من مشاهد السرقة والإغتصاب للتراث والتأريخ الكوردي في تركيا
مشاهدات شخصية في (تركيا)
الدكتور: مهدي كاكەيي
في صيف عام 2006، قمتُ بزيارة الى (تركيا) في رحلة مع إحدى شركات السفرات السياحية، قاصداً مدينة (آلانيا) الواقعة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط والتابعة لمقاطعة (Antalya). في مدينة (آلانيا) التي بقيتُ فيها لمدة أسبوع، يعمل العامل في الحوانيت هناك لمدة 16 ساعة يومياً مقابل راتب شهري يبلغ حوالي 450 دولاراً. هذا يعني أنّ أجرة العامل في الساعة تبلغ أقل من دولار واحد، بينما في بلد مثل السويد، يبلغ معدل أجرة العامل في الساعة حوالي 15 دولاراً. في الدول الغربية، تمّ تحديد فترة العمل اليومي بثماني ساعات، فإذا قام العامل بإداء عمل إضافي، فأنه يتقاضى أجرة إضافية يتراوح مقدارها بين 50 و 100% من الراتب الأصلي. حفاظاً على صحة المواطنين وعلى الحياة الشخصية والإجتماعية لهم، فأنّ الدول الغربية قامت بتشريع قوانين لتحديد وتنظيم ساعات العمل الإضافية لمواطنيها لمنع تعرضهم للإجهاد الذهني والجسدي وتفادي النتائج السيئة التي يُسببها العمل لفترات طويلة على الحياة الشخصية والعائلية للسكان. في (تركيا) يحصل عمال الفنادق على أجر شهري أقل من عمال الحوانيت، حيث يتقاضى العامل حوالي 300 دولار في الشهر رغم عمله لساعات طويلة خلال النهار والليل.نزلتُ في فندق يُشرِف على شاطئ البحر هناك. كان يعمل فيه شابان يحملان إسمَين كورديَين، كان إسم أحدهما (سَردار) وإسم الآخر (سالار). سألتهما فيما لو كانا كورديَين، فأجابا بالنفي وأخبراني بأنهما تُركيان. هذان الشابان قد يكونان كورديَين وأنكرا أصلهما الكوردي بسبب الهيمنة التركية في(تركيا) وإنكسار الشخصية الكوردية نتيجة تبعية المواطن الكوردي للدول المحتلة لكوردستان وإفتقاده لهويته الكوردستانية و جهله بِلغته و تأريخه و حضارة شعبه أو كان هذا الإنكار بسبب خوفه من السلطات التركية. من المحتمل أيضاً أنهما قد تمّ تتريكهما أو إستتركا وإنسلخا عن أمتهما الكوردية، أو قد يكونان تُركيان كما كانا يدّعيان، إلا أنهما يحملان إسمَينِ كورديين. طيلة الحقب التأريخية الطويلة يقوم محتلو كوردستان بسرقة المفردات الكوردية بِحُكم إحتلالهم لكوردستان وتحكّمهم بحياة الشعب الكوردستاني، فإستولوا على وطنه ولغته وإغتصبوا تأريخه وتراثه ونهبوا خيراته وأذلّوا كرامته وبذلك يدّعي الأتراك بأنّ هذين الإسمَين وآلاف غيرهما هي من المفردات التركية. لا ينحصر نهب مُحتلّي كوردستان في اللغة والتراث والتأريخ فقط، وإنما الإنسان الكوردي نفسه قد تمت سرقته، فتحوّل بمرور الوقت الى إنسان عربي أو فارسي أو تركي وبذلك إنسلخ عن أمته وفَقَدَه الشعب الكوردي. كما أنّ المحتلين قد نجحوا في فرض ثقافتهم وأفكارهم على الكثير من المواطنين الكورد، بِحُكم إحتلالهم لكوردستان وفرض ثقافتهم وأفكارهم على شريحة كبيرة من شعب كوردستان. من نتائج هذا التأثير الإحتلالي، على سبيل المثال لا الحصر، نجد أنّ أعداداً كبيرة من الكورد الذين تمّ ترويضهم، يفتقدون الى الشعور بالإنتماء الى الشعب الكوردي و يتهربون من الفكر القومي الكوردي والشعور الوطني الكوردستاني و يجهلون الأهمية القصوى للإحتفاظ بِلُغتهم و البحث عن التأريخ الكوردي العريق للعثور على الذات الكوردية و تأريخ الأمة الكوردية و ثقافتها و تراثها، لكي يتم التعرف على الهوية و الشخصية الكوردية الأصيلة و يستقل الكورد، كأمةٍ ذات شخصية متميزة، بعيدةً عن الآثار الإحتلالية التي يهدف منها المحتلون إذابة الأمة الكوردية و جعلها جزءً منهم أو على الأقل أن تصبح تابعة ذليلة لهم، لِلُغتهم و ثقافتهم و فكرهم و تأريخهم. لتحقيق هذا الهدف، يحاول محتلو كوردستان إستغلال الدين الإسلامي والأفكار اليسارية التي تُرسّخ هيمنة الشعوب المحتلة لكوردستان وتعمل على سيادتها على شعب كوردستان وإيجاد المبررات الواهية والمُضللة لإستمرار هذه الشعوب في إحتلال كوردستان وإذلال شعبها ونهب خيراتها أو بإستخدام الإنتماء الآري للكورد والفُرس، كما في حالة الإحتلال الفارسي لجزء من كوردستان وهيمنة الثقافة واللغة الفارسية في إيران وحرمان الشعب الكوردي من أبسط حقوقه السياسية والإقتصادية والثقافية. هل تعني الإخوة والقرابة أو الإنتماء الى دين واحد أو حمل فكر مشترك، سيادة العرب والفُرس والأتراك وتحكّمهم بمصير شعب كوردستان؟!! علينا أن نفضح الوسائل التي يلجأ إليها محتلو كوردستان لإبقاء سيطرتهم على كوردستان وقهر إرادة شعب كوردستان. على الكوردستانيين أن ينهضوا من غفوتهم و سُباتهم و أن يستفيدوا من دروس التأريخ الذي تمتلأ صفحاته بوقائع إستغلال شعب كوردستان من قِبل أعدائه، تارةً بإسم الإخوة الإسلامية و أخرى بإسم الإخوة الآرية و ثالثة بإسم الأخوة الأممية و من شروط كل هذه الأنواع من الإخوّة الكاذبة هو أن يكون شعب كوردستان عبداً مُطيعاً للشعوب التي تحتل بلاده و أن يبقى تابعاً ذليلاً لها، يُفدي بأرواح أبنائه و بناته من أجل المحافظة على الكيانات السياسية التي تستعبده و يُضحي الكورد بكلّ غالٍ ونفيس في سبيل المحافظة على الأغلال التي تُكبّل أياديهم و الإبقاء على أطواق المهانة التي تلتف حول أعناقهم و تخنقهم. إنها مأساة شعب يُدافع بعض من مواطنيه الضّالين عن محتليه ويحاولون تكريس عبودية هذا الشعب العريق! من مشاهد السرقة والإغتصاب للتراث والتأريخ الكوردي، يرى المرء أيضاً عروضاً موسيقية وغنائية ودبكات وأنواع عديدة من الرقص يتم تقديمها في المنتزهات العامة و في المقاهي والحفلات، حيث يُقدّمها الأتراك للسوّاح على أنها من الفنون التركية، بينما في الواقع أنّ أغلبية هذه الألحان الموسيقية و جميع الرقصات الشعبية المعروضة هي كوردية خالِصة. الأغاني المُقدمة هي باللغة التركية، إلا أن معظمها هي أغانٍ مسروقة من الأغاني الكوردية، حيث تمّت ترجمة النصوص الكوردية لتلك الأغاني الى التركية (للإطلاع على أسماء بعض الأغاني المسروقة من الكوردية من قِبل الأتراك، يمكن مراجعة كتاب الباحث التركي، إسماعيل بيشكجي المعنون “كُردستان مستعمرة دولية”، ترجمة زهير عبد الملك، دار