عيد نوروز، تاريخ وأساطير [8 – 9]

الدكتور مهدي كاكەيي

الخلفية التاريخية لِعيد نوروزعيد (پورولی) الهيتي وعيد (نوروز) الكوردي

أسس أسلاف الكورد الهيتيون (الحيثيون) مملكة لهم وثمّ وسّعوها فأصبحت إمبراطورية شاسعة، تضم كوردستان، من ضمنها كلّاً من مدينة حلب وحماه. بعد سقوط إمبراطوريتهم، أسسوا ممالك صغيرة. إمتد حُكم الهيتيين من القرن الثامن عشر قبل الميلاد الى القرن الثامن قبل الميلاد (1800 – 800 ق.م)، أي أنّ حُكمهم دام لمدة (1000) ألف سنة. كان لأسلاف الكورد الهيتيين مهرجان يُقام في بداية فصل الربيع (21 آذار)، إسمه (أزن پورولي Ezen Purulli) أو (أزن وورولي Ezen Wurulli) وكان تتمّ إقامته في مدينة (نيريك Nerik). كان يتم الإحتفال بالإعتدال الربيعي كطقوس للخصوبة، حيث كانت تُقام الإحتفالات وتنتهي بزواج مقدس. كان الغرض من المهرجان هو تنشيط الأرض والتغلب على ركود الشتاء [1]. هذا المهرجان كان مُكرّساً لإلهة الأرض (هاناهانا Hannahanna)، المتزوجة من ملِكٍ جديد. في مساء يوم (پورولي) كان الناس يجتمعون لِتناول العشاء ليشكروا الآلهة والأجداد على بركاتهم [2]. لا تزال الكلمتان الهيتيتان المركبتان لإسم هذا العيد، باقيتَين في اللغة الكوردية وتعطيان نفس المعنى، حيث أن كلمة (أزن) الهيتية والتي تعني (عيد)، تحولت الى (جەژن Cejin) في اللغة الكوردية وأنّ كلمة (“پور pur” أو “وور wur”) تعني في اللغة الهيتية (الأرض) أو (الوطن). تحولت هذه الكلمة في اللغة الكوردية الى (وار War) التي تعني أيضاً (الأرض) أو (المكان) وبذلك فأنّ (أزن وورولي Ezen Wurulli) تعني (عيد الأرض) المرتبط بالموسم الزراعي وإحياء الأرض في فصل الربيع.في الأساطير الهيتية، كان هناك إله تنين أفعى يحكم البحار. غالبًا ما كان يُعتقد أن المياه الهائجة وفيضانات الأنهار ناتجة عن تنانين قوية مثل التنين (إلويانكا Illuyanka)، حيث أنّ هناك العديد من الأساطير حوله، بما في ذلك محاربته لإله العاصفة (تيشوب Teshub) والذي أظهر قوة أكبر من خصمه. تمّ العثور على بعض النقوش الصخرية التي تم إكتشافها في شمال كوردستان والتي تُظهِر الاحتفال بهذه الطقوس. يحتوي اللوح المسماري الذي تم العثور عليه أثناء الحفريات على إشارة إلى (العيد العظيم لبداية العام)، عندما اجتمع جميع الآلهة وجاءوا إلى منزل إله الطقس الهيتي (تيشوب) وزوجته، إلهة الشمس الخورية (هبات)، لتناول الطعام ومكتوبة فيها عبارة: (اشرب وانطق بِحياة الملِك والملِكة وحياة السماء والأرض). تُعيد أسطورة تجديد الغطاء النباتي للمهرجان تمثيل دراما المعركة بين إله الطقس في السماء والتنين (إلويانكا Illuyanka) الذي يمثل تكراراً لأول مرة، عندما هُزمت الفوضى الحقيقية وظهر الكون.