الجذور التاريخية لإسم الدين اليارساني وإسم عشيرة (کاکەيي‌)

د.مهدي كاكەيي

قبل الحديث عن جذور كلمة (يارسان) و (کاکەيي‌)، أرى من الضروري التعريف بهذين الإسمَين وعن عقيدة الدين اليارساني. (کاکەيي‌) هي عشيرة تعيش في جنوب كوردستان، حيث يعيشون في مدن وأرياف كركوك وسهل نينوى وخانقين ومندلي والكوت وهاوار في منطقة السليمانية وتُقدّر نفوسهم بِحوالي (000 200) شخص. تعتنق أفراد هذه العشيرة الدين اليارساني الذي هو إمتداد للديانة الشمسانية الكوردية التي يعود تاريخها الى أكثر من (5000) خمسة آلاف سنة. يؤمن اليارسانيون بتناسخ الأرواح والحلول، لا يُصلّون، بل يُقدّمون أسبوعياً نذوراً خلال اجتماع ديني وتتكون النذور عادةً من أنواع مختلفة من الفواكه، يتم توزيعها على الحاضرين المتكونين من النساء والرجال والأطفال بعد الإنتهاء من مراسيم وقراءة أدعية خاصة بهذا الطقس. يصوم اليارسانيون ثلاث أيام في منتصف الشتاء، حيث عنده يبدأ طول النهار بالإزدياد ويقل طول الليل وهذا التوقيت هو إرثٌ سومري، كان يحتفلون به لمناسبة بدء زيادة طول النهار، حيث ضياء الشمس ونقصان طول الليل، حيث الظلام. تُقدّر نفوس اليارسانيين في العالم بِحوالي 6 – 7 ملايين نسمة، حيث يعيش حوالي 4 ملايين منهم في إقليم شرق كوردستان. كما أسلفنا أن عشيرة (کاکەيي‌)، التي أفرادها يعتنقون هذا الدين، يتواجدون في إقليم جنوب كوردستان. يعيش اليارسانيون أيضاً في شمال كوردستان وفي مناطق ودول أخرى، مثل أذربايجان الغربية في إيران وفي پاكستان وأفغانستان والهند وغيرها من الدول. تتمثل الوحدانية في الديانة اليارسانية في خالق الكون (خاوَنكار). في الديانة اليارسانية، لا توجد تسمية خاصة للشر ولا يوجد إله خاص بالشرّ. في فلسفة العقيدة اليارسانية، (خاوَنكار) أي (الإله) هو نور وخير مطلق، ولا يمكن أن ينبثق الظلام من النور، ولا يمكن للإله الخيّر أن يُنتج كائناً شرّيراً، يسلّطه على مخلوقاته، فالخير والشر في العقيدة اليارسانية هما من عمل الإنسان، ولذلك فأنّ الإنسان هو صانع أفعاله وأقواله، ولا وجود لِكائن شرّير بإسم (أهريمن أو شيطان) لتحميله وزر أفعال وأقوال البشر. كما أنّ وجود الشر في الدين اليارساني يتناقض مع مفهوم (الخالق) الذي هو خير مطلق. وهبَ الإله (خاوَنكار) الإنسان العقل ولذلك فأنّ الإنسان مُخيّر بين القيام بأعمال خيّرة أو سيئة وهذا يعني بأن الإنسان مُخيّرٌ في التفكير والقيام بالأعمال، سواء كانت أعمالاً صائبة أو خاطئة، جيدة أو سيئة، وأنه يتحمل مسئولية قيامه بالأعمال التي يقوم بها، وهو بنفسه يتحمل مسئولية إرتكابه الأخطاء أو الجرائم. لو أنّ كل ما يقوم به الإنسان هو من إرادة الإله، هذا يعني بأن الإله يدفع الإنسان الى إرتكاب الجرائم والأعمال الشرّيرة الأخرى وأنه مصدر الشرّ. هذا يعني أيضاً أنه في هذه الحالة فأنّ الإنسان المُجرم برئ من جرائمه لأنه فاقد الإرادة