APEC للطباعة والنشر، السويد، 1998، صفحة 257 – 261). كما أنّ أزياء الملابس المعروضة هي أزياء كوردية، يدّعي الأتراك بأنها تركية. في الصباح الباكر لأحد الأيام التي قضيتُها في (تركيا)، خرجتُ مع أعداد من السيّاح السويديين والنرويجيين والفنلندين في عدد من الباصات، قاصدين منطقة (Pamukkale) التي هي عبارة عن منطقة طبيعية خلّابة تتكوّن من جبال كلسية وتنتشر فيها حمّامات معدنية. الإسم هو إسم كوردي يعني (قلعة القُطن). أخذت هذه المنطقة هذا الإسم لِكونها منطقة كلسية بيضاء، حيث أنها بيضاء كبياض القطن. هذا الإسم الكوردي المُركب يتألف من كلمة (Pamu) التي تعني بالكوردية (قُطن) (الأتراك أضافوا الى نهاية الكلمة المذكورة حرف “الكاف”)، أما كلمة (kale) فهي تعني بالكوردية (القلعة). إستناداً الى المعجم اللغوي العربي، فأنّ كلمة “القلعة” تعني “المكان المنيع والحصين”. كلمة “القلعة” العربية متأتية من كلمة “كەل” الكوردية التي تعني “منطقة مرتفعة أو جزء مقطوع من بناية لغرض مراقبة خارج البناية أو تسهيل المرور خلالها”. لا يخفى أنه في الزمن الغابر، كانت القلاع تُبنى في موقع مرتفع لتكون حصينة و لتُشرف على المنطقة و يتم عمل الشبابيك والثقوب ”Kel كەل” في القلعة لمراقبة المنطقة و إكتشاف الأعداء المهاجمين. كمثال على دلالة كلمة “كَل”، هناك المرقد المُقدس للكاكائيين “كَل داوود” الذي يقع قرب مدينة قصر شيرين والمبني على جبل مرتفع وكذك مدينة (كَلار) و (كَلات) التابعة لمدينة خانقين وقرية (كَلات) في منكور التابعة لمدينة مهاباد وقرية (كَلات) أيضاً في ناحية (ويران) التابعة لمدينة مهاباد. يستعمل الطبري كلمات “كَلا” و “قَلا” و “كَلاته” و “كلايَة” للدلالة على “القلعة”. كما أنّ العالِم الإيراني (دهخدا) يذكر في كتابه (لغتنامه) (الجزء 12، صفحة 18438) بأنّ كلمة ال(قلعة) مُعربة من كلمة (كَلا). من هنا نرى أنّ المفردة الكوردية (كَلا) قد تمت إستعارتها من قِبل شعوب المنطقة، مثل العرب والأتراك وحوّروها لتُلائم لغاتهم ونطقهم. منطقة (Pamukkale) تقع في شمال كوردستان وتقع فيه المدينة الأثرية القديمة (Hierapolis) والتي بناها الملِك اليوناني (Eumenes) الثاني في النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد. (Hierapolis) تعني باليونانية (المدينة المُقدّسة). كانت في الباص الذي كنّا نستقلّه، مجموعة من المصطافين النرويجيين والفنلنديين والسوييديين ويقودنا شخصان كورديان كمُرشدَين لنا. كان إسمهما (جنگيز) و (عبد الباقي) و الأخير كان جديداً في المهنة و مساعداً ل(جنگيز). كان (جنگيز) قد عاش في بريطانيا لمدة 17 عاماً وخريج كلية القانون وكان يتكلم الإنگليزية بِطلاقة. خلال رحلتنا، كان (جنگيز) يشرح لنا عن التأريخ والمجتمع (التركي) وطقوسه وعاداته ويذكر لنا أسماء المناطق التي نمرّ بها وأسماء أشجارها ونباتاتها. رداً على حديثه عن التأريخ (التركي) القديم، أخبرتُه بأنّ التأريخ التركي في المنطقة لا يتجاوز 900 عاماً وأن المنطقة هي موطن الكورد والأرمن واليونانيين