الإلهة الأم (هاناهانا) وعدتْ الإلهة (إنارا) بأرض ورجُل خلال استشارة إنارا، ثم تختفي الإلهة (إنارا)، فيبحث عنها والدها برفقة (هاناهانا) مع نحلة. هذه القصة تشبه قصة (ديميتر) وابنتها (بيرسيفوني) في الأسطورة اليونانية[3].في الأساطير الهيتية، كان (إلويانكا Illuyanka) تنينًا أفعوانياً قُتل من قِبل (تيشوب Teshub / تارهونت Tarhunt)، التجسيد الهيتي لإله السماء والعاصفة الخوري. وهي معروفة من الألواح المسمارية الهيتية الموجودة في (چوروم بوغازكويي Çorum-Boğazköy)، العاصمة الهيتية السابقة (هتوسا Hattusa). هذه الكتابات تُظهِر أحد طقوس مهرجان ربيع الهيتيين، (پورولي).هناك نسختان من الأسطورة الهيتية، حيث تمّ إكتشاف إحداهما في مدينة (ملاتيا) في شمال كوردستان والنسخة الثانية في العاصمة الهيتية (هتوسا Hattusa). تم العثور على الأسطورة في قائمة فهرس نصوص الهيتيين رقم (321) والتي تعطي نسختين متتاليتين. في النسخة الأولى، ينجح الإله (تيشوب Teshub) في قتل التنين (إلويانكا Illuyanka)، بينما النسخة الثانية تسرد أن إله العاصفة (تيشوب) والتنين (إيلويانكا) يدخلان في صراع مع البعض وخلاله يتغلب التنين (إيلويانكا) على الإله (تيشوب) ويقوم بإقتلاع عينَي (تيشوب) وقلبه وأخذهما كدليل على النصر. بعد ذلك يرجع (إيلويانكا) إلى عالَمه تحت سطح البحر / الأرض (حسب نسخة الأسطورة). الإله (تيشوب) يتزوّج إبنة رجُلٍ فقير وينجبان معاً إبناً، يُسمّيانه (شاروما). لإستعادة عَينَيه وقلبه، يقوم (تيشوب) بتزويج إبنه (شاروما Sarruma) من إبنة (إلويانكا) الذي طلب إعادة عينَي وقلب والِده كهدية زفاف وتمّت تلبية طلبه. بعد أن يستعيد الإله (تيشوب) عينَيه وقلبه، يثأر من التنين (إيلويانكا) ويبدأ الصراع بينهما من جديد و في هذه المرة ينتصر (تيشوب) على (إلويانكا) ويقتله بسلاحه ذي الشعلة التي هي عبارة عن الرعد والنار، بِعاصفة مستعرة. بعد ذلك يدرك (شاروما) أنه تمّ إستغلاله من قِبل والده، لذلك بعد مقتل التنين، يطلب من والده أن يقتله، فيمتثل (تيشوب) لِطلب إبنه ويقتله بنفس الطريقة التي قتل بها (إلويانكا)