وأنه مجرد آلة يستخدمها الإله في إرتكاب الجرائم وأنّ الإله هو المجرم الحقيقي والعقل المدبّر لكافة جرائم وشرور الإنسان. الفلسفة التي تتميّز بها الديانة اليارسانية عن بعض الديانات الأخرى، هي أنه في الديانة اليارسانية، الإنسان هو منبع الخير والشر وليس الإله. هكذا فأن الفلسفة اليارسانية تقول أنّ أعمال البشر لا يُحددها الإله، بل أنّ الإنسان بنفسه يُحدّد الأعمال التي يقوم بها وبذلك يمنح الدين اليارساني للإنسان حرية الفكر والإبداع والإبتكار والإختراع والإعتماد على النفس والثقة بالنفس والعمل على خدمة الإنسانية وبناء الحضارة البشرية، بِعكس الأديان التي تجعل معتنقيها يخضعون للأقدار ويعتمدون على الإله وبذلك يتم تغييب عقل الإنسان وإلغاء إرادته.كما أنّ العلاقة بين الإله والإنسان في الديانة اليارسانية، هي علاقة روحية هارمونية، علاقة عشق وحُبّ ومحبة، حيث أنّ الإنسان هو جزء من الذات الإلهية. لذلك فأنّ الإله يُحبّ مخلوقاته وأنه إلهٌ مسالمٌ، ليس “جلّاداً”، يُهدد ويُخيف ويُرعِب البشر ويُنذره بالحرق والتعذيب، كما هو الحال في بعض الأديان الأخرى. هذا يعني بأنّ الإنسان يعبد (خاوَنكار) عن حب وقناعة وإيمان وأنّ عبادته غير ناجمة عن الخوف من غضب وعقاب الإله.الآن نعود الى الموضوع الذي نحن بصدده. منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ظهر مصطلح (سان) الميتاني في وثائق (حتوشا) بمعنى (المسؤول أو السيد) حينما أطلق السائس (كيككولي) على نفسه (أسپا سان Aspa San) أي (سيد الخيول)[1] .(يارسان) كلمة كوردية مركبة من (يار) و (سان). كلمة (يار) تعني (العاشق أو الخليل أو الصديق أو الأليف). أما كلمة (سان)، كما تمّ ذكرها، فهي تعني (سيد أو صاحب) باللغة الخورية (الهورية) وكذلك تعني (الشاه أو الملِك أو السلطان) في اللغة الپهلوية القديمة واللهجة الگورانية الكوردية، وبهذه الصورة تعني كلمة (يارسان) (عاشق الشاه أو عاشق الملِك أو عاشق السلطان) وهذا يعني (مُحب خاوَكار، أي مُحِبّ الله). هناك تفسير آخر لمعنى كلمة (يارسان) وهو أنه في بعض الحالات يتحول في اللغة الكوردية حرف ال(س) الى حرف ال(ك)، كما في تحوّل كلمة (كات) الى (سات). بناءاً على هذه القاعدة، فأن كلمة (يارسان) كانت في الأصل (يارَكان)، وذلك بِحلول حرف السين محل حرف الكاف. كلمة (يارَكان) تعني (العشاق أو المُحبّون)، حيث أن كلمة (يار) تعني (عاشق) واللاحقة (ان) هي أداة جمع في اللغة الكوردية. لهذا السبب، نرى أن (يارسان) مُستعمَلة بِصيغة الجمع. التفسير الأول لمعنى (يارسان) هو المٌرجح، أي أن (يارسان) يعني (عاشق أو محّب خاوَنكار “الإله”).كلمة (سان) الخورية لا تزال باقية في اللغات الهندوأوروپية، فالكلمة (saint) تعني (قدّيس) في اللغة الإنگليزية والفرنسية، بينما تُستعمل كلمة (Sankt) في اللغة الألمانية بِنفس المعنى.