قبل الغزوات التركية إليها. حين حديثه عن المجتمع (التركي)، إستفسرتُ منه عن المكّونات القومية في (تركيا)، فأجابني بأن هناك شعب واحد ولا فرق بين الأطياف (التركية). أجبتُه بأنّ أبسط دليل للتفرقة العنصرية في (تركيا) هو أنه وزميله (عبد الباقي) ينتميان الى الشعب الكوردي، بينما يتحدثان مع البعض باللغة التركية. ثمّ سألتُه عن عدد المدارس والجامعات ومحطات الإذاعة والتلفزة الكوردية في (تركيا). بدأت إمارات الإحراج والإنزعاج بادية على وجهه وقال (مشكلة “جنوب شرق” تركيا هي مشكلة إقتصادية وبِحل هذه المشكلة سوف لن تبقَ هناك أي مشكلة فيها). سألتُه عن سبب تسميته ل(كوردستان) ب(جنوب شرق تركيا) و ثم أخبرتُه بأنّ القضية الكوردية هي قضية إحتلال أرض كوردستانية و العمل على تتريك الكورد و تعريضهم لأبشع أنواع الإلغاء و الإبادة و الإضطهاد و أنّ القضية هي سياسية و ثقافية و إقتصادية معاً و أنّ حل هذه القضية يكمن في تحرر شعب كوردستان من نير الإحتلال و قيامه بتقرير مصيره بنفسه. في طريقنا الى (Pamukkale)، أخذ يتحدث دليلنا (جنگيز) عن الحضارة التركية والمدينة التأريخية (Hierapolis) التي تمّ بناؤها على قمة “القصر الأبيض” والذي يبلغ طوله 2700 متر وإرتفاعه 160 متر. أخبرتُه بأنّ اليونانيين قاموا ببناء هذه المدينة قبل أكثر من 2250 سنة وحينذاك لم يكن أيّ وجود للأتراك في المنطقة، حيث كانوا يعيشون في منغوليا على تخوم بلاد الصين. أضفتُ بأنّ الشعوب العريقة التي عاشت في هذه المنطقة، تمت إبادتها أو تهجيرها أو تتريكها أو يتم إنكار وجودها ومحاولة إلغاء هويتها وثقافتها وتأريخها. بدأ بعد ذلك مُرشد رحلتنا، (جنگيز) بالحديث عن المآسي التي يعاني منها الشعب العراقي نتيجة (إحتلال) الولايات المتحدة الأمريكية للعراق والأعداد الهائلة، من الأطفال وكبار السن والمدنيين الذين هم ضحايا (الإحتلال). إستطرد في حديثه زاعماً بأنّ الأمريكان قاموا ب(غزو) العراق للإستحواذ على الموارد البترولية لهذا البلد. بدأتُ بمناقشته وشرحتُ له وللمصطافين الذين كانوا معنا في الباص، بأنّ صدام حسين قام بِقتل الملايين من العراقيين من خلال حروبه الخارجية مع كلٍ من إيران والكويت والمجتمع الدولي وعن طريق حروبه الهمجية ضد الشعب الكوردي وضد جميع معارضيه وبقيامه بإعدام مئات الآلاف من الشعب العراقي وبسبب المرض والجوع الذي كان يعصف بهذا الشعب المغلوب على أمره. أخبرتُهم كيف قام حزب البعث الفاشي بإستعمال السلاح الكيميائي ضد شعب كوردستان في مدينة حلبجة و مناطق عديدة أخرى من كوردستان و دفنه ل(182000) مائة و إثنين و ثمانين ألفاً من الأبرياء من الكورد وهم أحياء و إستخدامه للسلاح الكيميائي ضد الشيعة في وسط و جنوب العراق و قتله لمئات الآلاف من الشيعة و الكورد أثناء إنتفاضتهم في عام 1991. إستطردتُ في حديثي عن إستحواذ الحكومة العراقية البائدة على خيرات البلاد وتدميرها لمعالم الحياة في العراق. ثمّ قمتُ بالإشارة الى العمليات الإرهابية الجارية في العراق وأنّ مُنفذيها هم من بقايا أفراد