطيع ان تحل مشاكل البلد”.

وافتتح بارزاني الاجتماع بكلمة قال فيها: “انها لحظة تاريخية ذات معان عميقة ان نجتمع معا لمناقشة وتقرير مستقبل البلد، وتطويره بشكل يرضي طموحات الشعب العراقي.” بينما وصف الرئيس جلال طالباني الاجتماع بالتاريخي، وعبر عن أمله في ان يسفر عن تشكيل حكومة شراكة وطنية وفاعلة.

وقال علاوي في هذا الاجتماع، ان “المطلوب تحقيقه هو تشكيل حكومة سريعا وفق الاستحقاقات الانتخابية تكون قادرة على تعديل مسار العملية السياسية”. داعيا الى “المساواة في الحقوق والواجبات والصلاحيات وان لا يكون لاحدنا اليد العليا على الاخرين.. ويجب ان تكون الصلاحيات موزعة ومتساوية وضامنة بعيدا عن الطائفية”.

بينما صرح المالكي، قائلا: “ان هناك “ثلاث نقاط مهمة هي الوحدة الوطنية والمصالحة والشراكة”، ودعا الى “فتح صفحة جديدة لدفع التفاهم بين الكتل المختلفة والاسراع في تشكيل الحكومة  وشراكة وطنية حقيقية حيث يجب ان يكون الشريك شريكا حقيقيا من اجل تجاوز الماضي بكل جراحاته”.
ولم يتفائل الهاشمي، نائب رئيس الجمهورية، بالتوصل الى حلول نهائية خلال هذا الاجتماع ، وقال ان “الكثير من النقاط الخلافية ما تزال عالقة ولا ارى امكانية لحسم الخلافات خلال الاجتماع” الذي يستمر ثلاثة ايام. واضاف ان “هذه النقاط تستلزم الكثير من الوقت واولى المسائل العالقة اعادة النظر في السدتور”. وشكل منصب رئيس الوزراء عقدة اساسية في المحادثات نظرا للصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها على الصعيدين الامني والسياسي.

مباحثات ما راثونية
بعد ثلاثة ايام من النقاشات الساخنة وعبر اجتماعات ماراثونية ترأسها بحكمة وصبر رئيس اقليم كوردستان، مسعود بارزاني، تمكنت الكتل من الوصول الى اتفاق فيما بينها لحل ازمة تشكيل الحكومة، حسبما اعلن بارزاني في 11 تشرين الثاني 2010. وقال بارزاني في تصريحات صحفية، إن قادة الكتل السياسية العراقية اتفقوا على أسماء مرشحي الرئاسات الثلاث، مضيفا أن الحكومة الجديدة ستكون حكومة “مشاركة وطنية”، معلنا عن نص الاتفاق الذي نص على أن يحتفظ نوري المالكي بمنصب رئيس الوزراء في تشكيلة الحكومة العراقية الجديدة، وان رئاسة الجمهورية ستكون للكورد، بينما يحصل رئيس القائمة العراقية إياد علاوي على منصب رئيس مجلس السياسة الستراتيجية.

وكانت المحادثات قد استؤنفت في منزل بارزاني ببغداد، بعد انتهاء اجتماع قادة الكتل السياسية في أربيل من دون التوصل لاتفاق شامل. حول قانون المسائلة والعدالة وصلاحيات علاوي وتحديد صلاحيات المالكي.

وشهدت الجلسات التي تواصلت لأكثر من 11 ساعة، حتى ليلة الاربعاء، مناقشات مستفيضة لحسم مجمل القضايا والملفات العالقة وفي مقدمتها انشاء المجلس الوطني للسياسات العليا وملفي المصالحة الوطنية وهيئة المساءلة والعدالة.

واتفق المجتمعون على عقد جلسة للبرلمان العراقي الخميس، التي من المفترض أن يتم خلالها البدء في آليات اختيار رئيس مجلس النواب تمهيدا لتكليف الهيئات الرئاسية الاخرى (رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء).

مباركة امريكية
وسارعت الادارة الامريكية إلى مباركة ما توصل إليه الساسة العراقيون لانهاء ازمة تشكيل الحكومة العراقية. وقال انتوني بلينكين مستشار شؤون الامن القومي لنائب الرئيس الامريكي جو بايدن إن “مايبدو اتفاقا لتشكيل حكومة (مشاركة) شاملة يمثل خطوة كبيرة الى الامام في العراق”.

واضاف : “تفاوض القادة العراقيون ويبدو أنهم اتفقوا على اعادة توزيع كبيرة للسلطات يخلق توازنات ورقابة ضد اساءة استخدام السلطة من اي جماعة كانت”.

روداو