تمتد جذور كلمة (کاکە‌) الى أعماق سحيقة من التأريخ، حيث أنّ إسم بلاد سومر باللغة السومرية هو (كي إن جي Ki -en –gi)، الذي يعني “بلاد السادة النبلاء”. هذا الإسم في اللغة الكوردية يعني “مكان أو بلاد سادة الأرض”، حيث أن كلمة (كي) تعني باللغة السومرية (مكان) أو (نبيل) والذي قد يكون إسم (كاكەيي) مستمد منه. كما أنّ عدداً من حُكّام كوردستان القدماء تلقبوا بِكُنية “كاكه أو كيكا”. حكم أسلاف الكورد الكاشيون منطقة لورستان الحالية، وكان أحد ملوكهم إسمه (أكوم كاك ريمي) الذي إستطاع لأول مرة أن يحكم بابل، حيث أنه إنتهز فرصة الغزو الهيتي (الحثّي)، فأثبت حكمه هناك في حوالي سنة 1590 قبل الميلاد. كما أنّ أحد حُكّام مقاطعة (خوبوشكيا) كان إسمه (كاكي) الذي حكم خلال مطلع الألف الأول قبل الميلاد. كان الحكام الميديون (700 – 550 قبل الميلاد)، تسبق أسماءهم كلمة (كەی KEY) والتي تعني “عظيم أو نبيل، مثل (كَي خسرَو KEYXESREW) و (كَي كاوس KEYKAWIS) وغيرهما. كما يذكر المؤرخ الپروفيسور جمال رشيد أحمد أنّ كلمة (كاكەیی) هي كلمة آريانية مذكورة في النصوص الآشورية بِمفهوم (العم أو الخال) [1] وتعني اليوم (الإخوة الكبار) وأصبحت إسماً لِعشيرة كوردية للدلالة على العلاقات الأخوية التي تربط أفراد هذه العشيرة بعضهم بالبعض. من جهة أخرى يرى الأستاذ (مەحەمەد ئەمین هەورامانی)، بأنّ أصل كلمة “کاکە” يعود الى كلمة “گائاکە” التي جاءت في الكتاب الزردشتي المقدّس (آڤيستا) بِمعنى (كبير أو عظيم أو رئيس) [2]. ظهور إسم (کاکەیی) يسبق ظهور الديانة الزردشتية بِزمنٍ طويل ولذلك من المرجح جداً أنّ زردشت إقتبس هذه الكلمة الآريانية القديمة من اللغة التي كانت متداولة من قِبل أسلاف الكورد الكاشيين والكاكائيين والميديين.كما أنه تمّ ذكر قبائل (کاکەيي ‌Kakeyî) في الكتاب الهندوسي المقدس (ريگ ڤیدا Rig Veda) الذي هو أقدم جزء من كتاب (ڤیدا) والمكتوب بالأبجدية السنسكريتية القديمة والذي تمّ تأليفه على الأرجح بين سنة 1500 و 1200 قبل الميلاد. يذكر الكتاب الهندوسي المقدس أن الكاكائيين سكنوا على ضفاف نهر (پاروسني Parusni) (راڤي Ravi). يتحدث أيضاً عن الملِك الكاكائي (Ashvapati) الذي إسمه يعني (رب الخيول Lord of horses). من الجدير بالذكر أنّ نهر (پاروسني Parusni) يعبر شمال غرب الهند وشرق پاكستان، وهو أحد الأنهار الستة في نظام السند في منطقة پنجاب (پنجاب تعني “الأنهار الخمسة”).هذا يعني أن إتحاد القبائل الكاكائية كانت موجودة في زمن الخوريين والميتانيين وقبل تأسيس مملكة ميديا. الحديث عن الكاكائيين في الكتاب الهندوسي المقدس (ريگ ڤیدا Rig Veda) وتزامن وجودهم في زمن الخوريين – الميتانيين يُفسّر لنا إشتراك الخوريين والكاكائيين والميتانيين والهندوس في إعتناق دين واحد، وهو الدين اليزداني الذي لا يزال الكاكائيون المحتفظون بإسم قبيلتهم، يعتنقون هذا الدين.