حزب البعث الذين يستمرون في إرهاب الشعب وقتله وزيادة تدمير البُنى التحتية التي دمروها أثناء حُكمهم وتحالفهم مع عصابات القاعدة والإرهابيين الوهابيين وبالتنسيق مع مخابرات الدول المجاورة للعراق لإجهاض العملية السياسية في العراق. أخترتُ (تركيا) كمثال للدول التي تتدخل في شئوون العراق ومساهمة مخابراتها في العمليات الإرهابية، وخاصةً في تلعفر وشنگال والموصل وكركوك للإطاحة بالحكومة العراقية والوقوف بِوجه الصحوة الكوردستانية والمحاولة لإعادة الكورد الى حياة العبودية والذل من جديد وإرجاع عجلة الزمن الى الوراء. كما ذكرتُ ل(جنگيز) والحاضرين الآخرين بأنّ (تركيا) عضوة في حلف الناتو وهناك قواعد عسكرية أمريكية على الأراضي (التركية) ولولا المساعدات الإقتصادية والسياسية والعسكرية السخية التي تُقدمها الولايات المتحدة الأمريكية ل(تركيا)، لَكانت (تركيا) قد إنهارت ككيان سياسي منذ زمن بعيد.دخلتُ الى محل لبيع المجوهرات للإطلاع على ما فيه. حينما علِم صاحب المحل أنني من إقليم جنوب كوردستان و في محاولة منه للتقرّب مني لتشجيعي على شراء شئ ما من حانوته، أخبرني بأن الصبي الذي كان يعمل عنده هو كوردي و الذي كان جالساً الى جانبه، إلاّ أنه أضاف بأن الكورد في إقليم شمال كوردستان هم قوم آخر يختلفون مع سكان الجنوب الكوردستاني و لهم لغة مختلفة. أجبتُه بأنّ أهل الشمال والجنوب والغرب والشرق الكوردستاني ينتمون الى أمة واحدة وشعب واحد ويتكلمون لغة واحدة والدليل على ذلك هو الحديث الذي سأبدأ به مع العامل الكوردي الذي يعمل معك. بدأنا، العامِل وأنا نتحدث معاً بِلُغتنا الكوردية الجميلة. بعد ذلك قلتُ لصاحب المحل أنه يرى بِعَينيه كيف يفهم الكوردي الشمالي أخاه الجنوبي رغم الحدود المصطنعة التي رسمها محتلو كوردستان لعزل الكورد عن بعضهم ورغم محاولات تذويبهم في قومياتهم. الشركة السياحية التي سافرتُ معها، نظمتْ زيارة للمصطافين لأحد المحلات الكبيرة لِبيع السجّاد، لغرض الإستماع الى عرض تأريخ صناعة السُجّاد في (تركيا) والأنواع التي يبيعها المحل المذكور. بعد وصولنا الى هناك، تجمّعنا في ساحة كبيرة في وسط المحل وكان عددنا يربو على (200) مائتين شخص. في البداية رحّب بنا العاملون في المحل وقدموا لنا المشروبات الغازية والمعجّنات. بعد ذلك إنبرى رجُل في العقد الثالث من عمره وأخذ يشرح لنا عن تأريخ السُجاد “التركي” ويعرض أنواع مختلفة من السُجاد من حيث النوعية والأحجام والألوان والنقوش. أرجعَ محدّثنا تأريخ بدأ صناعة السُجّاد في (تركيا) الى ما قبل (3000) ثلاثة آلاف سنة وبدأ يُقارن السجاد “التركي” مع السجاد الإيراني. بعد الإنتهاء من حديثه وإفساحه المجال للأسئلة، إستأذنتُ منه أن أقوم بالتعليق على كلامه حول تأريخ السجاد “التركي”، فأخبرتُه بأنّ الأتراك لم يكن لهم وجود في (تركيا) الحالية قبل ثلاثة آلاف سنة، و إن تأريخ صناعة السجاد قد بدأ منذ زمن قديم، فهذا يعني أنّ السكان الأصليين الذين كانوا كورداً، هُم الذين إكتشفوا صناعة السجاد و قاموا بتطويرها. أضفتُ بأنه في شمال كوردستان، في موقع “چيانو” والذي يعني بالكوردية “الجبل الجديد”، الذي يقع في شمال غرب مدينة آمد (ديار بكر)، تم العثور في هذا الموقع من قِبل عالم الآثار الأمريكي الپروفيسور (روبرت بريدوود) وفريقه التنقيبي على أقدم قطعة قماش في العالم والتي تمت حياكتها في حوالي عام 7000 قبل الميلاد.