الدستور الذي يطالب به اردوغان

مع استمرار الحملات الإعلامية لدعوة أردوغان كتابة دستور جديد من الواضح أنه سوف يمنحه صفة سلطان بلا منازع في حكم تركيا مدى الحياة، وبعد ترغيب الرأي العام بالفوائد العظيمة لذلك الدستور، بدأت أبواق حزب العدالة والتنمية بانتهاج اسلوب آخر.

 اسلوب فرض صيغة الأمر الواقع بضرورة قبول دعوة اردوغان بوصفها واجبا وطنيا وهو ما يمكن تفسيره لاحقا بتوقع تصنيف من لا يطبلون لدستور اردوغان بأنهم اما غير وطنيين أو خونة أو متعاونين مع الارهاب.

وفي هذا الصدد نشرت ديلي صباح مقالا كتبه نيغهان التشي يقول فيه أن العقبة الأكبر أمام التغيير نحو حياة أفضل للأتراك هي الدستور الحالي.

وبذلك تحوّل الدستور الحالي الى عقبة والى كونه هو أم المشاكل في تركيا.

يعود تاريخ دستور تركيا الحالي إلى عام 1982 وقد أعده جنرالات انقلاب 1980، بحسب أوصاف اجهزة إعلام أردوغان. وعلى الرغم من أن العديد من الأجزاء من الدستور قد تغيرت بمرور الوقت أو تمّ تعديلها، إلا أن “روح الانقلاب” لا تزال قائمة. إنها روح شمولية ذات آثار عسكرية.

وتاكيدا لكون موضوع كتابة الدستور هو قرار مصيري وإجباري فإن اذرع الحزب الحاكم الاعلامية تربطه بشكل وثيق بقضايا مثل حقوق الانسان الاساسية والحرية.

 وتزعم تلك الاوساط الدعائية ان خطة إصلاح حقوق الإنسان، التي قدمها اردوغان  الأسبوع الماضي، وتعدّ وثيقة مفصلة للغاية تهدف إلى بناء حكم قانون يعمل بشكل جيد ويعزز معايير حرية التعبير وجميع الحقوق الديمقراطية الأخرى في تركيا، لن تتحقق عمليا من دون دستور جديد.

المعارضة
المعارضة التركية كانت قد عبّرت عن رأيها بوضوح أن على أردوغان احترام الدستور الحالي أولا

إنها تصف تلك الخطة بأنها خطة ليبرالية للغاية تعتمد على قوة الفرد. وتؤكد على حرية الصحافة مع إزالة العقبات أمام حرية التعبير.

هذا الحلم الأقرب الى الخرافة يتحدث عنه اردوغان وتابعوه في وقت تحولت فيه تركيا الى سجن كبير للصحافيين والسياسيين المعارضين، ولهذا يعترف الكاتب بالحقيقة قائلا انه لطالما كانت لدينا مشكلات حقيقية تتعلق بحرية التعبير.

ويعتقد أيضا أن العقبة الرئيسية في طريق حقوق الانسان هي مفهوم الدولة. حيث لا يُنظر إلى الدولة على أنها مؤسسة لخدمة شعبها بل كشعب إلهي يُتوقع أن تتم خدمته.

وتقول ابواق الحزب ان هذه الخطة الجديدة لأردوغان إلى تغييرهذا الواقع. وأنه في خطاباته السابقة والحديثة، شدد أردوغان عدة مرات على ضرورة تمكين الفرد والدولة لخدمة الشعب.

وأنه إذا تم تحقيق هذا التحول، فسيكون هنالك إصلاح حقيقي في تركيا، والحاصل أنه بدستور اردوغان سوف تكون هنالك حياة جيدة وحقوق وحريات ومن دونه تبقى الدولة الاستبدادية تفتك بالشعب وبحقوقه وحرياته الاساسية، تلك هي المعادلة الشائنة التي يروج لها الحزب الحاكم.

وانظر الى هذا الشعار: من أجل إحداث تغيير جذري، يجب أن نبدأ بالدستور. لكن هل نستطيع؟

هكذا يضع حزب العدالة والتنمية المقدمات أمام الشعب أنه لاخيار عن دستور اردوغان الجديد.

ويوجه الكاتب فب ديلي صباح كيف تستعد لهذه المهمة، ويحيل الى أردوغان نفسه الذي دعا كل الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية إلى دعم دستور جديد.

ومن جهته  قال رئيس لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان، هاكان جاويش أوغلو، هذا الأسبوع: “بدعم المجتمع المدني وجميع الأحزاب السياسية، نريد صياغة دستور مدني من شأنه أن يضع تركيا في ذكراها المئوية الثانية. أول دستور مدني بعد دستور عام 1924 “

وتضيف الدعاية الحزبية أن هذا صحيح، اذ كان لتركيا دستوران بعد عام 1924، كلاهما أعده جنرالات الانقلاب وأنصارهم، وهما دستور عام 1961 الذي جاء بعد انقلاب عام 1960، ودستور عام 1982 الذي جاء بعد انقلاب عام 1980.

شبح الإنقلاب والخوف من نتائج انتخابات 2023 تدفعان أردوغان لإجبار المعارضة والرأي العام للقبول بدستوره الجديد

إن كانت دعوة أردوغان مهمة للغاية، لكن ليس من السهل تحقيقها لأن البلاد وتياراتها السياسية منقسمة بشدة.

هذا الاستقطاب يمنع المعارضة من قبول دعوة الرئيس والاجتماع للمحادثات.

موقف المعارضة

نقطة الانقسام الرئيسية هي النظام الذي يريده الطرفان. يريد الجانب الحكومي أن تواصل تركيا النظام الرئاسي الجديد وتصر المعارضة على العودة إلى البرلمانية.

وكخطوة تكتيكية يطرح إعلام كلا الجانبين فكرة انه يجب أن يتفق على الاجتماع دون تحفظات. إذا تمكنوا من الاتفاق على مخطط عريض القاعدة على الأقل، فيمكننا الحصول على خارطة طريق تستند إلى مشاركة الجانبين.

وهنا يأتي تحذير المعارضة من تبعات تجاهل دعوة أردوغان، اذ ينبغي على المعارضة أن تتقدم وتقبل الدعوة.

والحاصل أن الدستور الجديد هو أهم أهداف أردوغان خلال هذه المرحلة والخطة الجديدة لما يعرف بورقة حقوق الإنسان هي خطوة مسبقة لتحقيق هذا الهدف.

صيغة فريدة من صيغ خلط المفاهيم والأوراق ودعوة اجبارية للمعارضة ولعموم الشعب التركي ان يلبوا دعوة اردوغان ولا سبيل لهم غير ذلك. فهل توجد حرية رأي وحرية تعبير وحرية قرار واختيار افضل من هذا الواقع، بلد عبارة عن سجن كبير ونظام يجبر الجميع على كتابة دستور يليق بالسلاطين.