[4]. تذكر نسخة أخرى للأسطورة [5] أنه بعد أن يتغلّب التنين (إلويانكا Illuyanka) على إله العاصفة (تيشوب Teshub / تارهون Tarhun)، يذهب إله العاصفة الى إلهة الهيتيين (إينارا Inara) التي كانت إلهة الحيوانات البرّية في السهوب، طالباً المشورة منها. أقامت الإلهة (إينارا Inara) حفلة (من المرجح جداً كانت مهرجان پورولي). قررت الإلهة (إينارا) استخدام الحفلة لجذب التنين (إلويانكا Illuyanka) وإلحاق الهزيمة به، حيث أنه كان العدو اللدود لأبيها. عملت خطة محكمة لخداع التنين وقتله، حيث أنها جنّدت إنساناً يُدعى (هوپاسياس Hupasiyas) من (زيگاراتا Zigaratta) لتصبح عشيقته. دعت (إينارا) التنين الى حفلتها وفي الحفلة، قدّمت الإلهة (إينارا) كميات كبيرة من الطعام والشراب للتنين وعائلته. التنين وأفراد عائلته، أكلوا وشربوا كثيراً فَسَكَروا مما سمح ل(هوپاسياس) أن يقوم بِشد الوثاق حولهم وبعد ذلك قام الإله (تيشوب) بِقتل (إيلويانكا) عن طريق الأمطار الرعدية والبرق وبذلك حافظ على الخليقة [6] [7]. ثم بعد ذلك أتى جميع الآلهة إلى الإله (تيشوب) للإحتفال بهذا النصر. كما إرتبط هذا الإحتفال بزواج الإلهة (هيبات) من الإله (تيشوب). قامت الإلهة (إنارا) ببناء منزل على منحدر وأعطاه لـِعشيقها (هوپاسياس). غادرت (إنارا) ذات يوم وأعطت تعليمات لـ(هوپاسياس) بأنه لا ينبغي أن ينظر من النافذة، لأنه قد يرى عائلته، لكنه نظر من خلال النافذة ورأى مشهد عائلته. أخذ يتوسل الى الإلهة (إنارا) للسماح له بالعودة إلى عائلته. لا يُعرف ما الذي حدث بعد ذلك، ولكن هناك تكهنات [8] بأن (إنارا) قتلت (هوپاسياس) لعصيانه [6] أو بسبب غطرسته [9] أو أنها سمحتْ له بالعودة إلى عائلته [7]. من نصوص مهرجان (پورولي Purulli) لإله العاصفة (تيشوب)، هي:”دع الأرض تنمو وتزدهر، دع الأرض تكون آمنة! وعندما تنمو وتزدهر، قم إذن بمهرجان (پورولي Purulli)” [4].من الجدير بالذكر أنه تمّ العثور على النسخة المذكورة أعلاه على نقش تم إكتشافه في (ملاتيه) في شمال كوردستان (يعود تاريخه إلى 1050-850 قبل الميلاد)، وهي معروضة في متحف حضارات الأناضول في أنقرة، تركيا.يوم إنتصار إله العاصفة (تيشوب) على التنين (إيلويانكا) وزواجه من الإلهة (هيبات)، أصبح يوماً لرأس السنة الهيتية الذي يصادف (21) الحادي والعشرين من آذار وعيداً وطنياً لبلاد الهيتيين، حيث كان يُحتفَل به من قِبل الشعب الهيتي في مختلف أرجاء البلاد من خلال إقامة المهرجات وتقديم القرابين من الحيوانات والطيور وإشعال النيران في جميع أنحاء الإمبراطورية الهيتية وأنّ النيران كانت ترمز الى الشعلة النارية لإله العاصفة (تيشوب). كان مهرجان و إحتفال عيد الربيع (پورولي) له أهمية كبرى للهيتيين، لدرجةٍ أنّ الملِك الهيتي (مورشيلي الثاني (Mursili II (1321- 1295 ق.م) قاطع حملة عسكرية له ليحضر مراسيم الإحتفال بهذا العيد. من المرجح جداً أنّ أساطير مهرجان (پورولي) الهيتي التي تسرد قتل إله العاصفة (تيشوب) للتنين (إيلويانكا) هي الخلفية الحقيقية لأسطورة كاوه الحدَاد والضحّاك ونمو حيّتَين على كتف الضحّاك والتي هي بِدورها إمتداد للمهرجانات التي كانت تُقام منذ ظهور الإنسان العاقل على كوكبنا الأرضي لمناسبة قدوم فصل الربيع، فصل الدفء والضياء والخضار ووداع الشتاء وثلوجه وبرده وظلامه، والتي إنبثق منها عيد نوروز ورأس السنة الكوردية. ملاحظة: الصورة في اليسار: إحتفالات مهرجان (پورولي) في بيت الإله (تيشوب).الصورتان في جهة اليمين من الأعلى الى الأسفل:1. إله العاصفة (تيشوب) يقتل التنين (إلويانكا). هذا النقش معروض في متحف حضارة أناتوليا في أنقرة.2. إلهة الشمس (هِبات Hebat) في (آرينا Arinna) من مركز أناتوليا، وهي معروضة في متحف (ميتروپوليتان Metropolitan) في مدينة نيويورك الأمريكية.

قد تكون صورة ‏نصب تذكاري‏