تعيش في مدينة (آلانيا) أعداد كبيرة من الكورد، حيث يُقدّر عددهم بِحوالي ثلث السكان على أقل تقدير. لا يخفى أنّ هؤلاء إستقروا هناك بسبب التهجير القسري لهم من قِبل السلطات التركية أو بسبب الحالة المعاشية السيئة في كوردستان، حيث تهمل الحكومة التركية الإقليم الكوردستاني، فينتشر فيه الفقر والجهل والبطالة، بالإضافة الى الدمار الذي يتعرض له نتيجة الحروب التركية العنصرية الوحشية. الإقليم الكوردستاني محروم من المشاريع الإنمائية والمصانع والمعامل والمدارس والمعاهد والجامعات والخدمات. بكل أسف أقول بأنّ هذه المجاميع السكانية الضخمة للكورد في المدن التركية تمّ إهمالها أو التقليل من الإهتمام بها من قِبل الأحزاب السياسية والمنظمات الإجتماعية والثقافية الكوردستانية. إنّ هذه الملايين من الكورد الذين يعيشون في المدن التركية يجب الإهتمام بهم وتنظيمهم وتوعيتهم للحيلولة دون إنسلاخهم عن أمتهم وليكونوا في نفس الوقت قوة جبارة تفرض وجودها الكوردستاني على النظام التركي وليُشكّلوا ظهيراً قوياً للأمة الكوردية وحركتها التحررية. مما تقدم نرى أنّ السلطات التركية وخاصة الجهات الأمنية والمخابراتية تقوم بتدريب المُرشدين للمصطافين الأجانب للتأثير على المواطنين الغربيين والدعاية للحكومة التركية. كما أنّ برنامجاً منظماً وذا أبعاد سياسية يقف خلف مثل هذا التدريب. لا يخفى بأنّ هذا البرنامج له تأثير كبير على الرأي العام العالمي، وخاصة الرأي الأوروپي، حيث يزور (تركيا) الملايين من المصطافين الأوروپيين سنوياً. من أهم أهداف هذه الخطة هو تجميل الوجه القبيح للسلطات التركية لدى الرأي العام الأوروپي وإظهار (تركيا) على أنها دولة ديمقراطية، تحترم حقوق الإنسان. كما أنه من ضمن التوجهات التركية لهذا البرنامج هي الإيحاء للأوروپيين بأن القضية الكوردستانية هي قضية إقتصادية بحتة، حيث يعاني الإقليم الكوردستاني من التخلف الإقتصادي والتنموي والبطالة وبِحل هذه المسائل ستنتهي القضية الكوردستانية. إذن يحاول الأتراك من إبعاد القضية الكوردستانية عن إطارها السياسي وكقضية شعب مجزأ ووطنه مُحتل. تهدف الحكومة التركية من وراء حملتها المبرمجة هذه أيضاً الى تحريض الأوروپيين ضد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يعلم الأتراك الأهمية القصوى للرأي العام في البلدان الديمقراطية ومدى تأثيره على السياسات التي تنتهجها هذه الحكومات الديمقراطية. من هنا يحاول الأتراك خلق هوة كبيرة بين الأمريكيين والأوروپيين لِحرمان الولايات المتحدة الأمريكية من الدعم والتعاون والتأييد لمشروعها الشرق الأوسطي وإفشال دمقرطة المنطقة التي في حالة نجاحها، تؤدي الى تأسيس دولة كوردستان.