لقد تمّ ذكر إتحاد قبائل عشيرة (كاكەيي) في الملحمة الشعرية الهندية (مهابراتا) المكتوبة بالأبجدية السنسكريتية في القرن الخامس – الرابع قبل الميلاد، مرات عديدة والتي تقول بأنهم كانوا آنذاك عبارة عن إتحاد قبلي، تتكون من قبائل عديدة. في زمن الملحمة الهندية (مهراتا)، أي في القرن السادس والخامس قبل الميلاد، كانت للكاكائيين دولة بإسم (مملكة كاكەيي) وكانت تقع في شمال غرب الپنجاب، تمتد من (قندهارا Gandhara) الى نهر (بياس Beas). من الجدير بالذكر أن (قندهارا) هي منطقة قديمة تقع في حوض پيشاور في شمال غرب شبه القارة الهندية القديمة التي هي في الوقت الحاضر تشمل شمال غرب پاكستان وشمال شرق أفغانستان. هناك بقايا للكاكائيين الى الوقت الحاضر في كل من الهند وپاكستان وأفغانستان وإيران وكوردستان وتركيا والذين لا يزالون يعتنقون الدين اليارساني. من جهة أخرى، يذكر المؤرخ الپروفيسور جمال رشيد احمد أنّ كلمة (كاكەیی) هي كلمة آريانية مذكورة في النصوص الآشورية بِمفهوم (العم أو الخال) [2] وتعني اليوم (الإخوة) وأصبحت إسماً لِعشيرة كوردية للدلالة على العلاقات الأخوية التي تربط أفراد هذه العشيرة ببعضهم. من جهة أخرى يرى الأستاذ (مەحەمەد ئەمین هەورامانی)، بأنّ أصل كلمة “کاکە” يعود الى كلمة “گائاکە” التي جاءت في الكتاب الزردشتي المقدّس (آڤيستا) بِمعنى (كبير أو عظيم أو رئيس) [3]، إلا أنّ ظهور إسم (کاکەیی) سبق ظهور الديانة الزردشتية بِزمنٍ طويل وأن الكاكائيين أسسوا مملكة بإسم (مملكة کاکەیی) في حوالي سنة 1800 قبل الميلاد ولذلك من المرجح جداً أنّ زردشت إقتبس هذه الكلمة الآريانية القديمة من اللغة التي كانت متداولة من قِبل أسلاف الكورد الكاشيين والميديين.في سنة (934) ميلادية، أشار (المسعودي) في الجزء الرابع من كتابه (مروج الذهب)، الى الأقوام الكوردية التي كانت تقطن الجبال بإسم قبائل (كاهكاهي).هكذا نرى بأن إسم (کاکەيي Kakeyî) عبر التأريخ الكوردي، كان عبارة عن إسم إتحاد قبلي وإسم شخص أو لقب ملِك الذي يُقابل لقب (صاحب الجلالة) أو (صاحب الفخامة) المُستعملَين في الوقت الحاضر كلقب للملِك ولقب رئيس الدولة على التوالي. في نهاية القرن العاشر الميلادي كان هذا الإسم إسماً للقبائل الكوردية الجبلية، كما يشير إليه المسعودي. من جهة أخرى، نرى أن إسم (يارسان) بكل تفسيراته مرتبط بِعشق خاوَنكار (الله) وحُبّه.إن تحديد إسم هذا الدين الكوردي العريق مهم جداً لتحديد هويته، حيث إستخدام إسم واحد له وهو (يارسان)، يُعطي هذا الدين هوية واضحة له، به يُعرّف معتنقوه أنفسهم ودينهم للأديان الأخرى وشعوب العالم.المصادر1. الدكتور جمال رشيد احمد. ظهور الكورد في التأريخ – دراسة شاملة عن خلفية الأمة الكوردية ومهدها. الجزء الثاني، الطبعة الثانية، 2005، حاشية صفحة 905.2. نفس المصدر السابق، صفحة 904.3. محەمەد ئەمین هەورامانی. کاکەیی. چاپخانەی الحوادث، بەغداد، عیراق، 1984، لاپەڕە 65.